دمشق    18 / 11 / 2017
نهاية فصل الرياض: شرخٌ مع المملكة وبين الرئيسين  التأمين في الحرب: الرهان المنسي على المستقبل  «هدنة» بين «تحرير الشام» و«الزنكي»  التمويل السعودي جاهز ... و«تجربة» أولى لمعبر رفح في عهد السلطة  مصر ..تحقيقات «الواحات»: تدريبات في ليبيا ومقاتلون أجانب في «ولاية سيناء»  أول ظهور علني لموغابي... والمناقشات مستمرة بشأن مصيره  «أزمة» كوريا الشمالية: محادثات... تجرّ محادثات  إصابة 12 اميراً بجلطة قلبية ودماغية و14 رجل اعمال بينهم لبنانيون بحالة صحية خطرة  سلمان يشرّع خلال أيام الفصل بين العرش وخادم الحرمين ويتقاسم الحكم مع ابنه؟  روسيا تستخدم "الفيتو" ضد مشروع قرار ياباني بشأن الأسلحة الكيماوية في سورية  ظريف: التحالف السعودي يغرق في مستنقع الحرب اليمنية  ابن سلمان يوجه دعوات للمشاركة في تنصيبه ملكا للسعودية  مخاوف أردنية من التقارب الاسرائيلي السعودي  هكذا سيتم تصفية القضية الفلسطينية.. بقلم:هادي جلو مرعي  العراق يشتري 90 ألف طن من الأرز الأمريكي  الحرب على سورية ... عندما يعبد الروسي طريق نهايتها!؟  هل بدأ فعلا الخريف السعودي؟  صراع النفوذ في اليمن.. الخلاف السعودي الامارتي الى العلن مجدداً!  بعد يوم من عرقلة المشروع الأمريكي روسيا تعرقل المشروع الياباني  

نجم الأسبوع

2015-05-12 08:19:59  |  الأرشيف

زكريا تامر

ولادته وطفولته


زكريا تامر في شبابه

وُلِدَ زكريا تامر عام 1931 لأسرة بسيطة في دمشق في حي البحصة الذي تحول إلى كتل إسمنتية كثيفة في وقتنا هذا. وتلقى تعليمه الابتدائي فيها، ولم تطل فترة انتظامه في سلك التعليم بسبب قسوة محاولته للتخلص من الواقع الصعب والإحساس بالفاقة.

عن المنبت والبيئة المكانية التي عرفها الكاتب، فإنه قد انطلق من علاقة حميمة مع المكان، إذ ظلت حارات دمشق الشعبية القديمة في خياله وذاكرته، ينطلق منها ويعود إليها، يفارقها ويحن إلى أزقتها بما فيها من شقاء وفرح، وقسوة وحنان، يصنعان منه ذلك الإنسان ذا الطبيعة البشرية بقبحها وجمالها، وعن ذلك يقول: «أنا ابن الحارات الشعبية الذي يعرف تقاليد أبناء الحواري، وعاداتهم معرفة صحيحة».

زكريا تامر

وتضيف أ.هناء علي اسماعيل عن ذلك في أطروحتها: «وهو إذ يعرّف نفسه بأنه ابن الحارات الشعبية، فإنه لا ينسى أن يكون المواطن في دمشق، المدينة التي كتب عنها الكثير، مدركاً الأبعاد الواقعية لما يمكن أن تقدمه تلك المدينة المفعمة بالشجاعة والحياة من حزن وشقاء أيضاً». ويقول في ذلك: «نعم، إني أحب دمشق، لأني أحس أنها المدينة التي سأسقط يوماً ميتاً فوق أرضها. وأنا أحبها أيضاً، لأنها تمنحني الشقاء والفرح في آن. ومن يعتقد بوجود مدينة تمنح الفرح فقط، فهو مخلوق لم تطأ قدماه البتة أرض الواقع. ودمشق مدينة شجاعة، مفعمة بالحياة وبالقدرة على التطور وعلى هزيمة أعدائها».


ترك زكريا تامر المدرسة عندما كان عمره 13 سنة ، واشتغل في مهن يدوية عديدة. لكن المهنة الأساسية التي أحبها وعاد إليها باستمرار هي الحدادة.

زكريا تامر

يقول القاص المعاصر ياسين رفاعية – صديق زكريا تامر، ورفيق طفولته – في إضاءة جوانب في بدايات الكاتب: «زكريا تامر وأنا بدأنا معاً، كنا أبناء حي واحد، هو حداد عند خاله في صنع الموازين، وأنا، عند أبي، فرّان وصانع كعك، شيطانان من شياطين الحي. نسهر حتى الخيوط الأولى من الفجر، نلتقي في مقبرة الدحداح المقابلة لحينا، ونقرأ على بعضنا ما كتبناه من شعر، ثم انتقلنا إلى القصة. مررنا زكريا وأنا بحالات يائسة منذ بداية حياتنا. دخلنا السجن مراراً، لا كمجرمين بل كسياسيين، وكنا – في زهوة الشباب – نتصور أننا قادران على التغيير، ولكن كم غدر بنا أصدقاء، كنا نتصورهم أصدقاء. لقد كانت خيباتنا كبيرة، (....)، كم كنا خبثاء وطيبين في آن واحد، أبرياء وملعونين في وقت واحد. كنا نعيش التجربة، ونكتبها بصدق وإلا ما وصلنا إلى ما وصلنا إليه الآن» [2].

وهكذا تتحدث أ. هناء علي إسماعيل حول هذه المرحلة من بداية حياته عندما كان ما يزال طفلاً: «إن زكريا تامر – الحداد الذي ترك المدرسة في السنة الثالثة عشرة من عمره، ليدخل مدرسة الحياة من أوسع أبوابها – قد اشتغل في مهن يدوية كثيرة، وعرف البطالة كغيره من أبناء جيله، نظراً لمتغيرات المرحلة اقتصادياً، ومع ذلك، فقد ظل يحن إلى مهنة الحدادة أكثر من غيرها، ذلك أنه وجد فيها التعبير الأصدق عن الشخصية الإنسانية ذات الوجه الواحد بكل ما فيه من خير وشر، الأمر الذي لم يجده في أوساط المثقفين الذين اختلط بهم حيث لا صداقات، ولا عداوات، ولا إمكانية قائمة لثقة حقيقية بين من يتقاسمون الاهتمامات ذاتها» [3].


تكسير ركب

وفي هذا السياق تقول الدكتورة امتنان عثمان الصمدي: «إذن، لم يتلق زكريا تعليماً منظماً، بل تعلَّم من الحياة والكتب أكثر مما يمكن أن يتعلمه من المدارس. فقد صهرته نار الحدادة في بوتقة الحياة العمالية، فكوّن نفسه بنفسه، وتطلع إلى التكامل الذاتي بعدما ذاق مرارة العَوَز، فشحذته الحدادة وشحذت إرادته وزادت من رغبته في التوغل والثبات فقرأ وقرأ كل ما يمكن أن يزوده بشعور الشبع المعرفي. إلا أنه مع ذلك لم يستطع أن يبلور نفسه في قالب واضح محدد» [4].


