دمشق    22 / 11 / 2017
المصلحة العامة  أردوغان: قمة سوتشي مصيرية لمستقبل سورية والمنطقة  السعودية وحزب الله: المواجهة مستمرة.. بقلم:هيام القصيفي  الأسد في روسيا ـ 2: بعد إنهاء الإرهاب... خطوة نحو «التسوية السياسية»  انتصار البوكمال: أفول «شمس الخلافة»... وتحالف «قسد» على المحك  موسكو تستنكر «استنفار» إسرائيل حول «اتفاق الجنوب»  خوفاً من ابن سلمان... أثرياء سعوديون «يحصّنون» ممتلكاتهم  مسؤول سعودي لـ«معاريف»: ضد «الإرهاب الإسلامي» في إسرائيل  استقبل الأسد في سوتشي واتصل بسلمان وترامب وتميم ويستضيف اليوم روحاني وأردوغان  الجيش يستعيد كامل نقاطه في «إدارة المركبات».. ويتقدم جنوب شرق الميادين … سورية في صلب مباحثات بوتين روحاني أردوغان اليوم  «وحدات الحماية»: «تخفيض التصعيد» سمح لتركيا الاعتداء على عفرين  الجيش يسرع عملية اجتثاث داعش من غرب الفرات ويتقدم مسافة 40 كم  خميس يطلب من الوزراء تقييم المديرين العامين المكلفين إدارة المؤسسات  11 ملياراً لتنظيف بردى … وزير الإدارة المحلية: حضرنا ملف إجراء انتخابات محلية ويمكن إجراؤها على مراحل بدءاً من المناطق الآمنة  هل يحتاج العالم العربي التعقل أم الجنون ؟.. بقلم: المهندس ميشيل كلاغاصي  ترامب: أجريت مكالمة رائعة مع بوتين حول السلام في سورية  قائد عسكري إيراني: هذا موعد نهاية "آل سعود"  تعميم بخصوص إنهاء خدمة العاملين المتخلفين عن أداء الخدمة الإلزامية أو الاحتياطية  سعد الحريري يصل إلى بيروت ويتوجه إلى ضريح والده  الأمم المتحدة تدعو كردستان إلى احترام قرار المحكمة العليا العراقية  

مال واعمال

2017-05-04 23:38:41  |  الأرشيف

رؤية لهندسة البنيان المؤسساتي “خلال الإعمار” مستخلصة من تجارب دول نجحت وأخرى فشلت خبير إداري يقدّم خلاصة عصف فكري لتصويب مسارات الإصلاح واستثمار الموارد البشرية

يفترض أن تحقق عملية إعادة الإعمار في إطارها النهائي النهوض بواقع التنمية المستدامة، وانعكاسها في المحصلة على الواقع المعيشي والاجتماعي بالدرجة الأولى، ويتطلب هذا وضع رؤية تترجم إلى أهداف وسياسات تنبثق عنها خطط تنفيذية على أرض الواقع، ما يعني بالضرورة الاستثمار الأمثلَ للموارد البشرية والمادية المتاحة وإدارة فعّالة وكفؤة على المستويات كافة، وهذا يصل بنا إلى أولوية أن يكون لدى الدولة بناء مؤسساتي قوي وقادر على مواجهة متطلبات هذه العملية.

ولعل استعراض بعض تجارب إعادة الإعمار في الدول التي عانت من الحروب والكوارث، يمكّننا من الوقوف على بعض حيثيات ما يجب العمل عليه، ولاسيما من جهة نجاح هذه الدول في إعادة هندسة بنيانها المؤسساتي على أسس جديدة تقوم على الشفافية ومكافحة الفساد، وتبني نهج اقتصادي يقوم على رؤى واضحة استطاعت من خلالها تحقيق إشراقات متميزة في إعادة الإعمار.

ويعرض لنا الخبير الإداري الدكتور حسين إبراهيم تجربتي اليابان وألمانيا في إعادة الإعمار بعد الحرب العالمية الثانية، إضافة إلى تجربة العراق التي فشلت في إعادة بناء بنيانها المؤسساتي على النحو الذي يرسخ العدالة والاستقرار وبالتالي فشلها بإعادة الإعمار.

