المغامرة الأولى

المغامرة الأولى

افتتاحية الأزمنة

السبت، ١٥ يونيو ٢٠١٣

وربما تكون الأخيرة لأيِّ رئيس يصل سدة الرئاسة، أو يعتلي هرم إدارة استراتيجية في عالم الغرب والشمال برمّته؛ المؤسس للنظام العالمي الجديد الذي تقوده أميركا منذ عام 1776.. فالرئاسة والخارجية والدفاع وقادة أجهزة الاستخبارات، قد يكون لها فرصة ثانية؛ لكنها تبقى ضمن مغامرته الأولى، وحيثما كان قدومه جمهورياً أو ديمقراطياً، يسارياً أو يمينياً، من الصقور أو من الحمائم، يسخّن سياسة بلاده الخارجية أو يضعها في ثلاجة، يبرّر أفعال إدارةِ سياسةِ منظومةِ إدارته الاستراتيجية المؤسّسة من لحظة قيامتها الأولى، أو يؤكد حقّها في كل ما تقوم به من أفعال، كل ذلك يخضع للحظة الانتقاء، فيكون له الخيار الأصعب في حياته، يعتليه لفترة أو لبرهة أو لجولة أو لدورة، ومن ثم يكمل لمرة ثانية، ولكن من المؤكد أنْ ليس لديه ثالثة، هذا إن مرّ بسلام، أما إن خالف القواعد أو كسرها تعرّض مباشرة لمشكلة أو ورطة أو فضيحة أو قتل- ككندي الكاثوليكي- فإنه من المؤكد أنه لن يكمل حتى مغامرته الأولى أو الثانية؛ إلّا إذا كان الثمن غالياً، فتُستر الفضيحة ويُسدل الستار عليها، كما حصل مع نيكسون ووترغيت، وكلينتون مونيكا والسائل المنوي على لباسها الداخلي؛ بعد أن حلف اليمين الكاذب، ومع بوش الابن والحقد الشخصي على صدام حسين، وساركوزي وطلاقه من زوجته الأولى وتعلّقه بالثانية؛ التي حمل طفلها على كتفيه في شرم الشيخ بجزيرة سيناء وتنكّره لزين العابدين بن علي، وبيرلسكوني الذي قبّل يد القذافي من أجل الحصول على مال ليبيا، ومبارك الذي تحدّث إليه أوباما بـ: ارحل، أما اليمني فبكونه استسلم فكان أن سُترت عوراته، واكتُفي بالإبعاد فقط.
المغامرة الأولى لا تدلّ على تحمّل صعاب الحياة؛ لكنها تشير إلى الحضور الاستعراضي في رئاسات عالم الشمال، على العكس تماماً من قيادات عالم الجنوب المحاصرة بأجهزة الشمال المدججة بالأفكار الشريرة، فإما أن تنفذ خططه، أو يُزجّ بها في وحول المتناقضات، لذلك نجد أن العالم الثالث محتاج لمواجهات دائمة لحالات الصراع والخلاف والاختلاف، ومنذ اللحظات الأولى لوصولها إلى سدة القيادة وحاجتها لتكون أقوى من انقساماتها تُرمى بالأثقال؛ فنجدها تتحمل أعباءً جمّة تمنع تقدّمها، ومن لا يقدر عليها تأخذه الرياح أخذ عزيز مقتدر بحسب المعتقدات الروحية؛ إلّا إذا استعان بقوى من عالم الشمال اليميني أو اليساري، والحجة في هذا أن عالم الجنوب لا يستطيع - وبشكل أصح وأدق- الخروج من شرنقته التي يحاول الخلاص من أغلفتها الملتفّة عليه، فإذا نجح كان ذلك نتاج جهده الذاتي، أي: أنه استطاع الخروج من عنق الزجاجة ومن نفق الموت الرهيب..