يقول زكريا تامر: «بدأت بكتابة القصة القصيرة العام 1957، ربما الآن أشتاق إلى مهنة الحدادة كثيراً وأحن إليها أكثر، والسبب أن إنسان المعمل له وجه واحد، الصديق صديق، والعدو عدو، ولكن اضطراري إلى الاختلاط بأوساط المثقفين، جعلني أكتشف أن الشخص الذي يمكن أن يُعتبَر تشي غيفارا في هذه الأوساط، له مئة وجه على الأقل. وأحار بين الوجوه وتصعب علي كيفية الاختيار، ففي مجتمع المثقفين لا صداقات ولا عداوات. من هنا أقول: إن حياة المعمل تمنح الإنسان ثقة أكثر، بينما العيش مع المثقفين يزعزع هذه الثقة بالإنسان، فإذا أردنا تصنيف شعبنا على أنه من المثقفين فحتماً سيكون رأيي فيه أكثر من سلبي» [5].

زكريا تامر

وتقول أ. هناء علي إسماعيل: «إن هذا الموقف السلبي لزكريا تامر – من المثقفين الذين عاصرهم – لم يكن أحادي الطرف، فالنفور كان متبادلاً مع اختلاف الأسباب الكامنة وراءه، فمثلاً نسمع محمد يوسف برهان يقول عن هذه العلاقة المتوترة مع محيطه الثقافي: ويحق القول إن الضغينة الدفينة التي سرت في نفوس من اتهموه وقتها، كان مردها سؤال بخس آخر، هو: كيف لحداد متواضع التحصيل، مارس الأدب بين المطرقة والسندان أن يشغل اسمه كل هذا الصدى؟. وهذا السؤال الذي طرحه منافسوه، وجد جوابه فيما عرفته المراحل التالية من حياته، إذ إن ما عرفه من قسوة العمل المبكر، لم يمنعه من صقل موهبته ثقافياً، وخوض تجربة الحياة بنضالها وكفاحها، فقد قاده وضعه الطبقي إلى الانتماء إلى الحزب الشيوعي السوري الذي كان آنذاك نواة لموجة النضال الوطني الحادّة التي عرفها مثقفو سورية وأدباؤها في تلك الفترة، والذي لعب دوراً هاماً وأساسياً في قيام رابطة الكتاب السوريين، ومن ثم رابطة الكتّاب العرب. وهو إذ طُرِدَ من ذلك الحزب في العام 1956، فإنه مع ذلك قد تابع انخراطه في الجو العام الذي كان يشهد تحولات مختلفة في شتى الأصعدة. فالمرحلة التي بدأها كاتباً، هي نفسها المرحلة التي شهدت تمايزات طبقية مختلفة، تمثلت في انحلال ما من تحالف بين الإقطاع والبورجوازية، ومن ثم نهوض البورجوازية الصغيرة كطبقة تتناقض مع نفسها، إذ تحمل في داخلها موروث الماضي، ومتطلبات الحاضر. مما جعله يقف باستمرار بين هذين النقيضين، إن كان على سبيل الواقع أم على سبيل الفن» [6].


زكريا تامر

إنما قَدَرٌ زكريا تامر موازٍ إلى حدٍّ ما لقدر الماغوط، فالماغوط بدأ انطلاقته الحقيقية في إحدى جلسات مجلة شعر التي أسسها الشاعر الراحل يوسف الخال، وهذه حال صديقنا زكريا تامر الذي ترك مهنته التي بدأها عام 1944 وتنقل أثناءها بين عدة مهن، وحين بدأ بكتابة القصة القصيرة عام 1957 فقد كان ما يزال يستعمل المطرقة والسندان. وفي العام 1960، ترك مهنته، لا لأنه كان تواقاً إلى تغييرها، بل لظروف اقتصادية مرت فيها البلاد، حين عمت البطالة، وأقفلت أكثر المعامل، كما يشير في إحدى مقابلاته [7]. لقد وصل صوته أخيراً كما تشير أ. هناء علي إسماعيل في أطروحتها حيث تقول: «وصل صوت زكريا تامر الأدبي إلى مكانه المناسب، إذ كان قد لفت انتباه الشاعر يوسف الخال الذي عُرِفَ برقته وشاعريته، فكان أن أطلق صوته في الساحة الثقافية العربية على أوسع مدى، مؤمناً بالإمكانات الخلاّقة لهذا الكاتب القادم من دمشق مستتراً بشراسته وقصاصات ورقه، مما جعله فيما بعد يحتل المكانة التي عرف من خلالها شهرته، صداقاته وعداواته أيضاً، وعن ذلك يقول محمد يوسف برهان: "في بيروت، لم تثن يوسف الخال شاعريته الرقيقة وروحه الشفافة عن تبني هذا النص الجارح، والقاسي، والمصنوع بيدي حداد، فقد أسعفته رؤيته النافذة، وألهمته يومها أن هذا القادم الذي يتأبط شراسته وقصاصات الورق، سيفتح أفقاً آخر في القصة العربية وستكون له الخطوة في الارتقاء بالقصّ العربي، إلى حداثة كان يتبناها يوسف الخال أصلاً في الشعر. هكذا خرجت "صهيل الجواد الأبيض" أولى مجموعات زكريا تامر القصصية وكان لمجلة شعر وصاحبها، اليد الفضلى في اكتشاف القاص الجديد وتقديمه، والذي سرعان ما احتل مكاناً بارزاً ومفارقاً في الشارع الأدبي". وهكذا كانت انطلاقته في بيروت، وقد استتبع ذلك نشاطات مختلفة، ووظائف متعددة في الحقول الثقافية والأدبية» [8].


زكريا تامر

- عمل في مهن يدوية عديدة.
- عمل في مديرية التأليف والنشر في وزارة الثقافة السورية.
- عمل رئيس تحرير الجريدة الأسبوعية «الموقف العربي» السورية.
- كاتب نصوص في تلفزيون جدة في السعودية.
- عمل في وزارة الإعلام السورية.
- عضو في جمعية الأدباء العرب في سورية، وساهم في تأسيس اتحاد الكتاب في سورية في أواخر عام 1969، واُنتُخِبَ عضواً في مكتبه التنفيذي مسؤولاً عن دائرة النشر والمطبوعات، ثم أصبح نائباً للرئيس مدة أربع سنوات.
- رئيس للجنة سيناريوهات أفلام القطاع الخاص في مؤسسة السينما في سورية.
- رئيس تحرير مجلة «رافع» للأطفال السورية.
- رئيس تحرير مجلة «الموقف الأدبي» السورية.
- رئيس تحرير مجلة «أسامة» السورية للأطفال.
- رئيس للجنة التحكيم في المسابقة القصصية التي أجرتها جريدة تشرين السورية عام 1981، ورئيس للجنة التحكيم في المسابقة التي أجرتها جامعة تشرين باللاذقية عام 7919.
- مدير تحرير مجلة «الدستور»، لندن.
- محرر ثقافي في مجلة «التضامن» بلندن.
- عضو في لجنة المسابقة القصصية لمجلة «التضامن» بلندن، وعضو في لجنة التحكيم في مسابقتين من المسابقة الروائية التي أجرتها مجلة «الناقد» بلندن.
- مدير تحرير مجلة «الناقد» ومحرر ثقافي لدى شركة رياض الريس للكتاب والنشر بلندن.

تزوج من ناديا أدهم، وأنجب منها ولدين: أدهم وعمر. وهو يقول أنه لم يحلم في يوم من الأيام، أن يكون له ولد، وأن تكون له زوجة وبيت. وأنه أحب الأطفال لغيره، وأنه حتى بعد زواجه لم يخطر له أنه سينجب أطفالاً ويصبح أباً.

