دمشق    23 / 07 / 2018
«تسويات» الجنوب في أواخرها.. تصعيد ضد «داعش» في وادي اليرموك  إسرائيل تكتشف عقم تهديداتها: نحو جولة لاحقة  المطلوب لا حكم عليه وسند ملكية وفاتورة كهرباء ومعروض من النيابة … جهل مواطنين بوثائق ضبوط الأضرار يجعلهم لقمة سائغة للسماسرة ومعقبي المعاملات  طهران مستعدة لـ«أمّ المعارك»: أوراقنا «أعقد» من إغلاق هرمز  عرض القيصر لترامب: سورية أولاً... أو الطوفان؟ .. بقلم: محمد صادق الحسيني  في الحروب.. ابحث عن واشنطن.. بقلم: صفاء إسماعيل  من تم تهريبهم ليسوا جميعهم من "الخوذ البيضاء" بل بينهم ضباط وعناصر وعملاء مخابرات خليجية  ترامب إلى روحاني: إياك وأن تهدد أمريكا وإلا  هجوم مسلح يستهدف مبنى محافظة أربيل في كردستان العراق  ارتفاع درجات الحرارة إلى مستوى قياسي في اليابان  قتيلان و14 جريحا بإطلاق نار في تورونتو الكندية  في دمشق.. 100 مليون ليرة مهر لعروس  850 نازحاً سورياً يغادرون لبنان اليوم باتجاه سورية  "داعش" يعلن عن مقتل أحد قادته في سيناء  بعد تحول مشكلة الهجرة إلى إسبانيا... إنقاذ أكثر من 300 مهاجر في يوم واحد  القربي: إدلب ستعود إلى الدولة بسرعة ستفاجئ الجميع  تواصل عملية إخراجهم وعائلاتهم من ريف القنيطرة … العلم الوطني يرفرف في نبع الصخر وقادة الإرهابيين يفرون إلى «إسرائيل»  التنظيم سمح للمدنيين بالخروج من جيوب سيطرته نحو مناطق «قسد» … أميركا تستضيف قادة داعش الأجانب بسجن في الرقة!  قانون يهودية الدولة أسبابه وأهدافه.. بقلم: تحسين الحلبي  

أخبار سورية

2017-01-07 04:34:24  |  الأرشيف

طريقة مبتكرة في التَّسوُّل.. أطفال يختلقون القصص المأسوية للإيقاع بالمواطنين ..بعض الآباء استغلوا أطفالهم في التسوّل والمسؤولية تقع على وزارة الشـؤون

