دمشق    23 / 07 / 2017
المساعدات إلى الغوطة ليست الأولى  بعد أن سقطت نارياً: الجيش يستعد لاقتحام السخنة  حجب الثقة عن رئيسة مجلس الشعب: هل يؤسس لمرحلة جديدة في التعاطي؟  ساعة الحسم دُقت في الرقة ...الجيش يقض مضاجع الإرهابيين  ماذا حدث في المصرف الزراعي في اليعربية؟..40 مليون ليرة تختفي بوضح النهار!  جرود عرسال مقبرة فلول الإرهاب..بقلم: عمر معربوني  معركة عرسال وأعداء حزب الله  مصدر سعودي رفيع: بن نايف أدمن الكوكايين والملك لا يعتزم التنحي قريبًا  لماذا تعتقل تركيا أشخاصا يرتدون قمصانا تحمل كلمة بطل؟  كيف “استسلم” ترامب لبوتين؟.. بقلم: جورج عيسى  اتفاق وشيك..كوريدور تجاري جنوب سورية  خريطة الصراعات والمؤامرات العائلية بين حكام قطر والإمارات والسعودية  الكرملين يرد على مناقشة قانون أمريكي لفرض عقوبات على روسيا وإيران  بيع "السبايا" من جديد في العراق!  إسهام متواضع في مشروع كبير .../ 2 /.. بقلم: د.فايز الصايغ  روسيا قادرة على طرد أمريكا من سوريا باعتراف جنرال أمريكي كبير  اقتحام إسرائيلي واسع للمسجد الأقصى  موغيريني في الكويت لبحث الأزمة القطرية  ما السر في ثلاجة البيت الأبيض ليسرقها المتحدث باسمه ليلا!  طهران وبغداد توقعان مذكرة تفاهم للتعاون العسكري  

أخبار سورية

2016-12-07 02:37:28  |  الأرشيف

الناس يطاردون أحلامهم في زحام الاحتياجات .. والواقع يصطادها في الحقيقة! البصمات السوداء للإرهاب ترخي بمتوالية أعبائها على يوميات المجتمع..

فجأة، وبدون سابق إنذار علا صوتهم (الي ..لأ الي )ودب الخلاف فيمابينهم، وتدخل زملاؤهم لحل المشكلة التي على مايبدو كانت عابرة ولاتمت بصلة للواقع، حيث اختلف الصديقان على ملكية إحدى السيارات التي كانا يشاهدانها من خلال النت (اليوتيوب)، وطبعاً هذا المشهد الذي أخذ في بعض مراحله صورة التشنج والصراع الطفولي يمكن إسقاطه وتعميمه على حياة جميع الفئات العمرية التي باتت أكثر استسلاماً للأحلام والخيال في هذه الظروف الصعبة، خاصة بعد أن دخلت الكثير من المستلزمات المعيشية والحياتية، وتلك المصنفة في خانة الرفاهية، في نفق الغياب التام، فلكل شخص حلمه الذي يعيش فيه ويقاتل ويكافح من أجله في عالمه الافتراضي، رغم اليقين التام بعدم القدرة على قلب الوهم إلى الخيال، إلا أن النشوة التي يعيشها الناس في حلمهم جعلتهم أكثر قرباً وتمسكاً بهذا العالم الذي لايخلو من مرارة الماضي واستذكار ماكان وجوده حقيقياً في يومياتهم، فمن لايملك سقفاً يؤويه يحلم بشراء البيت أوتحاصره ذكريات بيته القديم الذي تركه هرباً من الحرب وجرائم الإرهاب، ووووو.. تكثر “لو” في أحاديث الناس ونقاشاتهم.
ولكن حتى “لو” تتكسر حروفها في زحمة الهموم والمنغصات، حيث تصطف المطالب والاحتياجات في طابور الأحلام والأمنيات، وتكثر الدعاءات المطالبة بالرزق والمال اللازم لتوفير مايلزم الأسرة .. وهنا تبدأ مرحلة النقاش والجدل العقيم بين أفراد الأسرة الواحدة، وبعضها يصل إلى مرحلة الصدام والتشنج مع رب الأسرة المسؤول عن تسيير أمورها وتأمين احتياجاتها، فالأحلام تتعارك، وخاصة في تلك البيوت الغارقة بالهموم “وما أكثرها” وهي المنهكة بالأعباء المعيشية التي يكويها فقر الحال وقلة مصادر الرزق وتلسعها تنبؤات بالمزيد من الضربات الموجعة للغلاء. هذا هو ملخص الرحلة اليومية التي تجمع بين كوننا ضحايا الظروف “نصرخ ونبكي نستنجد” كباقي الناس، وبين كوننا شهوداً على واقع مأساوي يحاصر عشرات الآلاف من الأسر، وبشكل يدفعنا لحمد الله وشكره على واقعنا الحياتي.. فبماذا يحلم الناس في هذه الأيام ؟.
بيت الأحلام
في الشوارع والأحياء تجول الأفكار الحالمة باحثة عن ملجأ لها في الحياة الواقعية التي لم تعد كسابق عهدها، فالطفل سمير حميدي الذي صافحنا بيده الممدودة أمام أحد محلات السندويش، كان يحلم بسندويشة “سللوب” كما كان ينطقها أي “سكالوب” وعندما سألناه إن كان يعرف ماذا تحتوي هذا السندويشة، قال لنا :”مابهمني المهم اكل ” طبعاً الحالة ذاتها كانت موجودة عند أصدقائه الذين داهموا المكان وطالبوه بتقسيم السندويشة فيمابينهم، ولكن للأسف كانت أياديهم أسبق من سكين الشيف، فقد تهافتوا عليها ليأخذ كل واحد منهم قضمة الحظ، فإما أن تكون لحمة أو بطاطا فقط، والغريب أن هؤلاء الصبية لايعرفون أي شيء عن المدرسة وهدفهم الوحيد ملء أيديهم بالمال أو بالطعام وأحلامهم لاتخرج عن سكة واقعهم، فهمام ومنير يحلمان بسندويشة كبيرة تكفيهم لأيام، وميادة وصباح ومحمد يريدون أحذية سواء كانت قديمة أو جديدة، فأقدامهم تسير حافية عارية، وطبعاً لم تكن الأم بعيدة عن هذه الأحلام فهي تريد كل مايريده أطفالها “عطيني ربي يعطيك “.