زكريا تامر

وفي المقابلة التي أجرتها هدى المر، جريدة الأخبار، 30 حزيران 1980 نسمعه يقول في هذا السياق: «كانت هناك اعتبارات جعلتني سلبياً في هذا الإطار. لأن هناك أسباباً معينة تدفع الإنسان إلى الزواج، وهذه الأسباب لم أكن أعانيها؛ مثلاً: الإنسان يحب الاستقرار، وأنا لا أحب ذلك. وهو يحب أن ينجب ذرية تحمل اسمه، وهذا موضوع لم يكن وارداً بالنسبة إلي، بل العكس، رغبتي أن أكون آخر شخص يحمل اسم تامر، والعواطف أيضاً، لست في حاجة إليها. أبداً، هذه ليست أنانية، والموضوع ليس طرحه سهلاً، بل له جوانب عدة متشابكة بعضها ببعض. وفي إحدى المرات سئلت: ما هو إحساسك بعد الموت؟ يومها قلت: أحس بفرح عظيم ونوع من الشماتة، فالقطيع العربي المحكوم، قد نقص واحداً. وهذا هو السبب الحقيقي والأساسي، لكن مولد طفلي الأول أدهم، أفادني، إذ توصلت معه إلى نظرية جديدة».

انتقل زكريا للعيش في لندن بين عامي 1980 و1981 – ولا يزال حتى يومنا هذا – حيث يقيم في أكسفورد، ويعمل في مجلة الدستور الأسبوعية وينشر مقالاته السياسية والأدبية في معظم المجلات العربية، وكان من أبرزها كما أسلفنا مجلة التضامن، ومجلة الناقد اللندنية التي نشر خلالها مجموعة من الأقاصيص والحكايات تحت زاوية «قال الملك لوزيره» يحاكي التاريخ من خلالها فينقل القارئ – بالحلة التراثية – إلى الواقع بهمومه وسلبياته، وكان ذلك خلال الفترة آب/1988 –حزيران/1989. كما نشر في مجلة الدوحة عدداً لا بأس به من المقالات في زاوية «خواطر تسرّ الخاطر» كرر خلالها الأسلوب الحكائي السالف.

زكريا تامر وإلى جانبه الشاعر الفلسطيني سميح القاسم

انقطع عن إصدار المجاميع القصصية حتى العام 1994، أي ما يقارب الستة عشرة عاماً من الانقطاع.

أما أكسفورد حيث يقطن اليوم، فهي لم تمنحه شخصية واحدة للكتابة عنها، كما يقول. فصاحب «دمشق الحرائق» ما زال مشدوداً إلى مكانه الأول كأنه لم يتخلَّ عن مهنته الأصلية، بل بقي حداداً وشرساً، لكن في «وطن من الفخار» كما يشير الكاتب خليل صويلح تعليقاً على لقب كان قد أطلقه عليه المرحوم الشاعر محمد الماغوط.



صهيل الجواد الأبيض

1) صهيل الجواد الأبيض، الطبعة الأولى، دار مجلة شعر، بيروت، 1960.
2) ربيع في الرماد، الطبعة الأولى، مكتبة النوري، دمشق، 1963.
3) الرعد، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1970 .
4) دمشق الحرائق، مكتبة النوري، 1973.
5) النمور في اليوم العاشر، دار الآداب، بيروت، 1978.
6) نداء نوح، دار رياض الريس، لندن، 1994.
7) سنضحك، دار رياض الريس، بيروت، 1998.
8) الحصرم، دار رياض الريس، بيروت، 2000.
9) تكسير ركب، دار رياض الريس، بيروت، 2002.
10) القنفذ، دار رياض الريس، بيروت، 2005.


1) لماذا سكت النهر، وزارة الثقافة، دمشق، 1977.
2) قالت الوردة للسنونو، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1977.
3) 37 قصة للأطفال نُشِرَت في كتيبات مصوّرَة، 2000.
1) جائزة العويس للقصة عام 2002.
2) وسام الاستحقاق من السيد رئيس الجمهورية الدكتور بشار الأسد عام 2002.
3) جائزة ميتروبوليس الماجدي بن ظاهر للأدب العربي عام 2009.
4) جائزة ملتقى القاهرة الأول للقصة القصيرة عام 2009.

1) السرد في قصص زكريا تامر (أطروحة)، إعداد: فيروز عيسى عباس، إشراف: عيد محمود.
2) العالم القصصي لزكريا تامر: وحدة البنية الذهنية والفنية في تمزقها المطلق (كتاب)، تأليف: عبد الرزاق عيد، بيروت، دار الفارابي، 1989.
3) جمالية القبح في القصة السورية المعاصرة: زكريا تامر أنموذجاً (أطروحة ماجستير)، إعداد: هناء علي إسماعيل، جامعة تشرين، اللاذقية، 2007.
4) زكريا تامر معجم القسوة والرعب (كتاب)، تأليف: رضوان القضماني، دمشق: الأمانة العامة لاحتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية 2008.
5) زكريا تامر والقصة القصيرة، تأليف: امتنان عثمان الصمدي، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات، 1995.
6) الربيع الأسود (دراسة في عالم زكريا تامر القصصي)، تأليف: مفيد نجم، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 2008.
القصة القصيرة تتشكل من دعامتين: الحكاية والطريقة التي تُحْكَى بها الحكاية. نرى مثلاً في قصته الإجازة من مجموعة «الحصرم» والتي تقول: «رحّب دياب الأحمد بتكاثر الكتب في بيته، وازداد ابتهاجاً عندما خرج من صفحاتها رجال ونساء وأطفال، تكلموا معه، وشربوا من قهوته، ودخنوا من سجائره، وأكلوا من طعامه، وناموا في سريره، واستحموا في حمامه، واطلعوا على مذكراته الخاصة الملأى بالشكوى والسخط، ومزقوها بأيدٍ مرحة، وصنعوا منها قبعات وزوارق وطائرات، ونجحوا في إغرائه بالرحيل معهم إلى أرضهم الخضراء، ففحص الأطباء ملياً جسده الساكن، وقرروا أنه مصاب بإغماء لن يصحو منه، واستغربوا وجهه المطمئن الضاحك».

لن يختلف الأمر إذا عرفنا أن هذا النص قصة قصيرة لزكريا تامر، ومجموعته الحصرم تتألف من ستين قصة، فإذا قرأنا مطالع القصص الستين التي ضمتها هذه المجموعة سنجد أن ثمانٍ وخمسين منها تبدأ بفعل ماضٍ، أما الاثنتان الباقيتان فتبدآن بفعل مضارع منفي بـ «لم»، ليصبح دالاً على الماضي، ويؤكد بدء الحكاية في سرد القصة.

أما طبيعة السرد فنلاحظ شيئاً منه في بنية التركيب من خلال أمثلة نقتطفها من مجموعة «دمشق الحرائق»: «وكانت الشمس في تلك اللحظات حمراء تجنح للأموال، فالليل أسود آت...» (قصة البستان). أما قصة «دمشق» من مجموعة «نداء نوح» فلها بنية الحكاية وخصوصيتها: «في قديم الزمان، كان يحيا رجل معوز ذو وجه يشبه أرضاً لم يهطل فوقها المطر».

السرد نوعان: موضوعي، وآخر ذاتي، والراوي في السرد الموضوعي راوٍ محايد، لا يتدخل في تفسير الحدث، بل يصفه وصفاً موضوعياً، أو كما رُويَ، أو كما يستنطقه في أذهان شخصيات سرده، ولذا سمي هذا السرد موضوعياً.

