الأخبار |
مصطفى الكاظمي: اختبار النجاح... فالبقاء!  المعلم “الملقّن” لم يعد ينفع.. مدارسنا بحاجة لمدرسين بمهارات عالية!  ما هي خطة ضم الضفة الغربية ووادي الأردن.. وما هي السيناريوهات المحتملة؟  قتل شقيقته ذبحاً بالسكين بعد أن اغتصبها.. والأب متورط بالقتل!  ماكرون يستبدل فيليب بكاستيكس: إصلاحٌ صوَري تمهيداً لانتخابات 2022  هل تعود السياحة في البلدان العربية إلى ما كانت عليه قبل كورونا؟  في مواجهة الحصار: فتّش عن الدعم الزراعي والصناعي  أنت جيّد وهم أنانيون!.. بقلم: عائشة سلطان  لمن ينتظرون فوز "بايدن" برئاسة الولايات المتحدة!!  تركيا تُغرق الاسواق بمليارَي دولار: التهريب يكمل ما بدأته العقوبات  البرلمان التونسي يرفض تصنيف "الإخوان المسلمين" تنظيما إرهابيا  حالات الإصابة الجديدة بكورونا في أمريكا تتجاوز 53 ألف حالة  لبنان يفتح حدوده البرية مع سورية الثلاثاء والأربعاء القادمين  الدوري الممتاز لكرة القدم… فوز حطين والوثبة والفتوة يشعل المنافسة على الصدارة والهبوط  ماذا يحدث على الحدود السودانية-الإثيوبية.. اشتباك مسلح يتصاعد بين البلدين فمن يقف خلفه؟  شكراً (كورونا )؟!!…بقلم: خالد الشويكي  عالم تنبأ بـ"كوفيد-19" يحذر من وباء أكثر فتكا في غضون 5 سنوات  إصابات وشفاء ووفاة واحدة.. تطورات "كورونا" في سورية  رجل ينتحر وسط بيروت ويترك على صدره رسالة “أنا مش كافر”!  شركة أمريكية تحصل على إذن المغرب لاقتناء مصنع للطائرات     

ثقافــــة

2016-01-10 03:17:33  |  الأرشيف

عاهرة أنت أم قديسة؟.. المدينة والمبدعون … مدائن طيبة زينها الأدب وأخرى مدنسة تعج بالفساد

نجاح إبراهيم

في عيون المبدعين بدت مرّة السيدة الجليلة، المقدسة، التي ترفل بغلالات الطهر والنور، حتى استحالت في نظرهم رمزاً مكتملاً يمازج بين جمال ماديّ، وجمالٍ روحي، كما عند شعراء الإغريق إذ ظنوا مدينتهم «طيبة» وقد شيّدت أسوارها من القصائد والغناء. في حين رأى البعض مدينته مدنّسة، تعجّ بالفساد والضوضاء والعهر والوهم والذكريات المؤلمة، تمارس الوجع والاستلاب بحقّ حاملها، فالمكان ذاكرة دائمة النزف لا تشيخ، ذاكرة مؤلمة وموجعة. في معظم النتاجات الأدبية التي استطعنا الاطلاع عليها، وعبر عقود.

