الأخبار |
بصور جريئة مستلقية على المكتب البيضاوي.. باريس هيلتون تعلن ترشحها لانتخابات الرئاسة الأمريكية  لأول مرة.. الولايات المتحدة تسجل 60 ألف إصابة بكورونا خلال يوم  "يونسيف": 4.5 مليون عراقي مهددون بالفقر والحرمان غالبيتهم من الأطفال  دولة خليجية تعين قاضيات للمرة الأولى في تاريخها  لافروف يصف محادثات سد النهضة بين مصر والسودان وإثيوبيا بالمشجعة  سورية وإيران توقعان اتفاقية عسكرية شاملة لتعزيز التعاون العسكري والأمني في شتى مجالات عمل القوات المسلحة  انتهاء امتحانات شهادة التعليم الأساسي.. أسئلة اللغة الإنكليزية واضحة وشاملة  علماء البيرو يطورون جهازا للتنفس الاصطناعي يعمل بالتحكم عن بعد  شعبية ترامب وأوراق بايدن.. بقلم: د. أيمن سمير  الصين تفرض رقابة على الإنترنت... وأميركا تدرس حظر تطبيقات صينيّة  الأسرة بحاجة إلى 270 ألف ليرة لتأكل فقط.. و202 ألف إذا قررت أن تكون نباتية !  فرنسا.. حكومة جان كاستيكس: ماكرون «زعيم اليمين» الجديد؟  الجزائر: تسجيل 475 إصابة جديدة و9 وفيات بكورونا خلال الـ24 ساعة الأخيرة  “3 أعوام من الفوضى تكفي”.. جماعات جمهورية تستعد لإسقاط ترامب!  FBI: نفتح قضية جديدة متعلقة بالصين مرة كل 10 ساعات  الصحة العالمية تعلق على درجة خطورة تفشي الطاعون الدملي  الجمهوريون في مأزق: ترامب و«كورونا» عدوّان انتخابيّان  هي كلمة للقيادة الرياضية السورية الجديدة.. بقلم: صفوان الهندي  عودة «تنقيط الصواريخ»: غزة على طاولة قادة العدو  نجمة تونس الأولى نادرة لملوم: الصدق والوضوح هما مفتاح قلبي وهذه هي خطوطي الحمراء     

ثقافــــة

2015-06-13 01:05:20  |  الأرشيف

من تاريخ البيت الدمشقي .. بقلم: شمس الدين العجلاني

تتميز مدينة دمشق القديمة بتنوع فنون العمارة في بيوتها، وهي مازالت تحتفظ ببنيتها المعمارية التي حباها الله بها، وجعلتها تتفرد عن غيرها من عواصم العالم.
اشتهر البيت الدمشقي منذ القديم بروعة جماله وسحر تصميمه حتى أضحى اليوم أهم وأجمل المتاحف والمراكز الثقافية والمطاعم والفنادق التراثية، حيث يستمتع الزائر والسائح بروعة هذه البيوت..
أخذ البيت الدمشقي حيزاً كبيراً من اهتمام الكتاب والباحثين، وانبرى كل منهم يصف أدق التفاصيل لهذا البيت، ومن أطرف ما قيل في وصف البيت الدمشقي على لسان أحد الباحثين الأجانب حين شبّه هذا البيت بالمرأة المتحجبة التي لايرى من محياها إلا ما ندر مضيفاً: إن "الوصف بأبسط معانيه فيه العبرة التي إذا أردنا أن نصف البيت الدمشقي فيه لكان العبرة في البساطة الهندسية والتكوين والتشكيل الخارجي وروعة ودقة وإبداع".

من يمر بحارات دمشق القديمة ويشاهد منازلها من الخارج فإنه يرى بيوتاً لا شكل لها ولا زينة.. فالطابق الأرضي لا نوافذ فيه.. وقد طلي بالكلس على جدار حجري لا يرتفع أكثر من متر.. وفوقه طابق له شبابيك مغطاة بشبك من الخشب يدعى (الخص) وغالباً ما يكون بارزاً عن البيت.. يطل كشرفة صغيرة بحيث يرى الناس من حيث لا يرونه..
ولكن إذا دخلت إلى الدار الشامية وجدت فيها العجب العجاب من الجمال والروعة والفن.. إذاً البيت الدمشقي من الداخل غيره من الخارج، من الداخل جنة ومن الخارج شيء لا شكل له ولا جمال فيه، وقد يلاحظ الزائر لبيت دمشقي تاريخي اهتمام أهل الشام بتزيين وزخرفة الدور من الداخل وكانوا ينظرون في البناء إلى ثلاثة مقاصد في آن واحد هي المحافظة على العادات والتقاليد والصحة وطبيعة الإقليم معاً.