أما السرد الذاتي – والذات لها علاقة بالأنا، والأنا تظهر عبر ضمير المتكلم – فإن الحكي فيه يتم غالباً على لسان راوٍ مشاركٍ في الحكاية، ونتعرف على الحدث من خلال ما تراه عيناه، وهو من يفسر لنا كل خبرٍ في الحكاية: «أيقظني من نومي صيَاحٌ آتٍ من الزقاق أطلقه بائع متجولٌ صوته خشنٌ عريض، تمنيتُ لو أنهض من فراشي وأطلّ من النافذة وأصب فوقه سيلاً من الشتائم... لكن خوفي من أن تصل الضجة إلى مسامع والدي يمنعني من تحقيق أمنيتي، فلابد أنه الآن يجلس في باحة الدار وراء نرجيلته، منتظراً استيقاظي من النوم ليأتي ويمد كفه وهو يقول: هاتِ» (صهيل الجواد الأبيض، ص63).


دمشق الحرائق

على أن السرد الموضوعي الذي تتسم به أكثر قصص زكريا تامر يعني أيضاً، كي يكون موضوعياً، أن يكون الراوي مطلعاً على كل شيء، حتى على الأفكار السرية عند شخصيات سرده، وأن نرى المكان والزمان والشخصية والحدث بعينيه هو، عندها ينصهر الذاتي بالموضوعي لينتج عنهما سردٌ تم تطويعه للدلالة على موقفٍ من عالم حقيقي، لكنه عالم قائم على العقلاني واللاعقلاني، نراه في اليقظة والحلم، ونحسه بالشعور واللاشعور، ونتلمسه في المعيش والمتخيل: «أقبلت الاستغاثة ليلاً إلى دمشق النائمة طفلةً مقطوعةَ الرأس واليدين، وتراباً يحترق، وطيوراً تودع أجنحتُها السماء والأشجار، غير أن أهل دمشق كانوا نياماً، فلم يسمع الاستغاثة سوى تمثال من نحاس لرجل يشهر سيفاً، ويقف فوق قاعدة من حجرٍ مطلاً شامخ الرأس على حديقة المبنى. واجتاحت الاستغاثة تمثال النحاس مريرةً ضارعة، ففقد صلابته شيئاً فشيئاً، ثم تحول إلى رجل يمشي ويتكلم ويغضب ويصرخ» (الاستغاثة، من «دمشق الحرائق»).

إن خواتيم قصص زكريا تامر ليست شبيهة بما تختم به الجدة حكايتها، ولا شبه لها بالحكمة التي يطلقها الحكواتي ليختم بها السهرة «وهكذا يا سادة يا كرام...» إنها أشبه بستارة المسرح، تسدل على الخشبة في المشهد، لتترك القارئ المشاهد مشدوهاً يلملم أشلاءه متأملاً، مثلاً، هذه الخاتمة: «وألصق ظهره بحائط ترابي بينما كانت أصابعه تمسك الرغيف بضراوة» (الرغيف اليابس، من «دمشق الحرائق»).
تقوم بنية القصة عند زكريا تامر على المفارقة، والمفارقة «paradox» ينتجها عادة أحد عناصر أربعة: 1) عنصر لغوي 2) عنصر ذهني مفهومي 3) عنصر مرجعي يستند إلى المكان والزمان 4) عنصر سردي تنتجه بنية الشخصية القصصية بما تحمله من مكونات وتناقضات وما يصدر عنها من سلوك. وكل واحد من هذه العناصر يشكل حافزاً «motive» من حوافز السرد وأهمها الفضاء المكاني والزماني والشخصية والحدث والثيمة.

ففي العنصر الثاني من عناصر المفارقة، أي العنصر الذهني المفهومي، رأينا أن قصة زكريا تامر اعتمدت على مزج المنطقي باللامنطقي، وتوتر بنية الشخصية فيها بسبب لوَبانها بين الأسطوري والواقعي، ولعل البرهة التي تتوسط بين هذين البعدين المتفارقين، أو المتباعدين، أن تكون البرهة الأكثر حضوراً والأقدر على إشباع الأعماق، وتلكم هي العلة النفسية أو الفلسفية لسر نجاح زكريا تامر، الذي استطاع فعلاً أن يؤسطر الوقائع، أو أن يُوَلِّفَ توليفاً ممتازاً بين الواقع والأسطورة. إن أسطرة الواقع بحيث يستجيب لتوتر الإنسان بين العياني والمفارق، بين المعيش اليومي والأسطوري الخيالي هي السمة الأساس في بنية المفارقة عند تامر، وهي قصة دائمة البحث عن عوالم مفارقة مترعة بالخيالي واللاواقعي.

ولعل إبداع زكريا تامر وإن تعددت تجلياته فسيكون أبرزها كما أسلفنا الذكر بنية القصة عنده التي تشغلها المفارقة، فهذه المفارقة إحدى أهم تجلياتها السخرية، كما نرى مثلاً في قصة «الأدغال» من مجموعة «الحصرم» حيث تجري مهاترة في المقهى بين لاعبَيْن للكونكان اغتاظ رشيد منهما وصاح بمعروف أن عليه أن يخجل لأن كل رواد المقهى يعرفون جسم أخته أكثر من أمه. ويتوتر الحديث في القصة ليستل معروف سكينه بحركة سريعة ليطعن رشيداً في صدره وعنقه ثلاث طعنات: «وغادر معروف المقهى هارباً ويده لا تزال ممسكة بالسكين التي تقطر دماً، وتنبه وهو يركض بأقصى سرعة إلى أنه وحيد أبويه، ولا أخت له ولا إخوة».
المفارقة المكانية في قصص زكريا تامر تبدو كالأعمال السوريالية، مليئة بالمفارقات والألغاز، وهي تقوم على تضاد تربط عناصر المكان بعضها ببعض لتنشأ المفارقة من التضاد بين مكانين. تبدأ قصة «ظلمات فوق الظلمات» من تضاد مكاني: «لمحنا جارنا يطل من شرفة بيته في الطابق السابع من المبنى الضخم الذي نسكن في أقبيته، فأغرانا ما نعرفه عنه بأن نلوح له بأيدينا مطلقين الصيحات التي تناديه وترجوه أن يهبط من أعلى إلى أسفل لأمر مهم للغاية لا يحتمل التأجيل، ولم ندهش عندما سارع إلى تلبية ندائنا، وقلنا له: ماذا تفعل وحدك فوق؟ ألم تضجر؟ فقال لنا متسائلاً بمرح: وأنتم ماذا تفعلون تحت؟».
إن شخصيات زكريا تامر نمطية، فهنالك شخصيات تتكرر في غالبية هذه القصص: الشاب الطويل النحيل ساكن القبو، الشرطي، الطفل، الرجل ذو اللحية الطويلة وهذه الشخصية سنصادفها كثيراً في مجموعته «الرعد الذي لا يمطر» كما سنرى لاحقاً، والمرأة الحلم التي نجدها في كثير من القصص. كلها شخصيات تتقابل لتتفارق، يتقابل الرجل النحيل (أو سليمان الحلبي، أو طارق ابن زياد، أبو حسن...) مع الشرطي لتكون مفارقة، وتلتقي المرأة مع الرجل النحيل والشرطي لتكون مفارقة، وتتغير الأقنعة التي ترتديها الأنماط الأربعة (الشاب، الشرطي، المرأة، الطفل) فتتغير الشخصيات، وهناك شخصيات تاريخية تتم عصرنتها لاستخدامها في التعبير عن الواقع المعاصر مثل عنترة وهولاكو وكافور الإخشيدي والمتنبي والشنفرى وعباس بن فرناس وشهرزاد وجنكيز خان والمأمون والرشيد وغيرها، لكن مهمتها الأولى أن تكون طرفاً من طرفي المفارقة (يوسف العظمة/رئيس المخفر) التي تنتهي بأن يسمع يوسف العظمة البطل القادم ملبياً لاستغاثة، صوتاً يقول: «ستُقتل، ستُسجَن، اهرب. فقال يوسف العظمة بنزق: السجن للرجال، والموت لا مهرب منه. وتهالك على الأرض ممزق الجسد، وتحلق حوله الأعداء المنتصرون، فها هو يوسف العظمة سقط أسيراً. وأغمض يوسف العظمة عينيه، وأحس بأن شرايينه تمتلك آلاف الأجنحة التواقة إلى فضاء رحب، فأطلق استغاثة التقت بالاستغاثة الآتية من أرض يحتلها الأعداء، وامتزجتا في صراخ مديد تبدد في ظلمة الليل المهيض على دمشق النائمة» (الاستغاثة، من دمشق الحرائق).