الشعراء ومدينة الحياة
لم يكن الكتاب والشعراء راضين عن المدينة، ولا لاهثين إلى الحياة فيها، على الرّغم من رغبتهم القاتلة لخوض المغامرات فيها واكتشاف الجديد، المستور، ولما توفره من سبل للراحة والمتعة، والخروج عن سرب التقاليد والقيود، بيد أن شعوراً بالغربة والظلم والقهر لا يخفى عمن يمشي في دروبها، ويتشوّق إليها، فالوجه الآخر منها يدفعهم لتعهيرها، ولصق عيوب بها، وذلك لفقدان القيم والمعايير الاجتماعية فيها، والتي غدت متفككة لا يمكن لها أن تلملم هذا التشتت، لأنها هي في حدّ ذاتها لا تقف عند حافة قيمة أو مُثلٍ، بسبب تغييراتها المستمرة وتقلباتها، وبالتالي اشتعال التناقض فيها. فعلى الرّغم من اتساعها تضيق لدى هؤلاء، تغدو دائرة مغلقة بعد أن كانت فضاءات مفتوحة ومشرعة على أحلام لا تحدّ. الشاعر الفرنسي «بودلير» يراها قاتلة للرّوح، وموحشة وخانقة وضيّقة، يقول: «إننا هالكون من حيث نريد أن نحيا، إننا نعود إلى حالة التوحش عبر أنقاض مدينتنا. «فهو لا يرى في باريس مدينة الجمال والعطر والفنِّ والحلم، وإنما يرى الموات والتخشب والتقلب المزعج، يراها باعثة قلق وضياع، لهذا فإنه يسعى لإيجاد بديل منها ليتخلص مما علق به من إحساس بالاغتراب» إن باريس القديمة لا توجد الآن، لقد تغيرت. وثمّة دعوة للشاعر «الأخطل الصغير» لترك المدينة بكلّ مغرياتها، والعودة إلى القرية حيث الطبيعة الجميلة، والهدوء والسكينة، فهو يحمّل المدينة وزر الانسلاخ عن الطمأنينة والراحة»: عودوا إلى تلك القرى فلقد سلختكم عن قلبها المدن» يسانده بالفكرة والرأي الشاعر «صلاح عبد الصبور»، ففي قصيدته «الخروج» يشهر ذلك الانسلاخ عنها لييمّم وجهه شطر الصحراء، ليكون بمقدوره العيش حرّاً ووحيداً طارحاً عباءة الألم: «أخرج عن مدينتي، من موطني القديم مطرّحاً أثقال عيشي الأليم. والشاعر «فاروق شوشة» لم يجد في المدينة غير جدران عازلة ودروب ممتدة مُدهشة، يشعر بأنه ضائع وحزين، بل يشبه الأموات من شدة الخراب»: ضائعٌ في هياكلها ميتٌ خرب القلب مخترقٌ في الضلوع. «في حين الشاعر «بدر شاكر السياب» يشعر بأن مدينته بغداد وقد تصحّرت نتيجة الخيبة والإحباط الذي مُني به بسبب فسادها، فبغداد حلت فيها اللعنة ك «عامورة» التي دعا إلى استيحائها، والتي نزل فيها غضب الله، ليقارنها بمدينته ويسقط الخراب عليها لأنها تجرّدت من الطهر: «أهذه بغداد؟ أم إن عامورة عادت فكان المعاد موتاً؟» إلى هنا نجدُ في الشعر أن المدينة تبدو مكاناً مُدنساً، فهي تغرق في الرذيلة والوحل، والناس يستمرئون واقعهم، والمبدع لا يحاول أن يزيل هذا الغطاء الملوّث عنها، بل تعمّد إلى إفراغها من كلّ ما هو جميل أن وجد فيها، ويبرزها كعاهرة تفوحُ رائحة البغي منها كما فعل فاروق شوشة: «وجدتك عاتية القهر شامخة العهر فاسدة الأمكنة. «ولعلّ أكثر من كان إحساسه عارماً بقسوة المدينة، وبتشظيه فيها، يفقدها أيّ ميزة يمكن أن تمتاز بها، هو خليل حاوي وما قاله في بيروت: «عانيتُ في مدينة تحترفُ التمويه والطهارة.

المدينة في الرواية
أما في السّرد الرّوائي، فقد كانت المدينة فضاء مفتوحاً في روايات الأديب «حنا مينه» وكانت نظرته التي أسقطها على أبطاله، نظرة سلبية، تفصح عن شعوره بالغربة والضياع والفساد، وهي زائفة ومخلخلة تعبّر عن فقدانٍ لأي تماسك. والعلاقات الاجتماعية فيها واهية ومخزية، وهي ساحقة للإنسان تجعله في جوع ومعاناة دائمة، فالوحل يُغرقها، وما الوحل سوى الأوضاع السياسية التي تنشرُ فساداً وبالتالي قهراً اجتماعياً. ومدينة حنا مينه هي مدينة ساحلية، ففي معظم رواياته يعاني بطله الموج والعواصف والأنواء والرّياح، يرمز بذلك إلى الاستغلال والمعاناة بين قوّتين متصارعتين، أولاهما تبتغي انتزاع حقّ، والثانية استعادته. فيبرز الكره لها، يقول بطل رواية «المرفأ البعيد» سعيد حزوم: «جلستُ في المنشية قبالة الملهى، كانت موسيقا راقصة تنبعثُ منه، وجهاء المدينة وأثرياؤها يسهرون في الداخل، والعائلات الكبيرة هنا والفرنسيون… «فالبطل يشعرُ بالاستلاب والقهر والغربة في المدينة، ويقوم ببحث دائم عن عمل ليسدَّ جوعه، فلا يلاقي، ويستحق المكان منه باللعنة، يقول: «يا ميناء اللاذقية، اللعنة عليك وعلى كلّ موانئ العالم»، أما عن المدينة فيقول: «طفتُ في المدينة، سلكتُ الشارع الرئيس من المنشية إلى القلعة، دخلتُ الأزقة الفرعية، الضيقة، المزدحمة بالقمامة والقطط، رطوبة الشوارع كانت لزجة.. «ومع كلّ وساختها وانحطاطها ثمّة ما يُغريه فيها، هي تلك الأحياء الشعبية التي يعيش فيها الفقراء، متمسكين بحقهم بالحياة، هؤلاء المناضلون الذين يعيشون بكرامتهم. ومع ذلك تبقى المدينة بنظر حنا مينه، عاهرة لا تردُّ طالبها ولا تتمنع. في المقابل نجدّ مبدعين ينظرون إليها نظرة ملؤها القداسة والجمال والسحر، حتى تماهت بنبضهم الإبداعي فشكلت لغتهم، ورسمت رؤاهم.