دانية الدوس
يبدو أن لعنة الحرب قد حلت على الأطفال أيضاً ولكن أي لعنة هي تلك؟. لا يختلف عن أي طفل آخر بنفس سنه، كان يبدو في كامل صحته الجسدية والعقلية، اللهم إلا بعض السواد الذي كان يعلو كنزته الصوفية الخفيفة،  هناك عند مبنى الصحيفة وقف يطلب الاستئذان بالدخول أولاً، ليبدأ فيما بعد بالتماس قليل من المال يشتري به ما يهدئ جوعه، براءته وأدب سؤاله جعل موظف الاستعلامات يتعاطف معه ويسمح له بالولوج إلى الداخل، ليهم بالدخول بخطاً متثاقلة تعكس وقاراً لا يتناسب مع صغر سنه، تسارعت خطواته لتتوقف عند كرسي الموظف تنتظر أن يشير إليه بالجلوس. «اجلس» يقول الموظف والطفل الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره مكوراً يديه إلى فمه ينفث بهما بكل ما أوتي من قوة، لعل الدم يجري في عروقه المجمدة فيخفف من زرقتها، لم يكد يفرغ الموظف من قوله بعد ليرى الطفل جالساً أمامه ينظر إليه بعينين حائرتين فعاجله بالسؤال: ما اسمك؟ أجاب: «محمد». وأين تسكن؟ «لا سكن عندي ولا مأوى». وأين أهلك؟  «كلهم ماتوا». كيف ذلك؟ يسأله الحارس فيجيب الطفل بكل براءة «كنا ساكنين بالمخيم ووقعت البناية على أخواتي وأمي وأبي فماتوا إلا أنا»، ومتى كان ذلك؟ «من 6 سنين »، وأين أقرباؤك هون كلون مسافرين على لبنان». وما بيسألوا عليك؟ «ماحدا بيعرف أني عم نام بالجنينة». يقاطعه الموظف «أنو جنينة؟» يجيب الطفل بكل براءة «الجنينة القريبة من هون» (ومين بيعتني فيك) «في شخص مهجر من المخيم متلي وبيعرف أهلي بيعتني فيني وبيعتبرني واحد من ولاده بنام معه بالحديقة بيقفل علي لأنه بيخاف علي» جن جنون الموظف وعاود سؤال الطفل «وليش بتنام معه بالحديقة؟» فأجاب الطفل: «هنيك بيته هو ناطور الحديقة». عندها هرول الموظف ليعلم الإدارة التي  ارتأت إرسال الطفل إلى مخفر الميدان لتنظيم ضبط في حقه وإرساله إلى الجهات الأخرى المسؤولة والتي بدورها تتولى الاهتمام به.
طلب الموظف من الطفل المكوث على الكرسي نفسه ريثما يحضر أحدهم ليأخذه إلى المخفر قال الموظف: «خليك آعد هلأ بيجي عمو وبياخدك على المخفر وهنيك أنت بتحكي قصتك وأكيد بيساعدوك وهلأ رح جبلك سندويشة وعصير»، الطفل ينظر بكل حنو إلى الموظف وكأنه سيأخذه إلى مدينة الملاهي، يجلس بكل أناة ويقضم السندويشة، من دون أن يبدي أي هلع أو خوف لكونه سيذهب بعد برهة إلى المخفر للنظر في أمره.. على بعد أمتار من الصحيفة، هناك في المخفر، استمع الضابط لقصة الطفل وارتأى وضعه في دار الرحمة للأيتام،  وقام باستدعاء الناطور للتحقيق معه، وعند مجيئه أنكر أي سابق معرفة بالطفل، فأحس الطفل بسوء الموقف فتلعثم وهو يقول: «ما دخله وأنا ما بعرفه»، فأردف الضابط المسؤول قائلاً: «وين أهلك»؟ أجاب الطفل بكل برود: «ما عندي غير عم بيته قريب من هون»، هنالك طلب الضابط إحضار عمه لمعرفة صحة ادعاءات الطفل.. وبعد مجيء العم أعرب عن أسفه وأكد أنها ليست المرة الأولى التي يقوم فيها ابن أخيه بمثل تلك الادعاءات الكاذبة ويضع والديه في مثل هذا الموقف، فقاطعه الضابط: وهل له أب؟، فأجاب العم: لديه أب يعمل في صناعة البخور وأم وأختان وأخ، وهم مستاؤون كثيراً مما يقوم به، وزجروه أكثر من مرة عن فعل ذلك ولكن من دون جدوى فهو يدعي تلك الأقاويل ليحصل على المال!! هنالك أخبرنا الضابط أن العديد من القصص المشابهة أتت إلى المخفر في الآونة الأخيرة لأطفال يدعون أنهم «مقطوعون من شجرة» ليستغلوا براءتهم وتعاطف الناس معهم لنتبين في النهاية أنهم متسولون لا أكثر.
بعيد ساعات فقط لم تتجاوز الثلاث  سمعنا دوي انفجار في المخفر قامت به طفلة تبلغ من العمر 7 سنوات دخلت إلى المخفر على أنها ضائعة وتم تفجيرها عن بعد.
الدكتور في كلية علم الاجتماع طلال مصطفى لم ير تفسيراً لفعل الطفل إلا أنه امتهن حرفة التسول بذكاء واحتيال، ورجح أن يكون ذلك بعلم والديه أيضاً إذ إنه ليس من المعقول أن يغيب عن البيت ساعات من دون أن تتم محاسبته، ومن البدهي أن ينكر الأهل إرسال ابنهم للتسول فيتبرؤوا منه أمام القضاء والمؤسسات المختصة لأن القانون يعاقب الأهل الذين يستخدمون أطفالهم ممن هم تحت سن 18 عاماً في التسول، مضيفاً أنه إذا ما افترضنا أن الطفل يتسول حقاً نتيجة حاجة الأسرة فهذه مسؤولية وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل المعنية بتأهيل الطفل وتأمين مأوى ومعيشة له خلال أسبوع من تأكدها من حاجته.