وليس غريباً أن يكون للشخصيات التاريخية حضور واسع في قصص تامر، خصوصاً في مجموعة «نداء نوح»، حيث نقرأ العناوين الآتية: «عبد الله بن المقفع الثالث»، «عنترة النفطي»، «نبؤة كافور الإخشيدي»، «يحكى عن عباس بن فرناس»، «شهريار وشهرزاد»، «يوم غضب جنكيز خان»، «حكايات جحا الدمشقي» ...الخ. إذ يأخذ الرجوع إلى التاريخ البعيد دلالات متعددة، ففي العودة إلى الماضي بحثٌ في دلالة الحاضر في زمن غابر أكثر وضوحاً، واحتجاجٌ على حاضر ينصر المشوه والمرذول، ويعاقب السوي الفاضل.

الثيمة مكون أساسي من مكونات قصة المفارقة، والثيمة – بمعنى آخر – تكاد تكون مرادفاً للفكرة التي تسيطر على النص لتكون مبرر وجوده، قبل أن تكون التجربة هي مبرر هذا الوجود، فالنص المفارق تعبير عن ثيمة قبل أن يكون تعبيراً عن تجربة.

كتب زكريا تامر يقول: «الصدق مفقود محتقَر، والكذب مبجّل، والدعيّ يحتل كرسيّ الأصيل، والأصيل منبوذ مهان تطارده الكلاب، ودماء الأبرياء تُسفَك كل صباح ولا منتقم لها، والأخ يقتل أخاه إذا كان سيفوز بفردة حذاء، والفاسد له الصدارة والتمجيد والصالِح يعامَل كأنه قاتل أمه، والصديق وقت الضيق لا وجود له إلا في الحكايات الكاذبة...».

بناءً على هذا بوسعنا أن نتفق مع بعض النقاد الذين يطلقون على قصته «الواقعية التعبيرية» وآخرون عدّوه «شاعر القصة القصيرة» كما يشير الكاتب خليل صويلح الذي يذكر قول زكريا تامر: «لم أكن يوماً في خندق أحد. كان النقاد الماركسيون يشتمونني وكانت السلطة غاضبة مني، ولم أشعر بالأذى»، ويردِف: «ما كان يؤذيني حقاً هو وجع الناس وكيفية التعبير عنه بعمق وصدق».


الرعد

هنا نستطيع أن ندلف إلى ثيمة أساسية في قصص زكريا تامر هي ثيمة «السلطة/الاستبداد» فقد تمثلت هذه الثيمة في تصوير السلطات السياسية العربية، سلطات اختصاصها الجوهري تنظيم الإذلال وقمع الإنسان في خلقه الأول، وأن ترده من طبيعة أولى قوامها البراءة والعدالة والصواب إلى طبيعة ثانية طافحة بالتشوه والقبح والاعتلال. أما زمن السلطة المستبدة، فيمتد في الماضي والحاضر معاً، ليشكل زمناً سلطوياً جوهرياً يتأمله تامر في بدايته ومآله، ويندد به فهو زمن راهن راكد متجانس مع أزمنة بعيدة تشبهه أو يشبهها كما لو كان حاضر السلطة آية على الماضي الذي انتهى إليه. وكأن تامر يخلط الأزمنة المستبدة إعلاناً عن هجاء الاستبداد الجوهري بنقد ساخر، يكون لأسطرة التاريخ والواقع العربيين دور كبير فيه. يقول الوزير في قصة «عبد الله بن المقفع الثالث» من مجموعة «نداء نوح»: «قال الوزير: ما عمل الحاكم الصالح؟ أليس عمله التفكير بدلاً من الناس الذين يحكمهم؟ إذا تعوّد الناس التفكير وحدهم فلن يحتاجوا إلى حكامهم [...] قال أحد الوزراء: إنه رجل خطر فقد يؤلف كتاباً يمدحك فيه، ولكنه سيستمر في الوقت نفسه في تأليف كتب أخرى تحرض الناس على التفكير. فتجهم وجه المنصور وقال بصوت صارم: [...] الجائع لا يُفكر. وإذا فكر سيفكر في الحصول على قوته اليومي فقط [...] من يرغب في التفكير فليفكر كما يحلو له. التفكير ليس ممنوعاً مادام السيف أقوى، وأنا الذي يملك السيف. فصمت الوزراء معجبين بحكمته ولكن رأي الأحفاد في جدهم أبي جعفر المنصور كان مختلفاً».

أخيراً وليس آخراً، يسعى تامر في تناوله ثيمتي العنف والجنس إلى تصوير البنى النفسية التي شوّهتها المجتمعات القمعية والتحريمية، ويدمج زكريا الأمراض النفسية بأسسها الاجتماعية المبثوثة بثاً متقناً شبه خفي في حركة الأبطال وفاعليتهم، وكأن أبطالهم المُدمِّرين والتدميريين لا يحققون ذواتهم، ولا يؤكدون وجودهم وشخصياتهم، إلا من خلال العدوانية والسادية. وهذا ما سنراه في قراءة بعض قصصه من مجموعة «الرعد الذي لا يمطر».

يكون عمر الخيام هو المطلوب. والشرطة، كما رأينا كشخصية نمطية في قصصه، تحضر. ما التهمة؟ يقول القاضي: «أنت يا عمر الخيام متهم بكتابة شعر يمجّد الخمرة ويدعو إلى شربها، وبما أن بلادنا تطمح إلى تحقيق الاستقلال الاقتصادي، وقوانينها تمنع استيراد البضائع الأجنبية، وبما أن بلادنا تفتقر إلى معامل تصنع الخمرة، فإن شعرك يُعتبَر تحريضاً على المطالبة باستيراد البضائع الأجنبية يعاقب عليه القانون دون هوادة».