تحوّلات

ويبيّن إبراهيم أن من أهم السياسات ذات الأولوية التي ركز عليها اليابانيون، إصلاح التعليم وكتب التاريخ والمناهج الدراسية، ومما توافق عليه اليابانيون آنذاك أن الأمة خسرت الحرب… لكن المدارس لم تفقد استحواذها على الطلاب، إلى جانب إلغاء السياسات العقابية واعتماد سياسة الإصلاح وإعادة البناء، والإسهام في إدارة شؤون العمل وغيرها، معتبرة أن هذه التطوّرات والتحولات العميقة في البنيان المؤسساتي هيّأت الفرصة لليابان للاستفادة من تغير نهج الولايات المتحدة تجاهها بسبب التحديات التي فرضتها الحرب الباردة، ما مكّن اليابان من انتشال اقتصادها من براثن الكساد محققة نمواً في الناتج القومي بلغ في المتوسط حوالي 10% خلال الفترة ما بين الاستقلال في عام 1952 حتى أزمة النفط في عام 1973، وهذا ما انعكس على تحقيق حالة من الازدهار والرخاء عمّت اليابان خلال تلك الفترة بسبب التدابير الصارمة التي اتبعتها الحكومة للارتقاء بأدائها ومكافحة الفساد وترسيخ الشفافية.

تساؤل..؟

وفيما يتعلق بالتجربة الألمانية بيّن إبراهيم أنه وبعد أن حطّت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وأوصلت ألمانيا إلى دولة بلا مؤسسات ولا مرافق ولا اتصالات ولا مواصلات ولا كهرباء ولا منافذ لبيع الغذاء والدواء، وبعد أن فقدت ألمانيا ربع منازلها وانخفض إنتاج الغذاء بمقدار النصف عما كان عليه قبل الحرب، كانت المفاجأة أن ألمانيا استطاعت بعد أقل من عقد من الزمن أن تكون صاحبة أكبر وأقوى اقتصاد في أوروبا ورابع  أكبر اقتصاد على مستوى العالم، طارحاً سؤالاً.. هل تحقّق هذا بفعل مشروع مارشال الذي تبنّته الولايات المتحدة لإعمار أوروبا؟.

وأجاب إبراهيم مؤكداً أن الخبراء الذين قيّموا تلك المرحلة من تاريخ ألمانيا يرون أن خطة مارشال رغم أهميتها لم تقدّم لألمانيا الغربية سوى قدر محدود من المساعدة، فبحلول عام 1954 لم يكن إجمالي ما قدّمته خطة مارشال وبرامج المساعدات الخارجية المصاحبة يتجاوز الـ2 مليار دولار، مع ملاحظة أن المساعدات الخارجية كانت تقدّم بيد، في الوقت الذي كان يجرى استنزافها باليد الأخرى عبر ما يسمّى تعويضات خسائر الحرب التي فرضت على ألمانيا تقديمها سنوياً لدول الحلفاء.

معجزة اقتصادية

فالواقع أن نجاح ألمانيا في تحقيق معجزتها الاقتصادية يرجع إلى تبنيها نهج اقتصاد السوق الاجتماعي، الذي طرحه وزير اقتصادها في عام 1948  Ludwing Erhard ويقوم على تبني قواعد السوق الحرة مع الحفاظ على حقوق المجتمع والعمال، فالدولة وفقاً لهذا النهج مسموح لها التدخل بالحدود التي تمكّنها من تحفيز النشاط الاقتصادي ووضع سياسات تضمن بيئة تنافسية بعيدة عن الاحتكار ووضع سياسات اجتماعية لحماية الفرد والعمال، ما أسهم في تحفيز المجتمع على إقامة شركات مساهمة للإنتاج وإعادة الإعمار بالتعاون مع المصارف، فظهرت شركات كبرى مثل مرسيدس وفولكس فاجن وشركات الحديد والصلب..الخ، وقد تم ربط الشركات الكبرى بشركات أصغر، وبمشروعات صغيرة ومتناهية الصغر تقدّم خدماتها ومنتجاتها للشركات الكبرى الأم، وهذا بدوره ساعد على ازدهار هذه المشروعات وتحويلها لاحقاً إلى شركات متوسطة تستوعب الكثير من الأيدي العاملة حيث أصبحت الشركات المتوسطة أبرز مولّد لفرص العمل في البلاد.

وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى النجاح الباهر الذي حققه نهج السوق الاجتماعي، والذي شكّل منعطفاً كبيراً في تاريخ ألمانيا، ما جعله يحتل مكانة متميزة في تاريخ العلوم السياسية والأدبيات الاقتصادية، ما كان ليتحقق لولا الالتزام الجاد بنصوص القانون الأساسي الذي تم اعتماده في عام 1949 حيث وضع ركائز النظام السياسي والقانوني للدولة، وهذا يقودنا إلى نتيجة مفادها أن أولوية الإصلاح الاقتصادي في ألمانيا بعد الحرب، لم تكن على حساب مسارات الإصلاح المؤسساتي التي تم العمل عليها بالتوازي دون أن يتقدّم أحدها على الآخر، ما أسهم في عودة ألمانيا السريعة كإحدى أهم الدول على المسرح العالمي.