وفي هذا الصدد يقولون: إن هنالك عدة أسباب لذلك، فالجدران العالية وعدم وجود شرفات خارجية تحافظ على خصوصية البيت وسكانه حسب عادات ومفاهيم تلك الأيام، ولم يكن يتواجد في ذاك الزمان أماكن تسلية وترفيه، فنساء الحارة يجتمعن في البيوتات، ويتسامرن ويقمن حفلات الرقص والغناء.. لذا اعتنوا بجماله الداخلي من زخرفات وتزيينات وجعله على حدِّ قول نزار قباني "قارورة عطر" لأنه كان يحتوي على أجمل أنواع الورود والفل والياسمين.. وأيضاً ينطبق هذا الحال على حد كبير على الرجال.
ولكن هنالك سبب آخر لجعل البيت الدمشقي من الداخل غيره من الخارج حسبما يروي الأقدمون فيقولون: إن الدمشقي لكثرة ما عانى من موجات الغزو والنهب والتقلبات وألوان الاستعمار القائم على الجور والتعسف، كان يحاول جهده أن يخفي النعمة ولا يظهرها، ذلك أن النعمة في ذلك الزمن قد تكون نقمة على صاحبها وتُعرِضه للقتل أو النهب.
يطلقون في دمشق على البيوت القديمة اسم (بيت عربي) وتقاليد بنائه تعتمد على الإبداع والسخاء في التصاميم والتزيينات في الداخل، أما خارج البيت فهو ليس بنفس الجمال إلا إذا استثنينا بعض البوابات للقصور الدمشقية. لأن أهل الشام انصب اهتمامهم على تزيين وزخرفة بيوتهم من الداخل وكانوا يسعون لتحقيق ثلاثة مقاصد في بيوتهم في آن واحد وهي المحافظة على تعاليم الدين والصحة والمناظر الخلابة... لذا لا نرى نوافذ للبيت الدمشقي على الحارات والأزقة (حتى لا ينكشف أهل البيت) فالنافذة في البيت الشامي تفتح على صحن الدار والإيوان والمشارق الواسعة فقط ولا تفتح على خارج الدور كالطرق بحيث يظل كل ما في الدار ضمن جدرانها ولا يتعداها بعيداً عن أنظار الغريب والقريب على السواء.
تتعانق البيوتات القديمة في دمشق من الأعلى، وقد تلتصق بعض البيوت ببعضها بعضاً وأن ما تحتهما من طريق يكون مغطى ويسمى " السيباط " وأيضا نرى الشمس تسطع في البيت الدمشقي، إضافة إلى الزخرفة الرائعة والنبتات الجميلة.. ويقال إن أول بيت عربي شيد في دمشق كان للخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان حيث شيده أيام ولايته على الشام بالقرب من الجامع الأموي وعرف باسم قصر الخضراء نسبة إلى القبة الخضراء التي كانت تعلوه، وكان داراً للولاية وسكنه معاوية أربعين سنة كما يقول ابن كثير. ويصف ابن كثير قصر الخضراء قائلاً: (كان في غاية الإحكام والإتقان وطيب الغناء ونزهة المجلس وحسن النظر) وموقع بيت معاوية في المكان المحاذي لجدار الجامع الأموي من الجهة الجنوبية، وكان يتصل بحرم الجامع من خلال باب يطلق عليه اسم باب الخضراء وهو في الأصل إحدى الفتحات الثلاث لمعبد جوبيتير، وأصاب الخراب قصر معاوية بعد زوال العصر الأموي من الشام، حيث جعله العباسيون داراً للشرطة وضرب النقود ثم التهمته النار في عصر الفاطميين كما يروي ابن كثير الذي يذكر: "ألقيت ناراً بدار الملك وهي الخضراء المتاخمة للجامع من جهة القبلة فاحترقت". يقول أحد ظرفاء الشام إن البيت الدمشقي مثل (المطبقية أو السفرطاس) أي يتألف من عدة طبقات فهنالك القبو والطابق الأرضي والعلالي "الطابق الثاني" والطيارة، البيوتات الدمشقية لأصحابها من عامة الناس ذات مساحات عادية أو صغيرة، والسبب ضيق المساحة ضمن سور المدينة، فيضطر السكان للتكيف ضمن المساحة المحدودة إذا تكاثر عددهم، وعجز مواد البناء من أن تؤمن أكثر من هذا الارتفاع الشاقولي.