ففي المنحى الأول من القصة يبدو سبب المنع اقتصادياً وسياسياً، وليس سبباً دينياً. والقاضي يدعَم القانون دعماً منطقياً من وجهة نظر بيروقراطية، فهكذا يبدو الأمر للوهلَة الأولى. لكننا نرى مباشرة بعدئذ أن الكتب الجنسية ممنوعة. وهكذا يظهر هنا تأثير الدين. ولكن، ما الذي يفهمه القاضي من «الكتب الجنسية؟»، إنها الكتب التي تتحدث عن الحب، والحب في نظره هو الجماع. بذلك يكون اقتناء الكتب التي تتحدث عن الحب بالنسبة للقاضي ودولته، منافياً للأخلاق الحميدة. التسلط القانوني والتعسف الديني إذن يمنع الحب وهو أسمى عاطفة بشرية، وذلك بعد أن جعل منه أمراً دنيئاً. وتمتد المحاكمة إلى الكتب السياسية أيضاً. فنرى الشاهد الأول – صاحب مكتبة – ينبري: «الكتب السياسية؟ أقسِم أن يدي لم تمس يوماً كتاباً سياسياً. وربما كان يشتريها من مكتبة أخرى».

ونرى الشاهد الثاني – امرأة هرمة – تعلِن علمها، فقط، بحب المتهَم للكلمات، حبه لها أكثر من أجمل امرأة في الدنيا، حسبما أخبرتها امرأة كانت تحب الخيام. وهنا يجد القاضي إدانة جديدة: هذا الحب شذوذ.

أما الشاهد الثالث – صحفي – فيقول: «لقد اطلعت على أشعار المتهم فوجدتها تخلو من أي مديح لمحاسن الحكومة». أليس هذا الاتهام من الصحفي اتهاماً معاكساً من الكاتب للصحفيين، الذين ينظرون إلى الشعر كما للصحافة من ناحية ومن ناحية أخرى ينتظرون منه أن يكون مثل كتاباتهم مزيناً لأعمال الحكومة؟ ويهش القاضي: «هذا برهان قاطع على أن المتهَم لا يحب الشعب». فالحكومة تعني الشعب بالنسبة لممثل الدولة القانوني.

ويصرح الشاهد ذو اللحية الطويل (وهي شخصية نمطية في قصصه كما سنرى ظهورها في القصتين التاليتين) أنه سمع المتهَم يقول أن الخمرة تهزم الحزن. وعلى الرغم من أن الدولة عدوة الحزن، فإن القاضي لا يرى في قول المتهَم سوى عمالته لـ «الحزن». ويعلن رئيس مخفر الشرطة كشاهِد خامس أن الحزن ذو نشاط هدام وهو مطلوب من الشرطة. هنا يندفع خمسة من الشهود – وهم سجناء – قائلين أن الحزن هو الذي جعلهم يخالفون القانون، وبالتالي، يُسجَنون. أما جرائهم المقترَفَة فهي: المطالَبَة بالحياة الحرة...الخ. في النهاية، يأتي الحكم: منع الخيام من كتابة الأشعار منعاً باتاً. لكن الحزن، كما يقول الكاتب: «ظل طليقاً يتابع نشاطه الهدام».

وهي تركز على وجه آخر للتسلط، تسلط المجتمع عن طريق الأخلاق المزعومة. فأحمد وليلى صديقان يتمشيان ويتحدثان عن ضحايا النابالم في المستشفى الذي تعمل فيه ليلى. وسط هذا الطفح بالضحايا والحرب، يقول أحمد: «اتركي يدي لئلا يراكِ أحد ويخبِر أهلكِ» إنها لمفارقة كما رأينا سابقاً، ففي أحلك اللحظات نتمسّك بالسخافات. إلا أن ليلى لا تنصاع لأحمد. ويتابعان سيرهما «صامتين سعيدين على الرغم من أن ما تبقى من المحاربين يحتضر في غرف المستشفيات». وإذ تتعب ليلى من السير، يذهبان إلى غرفته على سطح بناية عتيقة صفراء اللون، «وجلس على حافة السرير وأغمض عينيه. عارية سيبصرها، وحينئذ ستتلاشى شمس حزيران». ولهذا القول دلالَة جميلة، فبانجلاء الحقيقة (التعري) نتخلص من عار حزيران – وهذه واحدة من عدة دلالات ممكنة. ثم يلتقي الفمان الجائعان التواقان للفرح، يرتويان، فتحرق الأرض ثياب الحداد، ويغني أبناؤها للعشب الأخضر وينتحر الأعداء. وهنا، ربما يلتقي الكاتب في رؤيته للحب، مع أحد كبار علماء النفس في القرن المنصرِم، وهو فلهلم رايش، الذي يقول أن الارتواء الجنسي يُكسِب الإنسان مزيداً من القدرة في فعله، في رفضه، في جرأته، وزوال الكبت الجنسي يُفقِد الكبت الاقتصادي والسياسي أحد أعمدته الأساسية.

ولكن المجتمع لا يرحم. يدخل رجل عجوز ذو لحية طويلة (شخصية نمطية في قصص زكريا تامر) وهو صاحب البناية، ويعترض على دخول امرأة إلى غرفة عازب. إنه لا يقبل بوجود العاهِرَات في بيته (هنا نتذكر نظرة القاضي في «المتهَم» للكتب الجنسية). إن هذا الرجل يجسد النظرة المجتمعية السائدة للعلاقة بين الرجل والمرأة: علاقة عهر، ولا شيء سوى ذلك. وإذ يُحرَم أحمد وليلى من حقهما الطبيعي بهذا الشكل، يجعل الكاتب الحداد يعود للأرض من جديد، والقنابل تتساقط كرَّة أخرى، فتدمر المقاهي والمآذن والمدارس والمستشفيات ومخادِعَ النوم. ويستزيد أحمد أو زكريا تامر من هذا الدمار. إن الكاتب يدعو بكل قوة وصراحة إلى تحطيم هذا المجتمع الفاسد الذي خلق فساده، قبل أن يخلق الأعداء الخامس من حزيران.

خليل السامر يحلم، ثم يفيق بعد أن عاش كابوساً لكنه في اليقظة يعيش كابوساً آخر. فالحلم واليقظة يتصلان لدى زكريا تامر كما أشرنا في دراسة أدبه، وكما ذكرنا فهو لا يقيم للحواجز بين الحلم والواقع، بين الموت والحياة، أدنى اعتبار.

خليل السامر إنسان معذّب، محني الظهر، متعَب القدمين، يرتجف مقروراً وحيداً وجائعاً في فراشه. تدخل عليه ملكة سوداء الشعر، وتأمر بتعذيبه. ثم تتوسل إليه أن يهرب، فيتساءل: إلى أين؟. فتتألم الملِكَة، وتتهاوى على الأرض ميتة، ثم تتحول إلى فراشة تختفي في فراغ أسود.

يفيق من نومه، ويسير في الشارع، ثم يدخل مطعماً، فلا يقع إلا على الجرذان في كل مكان. حتى الجرسون في المطعم جرذ. وإذ يطلب خليل كوباً من الحليب وسواه، تُقدَّم له قطعة من اللحم النيئ. يستسلم سريعاً ويأكل. ويحاول قبل الشروع أن يتخيل طفلاً أشقر الشعر أو شجرة خضراء فلا يفلِح. وحين تأتيه قطعة اللحم يتخيل الملكَة السوداء تسقط ميتة، لكنها لا تتحول إلى فراشة. وأخيراً، بينما يهمّ باللحم النيئ، يبصر جرذاً أنيق الثياب، يدخل المطعم جاراً خلفه طفلاً أشقر الشعر يمشي على يديه ورجليه، وتطوق عنقه سلسلة حديدية.