على الدور
في مكان آخر، ومن أمام أحد الأفران، حاولنا الإمساك بأحلام الناس التي بقيت حبيسة الواقع المأزوم الذي حاصر الناس بهمومه التي دخلت من باب الحلم والأمنية، حيث بات الحصول على رغيف الخبز حلماً صعب المنال من قبل الكثير من الأسر التي ليس لها أي مصدر رزق، وهنا تشعر بالحرقة والألم، فبلدنا كانت قبل الحرب “بلد الفقير” والآن هناك من يتضور جوعاً نتيجة الإرهاب القميء والحصار وفقدان الناس ممتلكاتهم، وكم من المشاهد المأساوية التي باتت حاضرة الآن في الحياة اليومية، “أبو عمر” رجل في الخمسين من عمره “داريا” يتجول مع عربته في شوارع أشرفية صحنايا التي كان يزورها قبل الحرب كمتعهد بناء، أما “أبو رجاء” صاحب معمل لصناعة الحديد سابقاً (شبك) في القابون فحاله لم تختلف كثيراً عن حال الآلاف من الذين فقدوا كل مايملكون في أتون هذه الحرب التي دمرت معمله وبيته وشردته وأجبرته الظروف على العمل في تصليح ألعاب الأطفال والأدوات الكهربائية بعد أن حصل على تعويض قيمته 3ملايين ليرة سورية عن معمله الذي قدرت أضراره في تلك الفترة بـ40 مليون ليرة سورية، وبمساعدة أحد أصدقائه استطاع تأمين بيت للسكن، ليكون في الوقت ذاته ورشة عمل لكسب لقمة العيش.