أما الاختصاصية النفسية خيرية أحمد فرأت أنه عندما يعتاد الطفل على التسول منذ صغره فإنه يصبح بارعاً في تمثيل هذا الدور وذلك بفضل ممارسة وتكرار هذا السلوك، وإن تعليمه من قبل الكبار عامل أساسي في غرس هذه العادة لديه، لأن الطفل يحاكي ويقلد السلوكيات التي يشاهدها ويتعلمها، فالخمس سنوات الأولى من حياته هي الأساس في تنشئته الاجتماعية والمعرفية والأخلاقية، وما يزرعه الكبار من سلوكيات وقيم في الصغار يحصدونه في تلك السنوات، إضافة إلى أن العقاب يلعب دوراً في جعل الطفل يتقن هذه العادة.
ولكن ما الذي يدعو طفلاً كهذا لاختلاق تلك الأكاذيب  والقصص المأسوية التي تتنافى مع براءة الطفولة؟
يرى د. مصطفى أن دافع التسول قد يكون نتيجة حاجة الأسرة فعلاً وقد تكون لدى الطفل مشكلة اجتماعية نفسية بأن لديه ملذات خاصة وكماليات إضافية لا يستطيع الأهل تأمينها له كالدخول إلى المطاعم أو الرغبة في الاقتناء، بينما أكدت أحمد أن الحاجة والضرورة كالفقر والجوع ونقص إشباع الحاجات الأساسية من أبرز الأسباب التي تدعو الطفل إلى اختلاق مثل تلك القصص المأسوية، فقد يكون الطفل من أسرة فقيرة جداً وهو المعيل الوحيد لأسرته لتأمين المستلزمات الضرورية لضمان حياته وأسرته، وفي هذه الحالة يكون الطفل ضحية هذا الواقع المأسوي، أو يكون قد ترعرع ضمن أسرة تمتهن التسول وتربى على القيام بهذه المهنة واعتاد عليها منذ صغره أو استغل من قبل أهله لممارسة هذه المهنة فأصبح المصدر الأساس لإعالة الأسرة، والأسوأ من ذلك كله قيام الأهل باستغلال طفلهم من ذوي الاحتياجات الخاصة بشكل مثير للشفقة لكسب المال.
90% ممن يشغّلون أطفالهم يتعاطون المخدرات والكحول
«من خلال الملاحظات الواقعية للأطفال المتسولين تبين أن أغلبهم يقوم بمهنة التسول بتحريض من جهة ما قد تكون من العائلة نفسها (الأب، الأخ الأكبر، العم أو الجد) وأحياناً قد يكون شخصاً غريباً يُشغل لديه مجموعة من الأطفال يغويهم ويطعمهم مقابل ما يحصلون عليه فإذا ما راقبناهم نجد في آخر النهار شخصاً جاء لبرهة وأخذ الغلة منهم ورحل، بحسب د. مصطفى.. وأضاف: ظاهرة تسول الأطفال ليست بجديدة لكنها ازدادت في الحرب وازدادت معها أساليب الاحتيال، فأصبحنا نجد منهم من يدّعي الإعاقة ومنهم من يختلق الأكاذيب في أنه مقطوع ويريد العودة إلى منزله وليس لديه مال ليستقل سرفيساً، لكسب استعطاف الناس وودهم، وللأسف هنالك أشخاص نفوسهم ضعيفة استغلوا أطفالهم في مهنة التسول المربحة، فكان بعض الآباء لا يسمحون لأطفالهم بالدخول إلى المنزل ويصرون على معاقبتهم بالنوم في الشارع في حال لم يحصلوا على المبلغ اليومي المحدد، وهؤلاء الآباء تبين من خلال الدراسات أن 90% منهم يعانون من تصدع نفسي واجتماعي وأخلاقي ويجبرون أبناءهم على تكسب المال لشراء المخدرات والكحول.
ماذا عن المعاناة النفسية التي يكابدها مثل هؤلاء الأطفال؟
تقول أحمد: ظروف الحرب ونتائجها السلبية من التهجير والتشرد والعجز وفقدان الأسرة، خلفت العديد من الآثار السلبية على الفرد بشكل خاص والمجتمع بشكل عام، فأصبح الطفل يعاني مشكلات نفسية واجتماعية كالعدوان الناتج عن الصور والمشاهد التي يراها سواء بطريقة مباشرة أو عن طريق وسائل الإعلام، أودت به إلى الانحراف فاتجه لتعاطي المخدرات والتدخين والكحول والسرقة والاستغلال الجنسي والكذب للحصول على ما يريد، وذلك هرباً من الواقع المأسوي الذي فُرض عليه من تشرد وجوع وتهجير وفقدان جميع حاجاته وأغراضه، وتالياً اللجوء إلى التسول الذي يشوه صورة الطفولة بكل ما تحمل من براءة وطاقة ولعب وأمل ومستقبل، إضافة إلى الخوف والهلع، وفي الوجه الآخر قد يكون التمرد والعصيان وفقدان الثقة بالنفس وعدم إعطاء الذات تقديرها والشعور بالدونية والنقص واليأس والحزن والاكتئاب الذي يؤدي إلى الانتحار، واضطرابات النوم والتبول اللاإرادي وأحلام اليقظة واضطراب ما بعد الصدمة، والتسرب المدرسي والتأخر الدراسي، والعزلة والرهاب الاجتماعي.
مَنْ المسؤول؟
يرى د. مصطفى أن دور الأهل مهم جداً لتربية الطفل والحفاظ عليه من الاستغلال ومراقبته فلا يغيب عن المنزل لأكثر من 10 دقائق بعد انتهاء دوامه المدرسي، هذا في حال لم يكونوا على معرفة بتسوله، أما إذا كانوا وراء قيامه بالتسول فيجب التدخل المباشر لمعرفة سبب التسول وهنا يأتي دور وزارة الشؤون الاجتماعية الملقى على عاتقها هذا الأمر، في حين أكدت أحمد أن عدم ممارسة الجهات المعنية دورها في التخفيف من هذه الظاهرة وأخذ الإجراءات سواء القانونية أو الاجتماعية أو النفسية يعزز ويشجع على استمرار هذه الظاهرة واتباع أساليب متعددة تتنافى مع براءة الطفولة.

عدد القراءات : 4160
alazmenah.com - All rights reserved 2018
Powered by SyrianMonster - Web services Provider