إن عالِمَ الإنسان يُمسَخ في هذه القصة إلى عالَم الجرذان. والطفولة وهي إحدى رموز زكريا المشرِقَة النادِرَة، تُهَان، فماذا يقف خلف ذلك كله؟ إنه الجوع، الجوع سواء أكان معوياً أو جنسياً. وإنه استلاب خليل السامر، الذي ينعكس في تلك المناظر المهينة والمقزّزَة. ولا ريب أن نهاية القصة تصبغ من جديد نظرة زكريا بسواد فظيع.

يقف الجوع أيضاً خلف هذه القصة بعنوان صريح هو «جوع». أحمد جائع، لا تنفعه حيل صديقه الرسام في تقديم دجاج موهوم. يخرج إلى الشارِع فيُغمَى عليه، ويحلم أنه ملِك. يدلف إلى قصر كبير، يحيط به الخَدَم والجند. ثم تُقدَّم له الأطايِب الملكية، ويكون على الطبق طفل صغير حي. لماذا يلح زكريا على تصوير الطفولة كضحية؟ في القصة السابقة ضحية المجتمع. وفي هذه القصة ضحية المرفهين، الملوك تقتات بلحوم الأطفال. وتُقبِل على أحمد الملك امرأة ترتدي السواد، صائحة به أنه أكل ولدها. وكملك يجيب أنها ستلِد غيره. ولكن الولد لا يأتي دون رجل. وهكذا، يُسمَح لها أن تختار رجلاً، فتختاره هو دون سواه، وتطوقه بذراعيها متحوِّلَةً إلى أفعى سوداء ملتفة حول عنقه. تضغط الأفعى على عنقه، فيستغيث أحمد، وتهرَع أمه ملهوفة محتضنة، وتقدم له الدواء.

وتنتهي وصلَةٌ كابوسية حافلة تختلِط فيها أمنيات الحاضر مع رواسِب الطفولة. فأحمد الشقي الجائع يرغب مرة أن يكون مرفّهاً، أن يكون من الجماعة المتسلطة، إلا أن لا شعوره لا يسعفه، وهو يضمر ذلك الحقد ضد المتسلطين، فيرى نفسه يأكل طفلاً حياً (شعوره بالذنب). عندئذ تستيقظ ذكريات الطفولة، وتظهر المرأة في صورتين متناقضتين، تكوّنان نظرة وموقف الكاتب من المرأة: المرأة كأفعى تثير الخوف والتقزز، والمرأة كأم تهب المحبة والرعاية، وتحمي من النساء الأخريات.

إثر اليقظة يبدأ أحمد جولة على الدكتور أحمد النظامي (هو نفسه) وبعد استدلالات وسعي يقابله في المرآة. ويستمع إلى وصيته عن التفاح واللحم. ثم يبحث عن شيء يؤكل في الغرفة، فلا يجد غير نصف رغيف يابس تحت الكتب، يتناوله ويغفو حالماً بامرأة جميلة لحمها خبز أبيض ساخن!!!

تمتاز مجموعة «الرعد» لزكريا تامر بالشاعرية، بما فيها من صور وألوان، وانتقاء متأن ومتعمق للكلمات، وبالخيال الواسع الذي، وإن كان يكرر نفسه أحياناً، يعطينا صوراً أخاذة تفرض علينا أحاسيس الكاتب، حتى حين تجعل من الجمال قباحة ومن القباحَة جمالاً. إنه خيال كالذي نراه في الأحلام أو عند الأطفال والعصابيين. انسجاماً مع ذلك يعمَد الكاتب إلى كسر الفواصل الزمانية والمكانية. فهو يتنقل بين أزمنة الأفعال (الماضي والمضارع بفرعيه الدالين على الحاضر والمستقبل) ويستعمِل كافة الصيغ في القصة الواحدة. ويمتد كسر الفواصل هذا، أو التوحيد بالأحرى، ليطبع تعامل الكاتب مع التاريخ بسمة خاصة. فزكريا لا يُسْقِط معنى الواقعية التاريخية على الحاضر، كما يصنع أغلب الشعراء المحدثين. هذه الحيلة، أو العملية، لا تكفيه. إنه يحيي التاريخ في الحاضر، ويتعامل معه على أساس الاستمرارية، وهكذا يقبض على طارق بن زياد وعلى عمر الخيام. وكما هو يكسر الفواصل بين الماضي والمضارع، بين التاريخ والحاضر، كذلك يلغي الفاصل بين الحياة والموت، إلغاء يصل إلى درجة الهزء بالموت (كما في قصة «الكذب» مثلاً). هذا الطابع يجعل الكاتب مؤثراً حين التصوير، كأن يستخدم جميع معطيات الحواس دفعة واحدة، دون أن يعبأ بأية مواصفات سائدة أو مرعية.
إن شخصية المرأة تتقاطع وتتداخل مع باقي شخصيات قصص زكريا تامر في تعبيراتها المأساوية عن واقع متخلف ضاغط، وشديد العداء لها، يقهرها ويستلبها، فينفجر المكبوت لديها إما من خلال السلوك العنيف المعبر عن ذلك، أو من خلال أحلام اليقظة والاستيهامات الجنسية ذات الطابع الشهواني المبالَغ في تعبيراته، باعتباره يعكس حقيقة الكبت والحرمان الجسدي في بيئة تقليدية محافِظَة تربط بين الشرف كقيمة اجتماعية، وبين المرأة.

ربيع في الرماد

مما يُلاحَظ في الأعمال الأربعة الأولى [صهيل الجواد الأبيض – الرعد – ربيع في الرماد – دمشق الحرائق] أن المرأة كانت تحتل بطولة القصة الأخيرة فيها، أو ما قبل الأخيرة، ففي مجموعة «دمشق الحرائق» التي تتميز بشعرية السرد الحكائي، وبالطابع المجازي الاستعاري للغتها السردية المكثفة والموجزة جداً، جاء استخدام تلك الشخصيات الأنثوية للتعبير عن الرغبة في الحرية والانطلاق، وعن موت الجمال وارتباطه عند الإنسان بالمنفعة كما في قصة «خضراء» من مجموعة «الرعد»، أو الشهوة المقموعة، والجسد الأنثوية الموطوء في قصة «قرنفلة للإسفلت المتعَب» من مجموعة «صهيل الجواد الأبيض».

فمثلاً، الواقعية التعبيرية التي أشار إليها بعض النقاد نستطيع أن نرى ملامحها في تناوله لمسألة المرأة في أعماله القصصية، فهي ذات شهوة عارمة، تبحث عن الفحولة القوية، والفعل الجنسي العنيف، سواء في أحلامها أو في الاتصال الجنسي مع الرجل، حتى أضحت تلك الرغبات المتفجرة سمات مميزة لنساء قصصه، والحقيقة أن تلك الشهوانية المفرِطَة، والرغبة في الفعل الجنسي العنيف للرجل والفحولية الذكورية القوية، تحمل في معناها المضمَر دلالات عديدة، فهي من جهة تعبِّر عن مدى الكبت الجنسي الشديد الذي تعاني منه المرأة في مجتمع يحاصرها بالتابوات منذ طفولتها، ويمارِس عليها رهاب الذكورة، والقمع يجعل منها رمزاً للشرف، مما يجعل الجنس يختلط بالعنف في لا شعورها، ودوافعها تتفجر في الأحلام معبِّرةً عن مكبوتها، أو في اتصالها الجنسي المباشر مع الرجل، وغالباً ما يحدث ذلك خارج إطار العلاقة الزوجية.