سكة كارثية

وفيما يخصّ تجربة العراق كان الأخير -في خلال فترة السبعينيات- مصنّفاً ضمن الدول ذات الدخل الفردي المتوسط الواقعة في الشريحة العليا والمرشحة للانتقال إلى الدول ذات الدخل المرتفع وكانت لديه فوائض مالية ضخمة قدّرت بأكثر من 35 مليار دولار، ولو تسنّى للاقتصاد العراقي النمو خلال العقود التي تلت، لكان حسب تقديرات الخبراء الناتج المحلي الإجمالي يتجاوز في عام 2007 الـ400 مليار ومتوسط نصيب الفرد حوالي 15000 دولار سنوياً، لكن الحروب التي عانى منها العراق منذ الحرب العراقية الإيرانية في نهاية السبعينيات وانتهاء بالغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 ولأسباب تتعلق بالحصار الذي فرض على العراق، هذا كله وضع العراق على سكة كارثية أخرى، فبحسب تقديرات بعض الخبراء تجاوزت الفرصة الضائعة للعراق بسبب الحروب والدمار حتى تاريخ عام 2007 الـ1600 مليار دولار، ناهيكم عن الخسائر الأخرى في البنى التحتية والأملاك العامة والخاصة التي تجاوزت مئات المليارات من الدولارات.

وفي محاولة لإعادة الانطلاق من جديد، تبنّى العراق إبان الغزو الأمريكي في عام 2003 برنامجاً لإعادة الإعمار بتكلفة أولية قدّرت بحوالي 19 مليار دولار كمرحلة أولى، ولكن هذا البرنامج وغيره من خطط واستراتيجيات أقرّت خلال السنوات اللاحقة، والتي كان آخرها خطة التنمية الوطنية 2010 – 2014 لم تحقّق المستهدف منها، والسبب يعود إلى البنية المؤسساتية الهشة التي عانى منها العراق ولا يزال، فعدم تمكّن العراقيين من إعادة صياغة بنيانهم المؤسساتي، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار وإعادة اللحمة الوطنية واستقطاب الخبرات والاستثمارات الخارجية أدّى إلى فشل جهود إعادة البناء والإعمار في العراق بصورة مؤلمة.

وما يهمّنا من تجربة العراق –حسب إبراهيم- هو أن عدم تمكّن العراقيين من تجاوز المحنة والانطلاق نحو بناء دولة المؤسسات كان ولا يزال يمثل التحدي الأبرز الذي يواجه العراق، فمصير العراق أرضاً وشعباً ودوراً مرهون بقدرته على إعادة بناء دولته على أسس ترسّخ العدالة والثقة المتبادلة بمكوناته، وبما يرتقي بالأداء في مؤسساته ويحدّ من الفساد ويعزز الشفافية، ما يدلّ على أنه ليس من خيار أمام الدول التي دمّرتها الحروب لإعادة انبعاثها من جديد لتأخذ دورها الطبيعي بين الأمم، ومن بينها بالطبع العراق، سوى إعطاء عملية الإصلاح المؤسساتي الأولوية القصوى التي تستحق والسير على هذا الدرب الصعب مهما بلغت الأهوال والتضحيات.

الركن الأهم

وبالنتيجة ما تقدّم يظهر بما لا يدع مجالاً للشك أن الإصلاح المؤسساتي يبقى الركن الأهم في عملية إعادة الإعمار للدول التي عانت من الحروب والدمار، مهما اختلفت ظروف هذه الدول، وهو الطريق الوحيد الذي لا بد من سلوكه لبناء الدولة القوية العادلة، ما يعني أن عدم إعطاء عملية الإصلاح المؤسساتي الأولوية كأحد أهم مسارات عملية إعادة الإعمار في بلدان ما بعد الحروب يعدّ قفزاً في المجهول ومجازفة قد تكون لها تداعياتها السلبية الكبيرة على عملية الاستقرار والتنمية وعلى مستقبل تلك الدول برمّته. وأشار إبراهيم إلى أن الساحة السورية تزخر بالكثير من الكوادر في مجال الإدارة العامة وإدارة الإعمار، وما نحن بأمس الحاجة إليه هو التوظيف الكفؤ لهذه الكفاءات وإعطاؤها الفرصة الحقيقية للإسهام في تطوير الواقع المؤسساتي في سورية على مختلف مساراته، ليكونوا بذلك حاملاً لهذا المشروع، خلال المرحلة القادمة.

حسن النابلسي

عدد القراءات : 3729

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *

اكتب الرقم : *
 

 
 
alazmenah.com - All rights reserved 2017
Powered by SyrianMonster - Web services Provider