ونعود للقول: إن البيت الدمشقي بيت يعبق بالسحر والجمال فهو مغلق من الخارج مفتوح بالداخل، فالزائر إلى هذا البيت يمر بدهليز معتم يؤدي إلى فسحة ضخمة (أرض الديار) مفتوحة إلى السماء تزينها الأشجار والنباتات الشامية العريقة والزهور الدمشقية النادرة. فهنالك الياسمين وشجر التوت والنارنج والكباد والليمون والبرتقال.. أرض الديار هذه واسعة تتوسطها بحرة ماء تتدفق منها المياه العذبة وتحيط بها غرف البيت المكونة من طابقين في أكثر الأحيان ويتصدر البيت الإيوان، والإيوان عبارة عن غرفة بثلاثة جدران مفتوحة على أرض الديار وترتفع أرض الإيوان عن مستوى أرض الديار بما يقارب نصف متر، حيث يتم الصعود للإيوان بعدة درجات. ولها قنطرة تسمى تاج الإيوان، مزينة بإطار مزخرف بطريقة الحفر مع تشكيلة بزخارف هندسية وسقف الإيوان يحتوي على زخارف خشبية ملونة تسمى (زخرفة عجمي).
كما يوجد في الطابق الأرضي قاعة تسمى (المربع) والمربع هو للاستقبال واجتماع أفراد العائلة والأقرباء وللمناسبات..
وفي الطابق الأول يوجد عادة فسحة سماوية تسمى المشرقة وهي فسحة سماوية علوية مكشوفة من ناحية السقف.. وتحيط بها جدران غرف النوم.. وغالباً ما تكون فيها (دالية العنب) وفيها يكون نشر الغسيل.. ومنها تكون منادمة الجارات لبعضهن بعضاً. والطابق الأول هو عادة يتضمن غرف النوم والمشرقة وغرفة كبيرة للجلوس في الشتاء. 
وكان للبيت الشامي طابق ثالث، يتضمن (الطيارة) وهذه الغرفة تكون عادة غرفة التأملات والهدوء والسكينة.. وتستعمل للدراسة والبحث.. وأحياناً تكون غرفة لضيوف العائلة.. وأحياناً.. غرفة (الحرد) لأحد الزوجين.. أو غرفة التعبد والمناجاة الصافية الصادقة بين العبد وربه.
وبشكل عام فإن البيوت الدمشقية الكبيرة تنقسم إلى ثلاثة أقسام وهي السلملك وهو القسم الذي يستقبل فيه الضيوف من الرجال، والحرملك وهو قسم خاص بالنساء، والخدملك وهو قسم للخدم. ولكن هذا التقسيم لا ينطبق على البيوت المتوسطة والصغيرة. 
.. البيت الشامي.. مملكة مستقلة.. لا جار يزعجك وتزعجه بحركتك فيه.. والأولاد يمارسون نشاطهم بكل حرية وأمان.. والنساء يأخذن حريتهن بالحركة والسهر وإقامة اللقاءات النسائية. وبشكل عام فإن قاعاته مناسبة لإقامة كل أنواع المناسبات من دون الاضطرار إلى اللجوء للفنادق والصالات.
أما المهندس الذي يقوم بتصميم وتنفيذ البيت الدمشقي فهو في غالب الأحيان كان النجار العربي إذ لم يكن في البلاد مهندسون إلا ما ندر، وكانوا ينفذون البيوتات لأعيان دمشق والقصور للحكام.
بيوتات دمشق داخل السور لم تكن واسعة كبيرة بشكل عام نظراً لضيق المساحات لذا كانت متلاصقة ومتعانقة ما أعطى دمشق القديمة طابعاً متميزاً، وهذا التلاصق بين البيوتات كان له إيجابياته زمن المستعمر الفرنسي، فقد كانت أسطح البيوتات تسمح بتنقل الوطنيين والمجاهدين هرباً من المستعمر، واشتهر سماع الأصوات على أسطح هذه المنازل وخاصة في الليل كلمة "يا الله"  فتخلي النساء الطريق للوطنيين.
أما البيوتات الدمشقية الكثيرة والكبيرة وذات الحضارة والروعة، فقد كانت بأغلبيتها خارج سور دمشق في حي ساروجة وحي سيدي عامود الذي اشتهر بأنه كان يحتوي على أهم بيوتات دمشق التي قصفها وهدمها المستعمر الفرنسي عام 1925م ومنذ ذاك الوقت سمي الحي "الحريقة".




عدد القراءات : 15987

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *

اكتب الرقم : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245675
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020