وهكذا، فإن أبعاد الإشكالية - وهي إحدى سمات المفارقة التي لا غنى عنها في أدب زكريا تامر - نراها تتجسد من خلال حضور المرأة في أعماله.

تتحدد هذه الإشكالية أكثر عند المرأة التي تُستَخدَم وسيلة لإشباع حاجات الرجل الجنسية، دون الاهتمام بحاجاتها الروحية والعاطفية، وحتى الجنسية، ولذلك يعبر هذا النزوع الشهواني عند بطلاته من النساء عن أزمة مركبة، اجتماعية وروحية وجنسية في عمقها ومضمونها ودلالاتها.

فمثلاً في قصة «وجه القمر» تتكرر صورة القمع والخوف التي تعاني منها المرأة منذ الطفولة، بسبب التربية التي تتلقاها من الأهل وتنحفر في لا شعورها، ويستخدم القاص القرينة الدالة على ذلك من خلال استخدام الترجيع البعيد، أو العودة إلى الماضي عندما تتذكر الصفعة التي تلقتها من والدها وهي في العاشرة من عمرها، لأن ثوبها انحسر قليلاً عن ساقيها، فهذه المرأة تستسلم لزوجها على إكراه، وتشعر بالهلع والانكماش عندما يلمس جسدها، فيقرِّر أن يطلِّقَها، وبعد أن تعود إلى بيت أهلها تستعيد ذكرى الرجل الذي اغتصبها في بيت قديم، ثم ينتقل موضوع رغبتها إلى شخصية المعتوه، حيث تعبِّر من خلال تقنية الحلم، التي يستخدمها القاص عن رغبتها في التعري من ثيابها دون خجل له، «وستعطي نهدها لفم المعتوه وستضحك ثمِلَة، حين يحاول قضم حلمته، وستطلب منه بصوت لاهث أن يعض لحمها، ويغرس أسنانه حتى ينبثق منه الدم، ويلطخ شفتيه، وعندئذ ستلعَق بلسانها شفتيه بكثير من الضراوة والحنان» (من مجموعة «دمشق الحرائق»).

إن هذا الميل إلى الجنس المقترَن بالعنف والقسوة يعبر عن ردة فعل المرأة على أخلاقيات المجتمع، ورغبتها في الانتقام منه، ليظل الجنس حاضراً في الوصف، مذكراً بالتابو المتسلط على حياتها، القامِع لحريتها الجسدية والروحية، لتصبح اللغة في الوقت نفسه أداة المضمَر وكشافه من حيث وسيلة الكشف الحقيقية المجهولة لا تعبيراً عن حقيقة جاهزة.


هجاء القتيل للقاتلة

كما أننا لاحظنا في قصصه الأولى أن الحاجة إلى المرأة عند رجال قصصه، تتداخل مع حاجاتهم المادية والمعنوية الأخرى. وقد رأينا في قصة «كابوس» من مجموعة «الرعد» الذي لا يمطر، حيث نرى البطل يعاني من الجوع، وعندما يستيقظ من كابوسه، يبحث عن شيء يؤكل في الغرفة، فلا يجد غير نصف رغيف يابس تحت الكتب، يتناوله ويغفو حالماً بامرأة جميلة لحمها خبز أبيض ساخِن.

أخيراً وليس آخراً، ذكرنا أن الإشكالية التي يطرحها حضور المرأة في أعمال زكريا تامر الأولى هي إحدى أهم تعابير المفارقة، ولكن عظمة المفارقة عند زكريا تامر تتألق عندما يعبِّر عنها من خلال السخرية، فالسخرية تحصل من خلال قطبين كتيار الكهرباء قطب موجب وقطب سالب، وعلى هذا النحو عبَّر الباحث مفيد نجم عن أن زكريا تامر والمرحوم محمد الماغوط هما ضفتان لنهر واحد.

وهكذا فإن إشكالية المرأة والمجتمع التي يعالجها زكريا تامر في روح من السخرية تذكِّرنا بالماغوط الذي نجح في أن يجعل الحجارة تبكي، والحزن يضحك، وهذه لعمري هي مفارقَة السخرية.

إذن، ليلى - في قصة « امرأة جميلة» تجد نفسها تُغتصَب من كل الرجال، فلا تجد وسيلةً للثأر لكرامتها الإنسانية المهانَة سوى قتل نفسها، فليلى المطلَّقَة يغتصبها مدير الشركة، ثم سائق السيارة الذي يوصِلُها إلى المخفر، ومن بعده الشرطي، والطبيب الذي يعاينها، ثم من قِبَل القاضي، والصحافي الذي سيدافِع عن قضيتها.

إذن، أراد زكريا تامر من خلال قصته هذه أن يفضَح ويدين هذا الواقع المتخلِّف ورؤيته للمرأة، تلك الرؤية التي تلغي أية قيمة لها خارج إطار الرؤية الذكورية المريضة التي تحولها إلى وسيلة لتفريغ مكبوتها الجنسي، وإشباع رغباتها، وقد أراد زكريا من خلال هذه النهاية أن يعبِّر عن مأساوية الشرط الاجتماعي والأخلاقي، الإنساني الذي تعيشه، والذي يقتل فيها – إذا لم تقم بقتل نفسها انتقاماً – إنسانيتها وشعورها بكرامتها وقيمتها المهدورة.

بدأ زكريا تامر حياته حداداً شرساً في معمل، وعندما انطلق من حي البحصة في دمشق بلفافته وسُعالِه المعهودين ليصبح كاتباً، لم يتخلّ عن مهنته الأصلية، بل بقي حداداً وشرساً، ولكن في وطن من الفخار. لم يترك فيه شيئاً قائماً إلا وحطّمه، ولم يقف في وجهه شيء سوى القبور والسجون، لأنها بحماية جيدة.

زكريا تامر

يُشعِر قارئه بأنه محاصَر كالقلم في المبراة، وأنه عارٍ من كل شيء في أقسى صقيع عرفه القدر، ولا يملِك شيئاً سوى راحتيه يستر بهما وسطه، وهو في وقفته الضالة والمخجلة تلك، على رصيف المئة مليون أو أشبه، لا ينقصه إلا إطار في قاعة محاضرات، وبحّاثة في علم بقاء الأنواع يشير إليه بطرف عصاه أمام طلابه ويقول: كنّا ندرس يا أولادي من قبل كيف يتطور المخلوق البشري من مناطق كثيرة من قردٍ إلى إنسان. والآن سندرس كيف يتطور المخلوق البشري في هذه المنطقة من إنسانٍ إلى قرد، وأهله وحكامُه يتفرجون عليه من النافذة وهم يضحكون.

يشعر قارئه بأنه محاصر كالقلم في المبراة
محمد الماغوط

مثل قطار متآكِل الخشب، يحمل صفيرُه الأبح كل رغباتنا ونزوات الشباب في عروقنا، تنحدِر أقاصيص زكريا تامر إلى أعماق واقعنا النفسي بكل جوعه إلى الطمأنينة المادية والروحية. إنه تعبير عن تعبنا وفرارنا إلى الحلم اليقظان والحلم المخدر تحت سياط الحاجة اللاهبة إلى الخبز والحب، إن زكريا هو الفنان الوحيد الذي ينقد واقعنا بقسوة دون أن يتحول نقده إلى خطابات وتقارير.
الفنان الوحيد محي الدين صبحي

عدد القراءات : 6938

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *

اكتب الرقم : *
 

 
 
alazmenah.com - All rights reserved 2017
Powered by SyrianMonster - Web services Provider