مجتمع مصغر
تساؤلات بسيطة حملناها معنا إلى الجامعة التي تكثر فيها الأحلام والتخيلات بشتى أنواعها، وخاصة في كلية الآداب التي تعتبر صورة مصغرة عن المجتمع السوري ..هل تحقق لنا التخيلات ما نتمناه؟،وهل يسعى الناس في ما بعد إلى تحقيقها على أرض الواقع أم تأخذهم وبشكل مرضي إلى التمرد على المتاح والواقع؟.
ولاشك في أن البحث وملاحقة الحلم في أوساط الشباب الجامعي يبين حالة الواقع العام للناس ويقدم صورة واضحة عن المجتمع الشبابي الذي ربط حلمه بالهجرة إلى المجهول، ومايؤلم أكثر أن الكثير من الشباب سجنوا أحلامهم في قفص التشاؤم، وبدلاً من أن تكون تخيلاتهم فسحة من الأمل لحياتهم كانت تزيد من يأسهم وإحباطهم، “ليست لدينا أحلام بل أوهام ” هذا ماقاله مهند المرتضى، وهو في عامه الجامعي الأخير “علم الاجتماع” وتابع “لاتطلب مني إخبارك بماذا أحلم، بل قل لي ماذا ينقصني؟ ” والإجابة ستكون كل شيء ولن أستطيع تحقيق ما أتمناه هنا، فالحلم سيتحقق وراء البحار.
الحالة ذاتها كانت حاضرة مع هبة غنيم (فلسفة) التي لم تتردد في فتح حقيبتها وإخراج الخمسمائة ليرة الموجودة معها ..هل يكفي هذا المبلغ لأعيش الحياة الجامعية؟ هل أستطيع شراء أي حلم ؟ وهل نعيش واقعاً صحيحاً لتكون أحلامنا سوية ونابضة بالأمل؟ حياتنا متخمة بالأحلام التي لن نستطيع تحقيقها في هذه الظروف التي طحنت أرواحنا قبل أجسادنا، وأيبست حتى بذرة الأمل، حياتنا موشحة بالسواد، فالواقع بات كابوساً، أما الحلم فهو الحصول على لقمة العيش فقط.
بعد هذه الجرعة المفرطة من اليأس والتشاؤم ظننا أننا وجدنا ضالتنا التفاؤلية عندما رأينا مجموعة من الشباب والصبايا حيث لاتغادر الضحكات جلستهم العابقة بالحياة كما توقعنا، فاقتربنا منهم وطرحنا ذات التساؤلات حول الحلم والواقع، وهنا كانت الصدمة، فالضحكات التي سمعناها لم تكن سوى بكاء صاخب على إحدى الزميلات التي اعتذرت عن الحضور إلى الجامعة لارتباطها بعمل في أحد المطاعم الشعبية في سوق ساروجة، وهنا لم يكن أمامنا سوى خيار واحد وهو الانسحاب، فالأحلام ستكون موءودة تحت ركام المأساة المعيشية وفقر الحال.
نبضة أمل
أثناء ملاحقتنا الأحلام بين أسوار الجامعة ..أغرتنا رائحة القهوة القادمة من المقاصف، وأثارنا ذلك الضجيج المتصاعد من النوافذ وتلك الوجوه ذات التعابير المختلفة التي دعتنا للدخول والتعرف على المزيد من القصص والأحلام، ولكن هذه المرة سيكون بحثنا أكثر تركيزاً ودقة في الاختيار الذي وقع على إحدى الطاولات التي تشد أحلام أي شاب برائحة برفانها وجمال فارساتها اللواتي اصطدن بعض أحلامنا، منى، هكذا عرفتنا عن نفسها، طالبة في قسم الأدب الإنكليزي، ليلى “نفس الفصيلة ENKGLSH” كما قالت، صوفي “هيك بنادوني بالشلة”، رؤى “وبس ما في أكثر من هيك”.
ولاشك أن الدقائق الأولى في هذه اللمة كانت خارج إطار المهمة التي كنا بصددها، فالجلسة كانت تجمع مابين الذكريات والحلم الذي لم يهدأ خلال الحوار، فكل شيء كان نابضاً بالحياة والأمل، ولأول مرة أشعر أنه يمكن أن تكون للأحلام نهاية، فعلى الطاولة تساقطت الأحلام المعهودة “البيت السيارة ..الزواج ..السفر ..الوظيفة ..المال ..” أمام مد الواقع المكتنز بكل شيء، فليس هناك مكان للحرمان، بل هناك انشغال دائم بالفرفشة والاستحواذ على اهتمام الناس، وهناك شغف غير طبيعي بالجلوس الدائم على عرش التميز، والحق يقال، وبعكس توقعاتي التي بنيت على المظهر الخارجي، وتلك الملابس الممتلئة بالفتحات، كان الحديث معهن جميلاً وهادئاً ويعبر عن وعي وفهم صحيح للحياة التي قدمت لهن كل شيء وهذا ليس بذنب، فالحياة تمنح كيفما تشاء وتحرم من تريد.
وبصراحة بعد هذه الجلسة التي دغدغت طموحاتي وأيقظت ماكنت أحاول وعلى مدار سنوات عديدة دفنه في أعماقي، فقدت الرغبة في متابعة الموضوع، وقررت إعادة النظر في حياتي وترتيب أولوياتي، وبدأت ألاحق أحلامي التي لم أشعر يوماً بتواضعها إلا خلال هذه الجلسة.

أمنية موشحة بالفقر
وكغيري من الذين تتعرض أحلامهم لهزات وصدمات عنيفة، خرجت من الجامعة وأنا أفكر في كيفية تغيير مسار حياتي التي رغم كونها بمثابة الحلم للآخرين، إلا أنها مجرد هذيان فكري وعبور زمني في عالم الواقع الذي لم يعد له أساس في هذه الفترة الصعبة التي تتمرد فيها الأحلام على نفسها، خاصة مع تكاثر الأزمات والإخفاق المتتالي في انتشال أبسط المستلزمات من براثن الحرمان والغياب، إضافة إلى تفاوت طبقي مريب ومشكوك في صحته ونسبة من ينضوي تحت بند الترف المعيشي.
وبصراحة لم نرغب في سؤال أي جهة كانت حول أحوال الناس والإجراءات المتخذة في هذا المجال، لعلمنا المسبق بتكرار الإجابات ذاتها تحت عباءة الأزمة، ولم نجد ضرورة لسؤال أصحاب الاختصاص الاقتصادي أو النفسي، لأننا حفظنا كلماتهم ومعادلاتهم عن ظهر قلب، فنظرياتهم الاقتصادية ووصفاتهم العلاجية النفسية لا تنفع إلا في الكتب الدراسية، أما في الواقع، فهي مجرد متوالية حسابية خالية من الدسم.

بشير فرزان
عدد القراءات : 3822

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *

اكتب الرقم : *
 

 
 
alazmenah.com - All rights reserved 2017
Powered by SyrianMonster - Web services Provider