كسْر القواعد
افتتاحية الأزمنة
الجمعة، ٣١ مايو ٢٠١٣
وحتميّة تغييرها بين الفينة والأخرى، لا يقتصر على الألعاب فحسب؛ بالرغم من أن مجمل محاور المسير الإنسانية تقوم عليها، وإنما ضمن الفكر المعرفي برمّته والذي يتكون من مجموع الماضي التاريخي الحقيقي والمزيّف والمتداخل، بحيث شكّل فرصة نوعية للخداع البصري المتحول إلى المسكون الفكري، والذي يدعونا لنقاشه ومن ثم فرْزه وتأسيس علاقات جديدة ونوعيّة من خلال تبادل الجينات، فكيف نخرج عن المألوف، ومن الرتابة والانزلاق إلى الوديان، أو صعود الهضاب وتسلّق الجبال، والانحراف عن المستقيم. والميلان إلى ذات اليمين والانعطاف نحو اليسار، والأرجحة بين السُلّمَين وضمن المساحات الكبرى الواقعة بين الأرض والسماء، بغاية الوصول إلى المجهول واختراقه وتحويله إلى معلوم..
ألا ينبغي تصحيح الصورة الحياتية المتجلّية بتشابه الأيام والأوقات والأحلام والآمال والأحوال.. أما حان وقت كسر تلك القواعد وإعادة تأسيسها من جديد؟ ألا تعتقدون بأن على جميعنا مراجعة آلاف السنين التي مرّت حتى وصلت إلينا: ماهيّتها. فلسفتها. حضاراتها. أديانها. عقائدها. أساليب حضورها السياسية والاقتصادية والاجتماعية..
ما معنى أن نتوغل في التاريخ، ونستطلع الجغرافيا، والسماء وكواكبها ونجومها وثقوبها السوداء والبيضاء، والأرض وما عليها وفيها من مكوّنات وكائنات حيّة وجامدة ومتحركة كرواسخ وثوابت، واتساع الكون وانقباضه، وذوبان القطبين وارتفاع حرارة الأرض، والمدّ والجزر، والهدم والبناء، والحرب والسلم، والحب والكراهية، والإيمان والكفر..؟ ألا يحتاج كل ذلك إلى كسر كل تلك القواعد وبناء قواعد جديدة ضد الكسر، ألا ينبغي كسر الشرِّ، وهل يمكن لنا ذلك؟ والكراهية والحسد، والاغتيال، وقتل الفقر بدلاً من عذابات الفقراء، وأميّة مريدي الأديان، وإرادة مفسِّريها على تجهيلهم؟ لمن تُصنع التكنولوجيا، ومن يدرس الميثولوجيا والفيزيولوجيا والسيكولوجيا والانطولوجيا والطبيعي والميتافيزيك. والحاضر والمستقبل وما أمام المستقبل، والكثير من تخصصات الكيمياء والفيزياء والرياضيات وعلوم الآداب؟ ولماذا أوجد ألفرد نوبل الديناميت وأينشتاين الذرة والقنبلة النووية؟ من يصنع الصاروخ والألغام التي تأخذ أقدام البشرية السائرة دون دراية: إلى الأمام. إلى النهاية. إلى الوراء. إلى البداية!؟.. أليس من الضروري متابعة حجم التغيّر في طاقات الجيوسياسي والجيو اقتصادي، وضرورة كسر المنتج منها والمنعكس على المسارات الدينية والتفاعلات الجنسية؛ التي تعيد إظهار مستندات قديمة إلى الوجود الحاضر؟ كالمثلية وعلاقتها بتاريخ لوط عليه السلام؛ والتي سادت في ذلك الزمان من الصين إلى فلسطين.
ما معنى الرتابة العالمية، أي: الهادئة التي تصيب كوكبنا الحي والتي يطلق عليها الحرب الباردة؟ وحينما نستعيد فكرة البناء الإنساني المبنيّة على الحرب - على اختلاف مسمّياتها: صراع. أحلام. آمال. طموح. بناء- أليست جميعها نوعاً من أنواع الحروب، وبشكل أدق: أن الحرب جزء من فلسفة تكوين البشر، وعندما تسخن ما الذي يجري؟ وإشغال إنسان كوكبنا الحي لبعضه على مساحات مختارة لوجوده من: مسح وتدمير وتهجير وإفلاس وغنى وضياع وتشرد وفقر وتبادل مراكز القوى... إلخ؛ ألم تكن ومازالت في مجموعها قواعد تحتاج للكسر..؟
مما يأخذ بنا إلى أن نسأل عن ماذا تعني كلمة بشرية. وإنسانية. وشيء. وأشياء. ولك ولها ولهم ولهن؟ هل انتهى عصر التأمّل والتفكّر والجمال والفن، أي: إن كل منحى يصل إلى النهاية فسينتهي كي يبدأ من جديد، وإذا لم ينته غداً رتيباً ليستحق كسر وإعادة بنائه، ليخرج عن المألوف ويصبح قابلاً للإثارة، ويسكن الهوس الإنساني القابع بين الجنون والعقل، والغاية هي بقاؤه واستمراره، فإلى أين نسير، وما معنى أن تكون الحياة في جلّها صراعاً من أجل البقاء، والحفاظ على النبض الذي يشير إلى تدفق الدماء في العروق، نتلمّسه كل صباح، لنعلم أننا موجودون ونبدأ رحلة جديدة نتطلع معها إلى صراع جديد؛ ولكن مع من اليوم. والغد. وبعد غد، وأيضاً لماذا؟.. وكيف نستطيع صنع سلام آمن نستفيق عليه؟ فلا نلعن قواعد اللعبة، ولا نفكّر في كسرها بكونها صُنعت لتكون كما هي عليه، ومذّاك الزمان الموغل في القدم الذي أنبأنا عن وجودها كثوابت لا يمكن لنا أن نحيد عنها، كما نسأل لماذا، ومن أجل ماذا ينبغي علينا كسر أو تغيير القواعد؟..
في الإجابة، أعتقد أن علينا القيام بذلك كيما نمتلك رؤية جديدة تتمتع بلغة نوعية تعيد للإنسانية حضورها؛ بيد أن المهم هو من سيتصدر المشهد، ويقوم بفعل الكسر والتغيير لهذه القواعد، أهمُ الساسة، أم الاقتصاديون، أم رجال الدين، أم الشعوب؟ هل ننتظر ونحافظ على الموجود كما هو، أم أن الكسر غدا ضرورة ملحة؟؟.
د.نبيل طعمة