في المغامرة عند عالم الشمال قضية سمك البحر واصطياده وانتزاع رأس السمكة حين وضعها في المقلاة، وحين السؤال: لِمَ يُنتزع رأس السمكة قبل قلْيِها؟ أجيب: لأن المقلاة صغيرة والسمكة كبيرة وكذا كمية الزيت قليلة، والرأس يحتاج الكثير بكونه القائد والمدبّر والموجّه، فما حاجة الرأس الكبير للشعب الصغير؟! وفي عالم الجنوب ينتزع منها الذيل كي لا تستطيع الغوص عميقاً لتبقى تحت المراقبة.
في عالم الشمال، تؤدي الإدارة أدوار البحث عن النجاح أو تطوير النجاح وما بينهما غير مسموح بالفشل أو الوصول إلى ما بين بين، من باب تنفيذها لأوامر القيادات الخفية، أما في عالم الجنوب فهي مقامرة قد تطيح بالرؤوس بدءاً من المجتمع ووصولاً إلى قمة الهرم/ المسؤول الأول والأخير عن إدارة جميع الأمور: من السياسة إلى الاقتصاد إلى مجتمع المال والدين والجنس، وحراك الصغير والكبير، تراه مهموماً حتى الثمالة أي أنه يدير كل شيء، بكونه المدير والعليم الخبير، بينما في عالم الشمال يدير دون أن يكون هو المدير، ولذلك نجد أن عالم الجنوب مدارٌ بإرادة من عالم الشمال، ومن يتمرد أو يحاول أن يدير ويكون المدير لا يستمر وتُنصب له الأشراك، فيغدو متأرجحاً بين إرادتين، فإما أن يعملوا على إنهائه أو ينتهي أو يُنهى حضوره دون علاقة للشعوب أو إرادتها التي تريد وتريد..
الأمان والفوضى متناقضان، الطاعة والرفض، الانبطاح والشموخ، العبودية والحرية، الديمقراطية والديكتاتورية، السماء والأرض، الذكر والأنثى، الهيدروجين والأوكسجين، الحب والكراهية، السلام والحرب، النجاح والفشل، الرضى والغضب، الهدوء والانفعال، الصحة والمرض، الإيمان والكفر، الشك واليقين، النذالة والشجاعة، لا إنتاج بل زيادة في الاستهلاك، ثنائيات كلية المعادلة بين عالمي الأول والثالث. حيث يستفيد الأول دائماً من هذه المعادلات.
المغامرة الأولى: اكتشاف الذكورة والأنوثة بين الأعضاء التناسلية علاقة تتملكها فكرة التكاثر، لا تحمل في طياتها الحبّ المؤدي إلى الإبداع، الطفل الذكر يسأل ما معنى التداخل. ولماذا لا يمتلك الطرف الآخر- الطفلة الأنثى- مواصفاته ذاتها، وكذلك شروط المرافقة الموافقة، وهذا دليل على خضوع الأول للثاني حين المسير، وضرورة توفّر نظام الطاعة فيما بينهما؟ وهنا نسأل عمّن يصيب سهمه هدفه أو لا يصيب، نراقب آليات النمو الإيجابي، وكيف تنمو ضمنه نظم إشكالها وإشكالياتها من البداية وحتى النهاية، أزرع. أحصد ماذا. ولماذا. ومن أجل ماذا؟ أسئلة تتكون في عقل الرقيب المتابع والمنجز المثابر، الأول يبحث في: إلى أين، والثالث يسير بدأب المُصرِّ على أن يصل، يعلم ولا يعلم ماهيّة النتائج إن وصل أو لم يصل، رحلة المحبِّ الوفيِّ والمنفّذ الأسير المرتهن والحرّ الطليق الطامح الجامح.. فبين هذا وذاك يبحث أهل العالم الثالث عن تقرير المصير ضمن مغامرة أولى لم تكتمل حيث تبقى المغامرة مستمرة بلانهاية.
 
د.نبيل طعمة