دمشق والوجد الترابي
من هؤلاء الشاعر «نزار قباني» ومدينته المشغولة بوجده وعشقه الفريد. دمشق ذات الحضور الألق، فقد غدت هاجسه، كيف لا وقد حملها في قلبه وعقله أينما حلَ؟! فيتذكر أجواءها ورائحة حاراتها وعبق أسواقها، يقول: «فمن مقعدي أرى وطني في العيون الكبيرة أرى مئذنات دمشق مصوّرة فوق كلّ ضفيرة»، ومن شدّة حبّه لمدينته كان يراها في كلّ حبيبة، بل يرى كلّ ما هو جميل ومقدس في دمشق، كالمآذن والجامع الأموي بالمرأة التي يعشق: «ألاحظتِ؟ كم تشبهين دمشق الجميلة وكم تشبهين المآذن، والجامع الأموي ورقص السماح وخاتم أمي.. ألاحظت كم أنت أنثى؟!
فالشاعر يُماهي بين جمال المرأة وجمال مدينته دمشق، حتى إنه يحاول أن يؤنث المكان لشدّة انحيازه لمدينته الأثيرة. فهذه المدينة المقدّسة، ستبقى في وجدانه، راتعة، مستثناة من الخيانة أو التجاوز، أو رغبته في أن يتحوّل إلى غيرها: «أنت النساء جميعاً، ما من امرأة أحببتُ بعدك إلا خلتها كذبا»، أما في نثره فلا يخمد أوار عشقه لها، لا يخمد مهما صال وجال، إنه مربوط إليها بحبل من صنع الله، يقول: «كلّ أطفال العالم يقطعون لهم حبل مشيمتهم عندما يولدون، إلا أنا، فأنا حبل مشيمتي لم يزل مشدوداً إلى رحم أمي منذ 21آذار عام 1923 يؤكد نزار قباني على مكانة دمشق الرّمز الذي يربطها بأمّه التي تحتلُّ مكاناً مقدّساً في ذات الشاعر. إنني لأؤمن، وبعد الاطلاع على شعر ونثر نزار قباني أن قلعة دمشق وأبواب دمشق، وجوامعها وكنائسها وشوارعها وحجارتها مصوغة من بتلات الياسمين التي يجيد نزار قباني أن يرصّع قصائده منها، تماماً كمدينة «طيبة» ذات الأسوار المشيدة من الشعر والغناء. عند الرّوائي الفلسطيني «حسن حميد» نجد تقديساً عارماً لمدينة «القدس»، مدينة اللـه التي كانت عنوان روايته، فنظرته تتفق مع المدينة المجتباة في التراث العبري حيث هي «مدينة الله» وتعني الاتحاد والمحبة والتجذر فيها، وخروج الإنسان منها يعدُّ غضباً من الإله عليه، وهي مدينة لا يستعاض عنها. رواية حسن حميد «مدينة الله» تبرز القدس مكاناً وتاريخاً ومعتقداً ومعنى: «ستدهشُ وتصابُ بسحر المكان ومغناطيسيته حالما تصل إليه، وهذا ما حدث فعلاً، فأي مكان خرافيّ هذا الذي أراه، فالبيوت هنا أشبه بالدوالي عناقاً وتعريشاً وتآخياً وهمساً وجمالاً.. «ففي مدينة الله» تلمس الحياة أو الوجه الناصع والمشرق لها، وهي مدينة سالم أو مدينة السلام وقد حرفت سالم إلى شالم، وسميت بـ«القدس» اشتقاقاً من كلمة القدوس أحد أسماء اللـه الحسنى، كما سميت «بيت المقدس» أي بيت الله. فالراوي يسرد كلّ ما هو بديع ومقدّس عن مدينة الله، ويروح في سيرتها المعطرة والمنمقة بالرّيحان، ويترفها بالقداسة حتى لتصبح ممدودة على كتف الله. وعلى الرّغم من حبّ الأديب «ادوارد الخراط» لمدينة الإسكندرية وهي عنده: « مدينة سحرية ترابها زعفران، وهي هذا المحيط السحري اليانع النضرة، على حافة كون ملحيّ شاسع، بل غير محدود، وهي – الإسكندرية – عالم ساطع ونقي ونظيف وحيٌّ.. «بيد أنه يراها ذات وقت، من زاوية أخرى فيقول»: ولكنه عالم هشٌّ، حتى في إحساسي بأنه متمدّد على الساحل، متطاول مشدود هضيم الخصر، قابل للانكسار في أيّ بقعة، في أيّة لحظة يقع على حرف هوّة لا قرار لها، متلاطمة خادعة في لحظات هدوئها»، أمّا بالنسبة إلى مدينة القاهرة فهو يشعر بالغربة فيها وبالضياع، ويؤكد أنه مازال عابر سبيل في القاهرة على الرّغم من أنه أمضى فيها ثمانية وعشرين عاماً يحسّ وكأنه على سفر! في مسرحيته «مونودراما» يُبدي الكاتب الدكتور «عباس علي» موقفه من المدينة على لسان بطله المعذب الذي ألقي به عند مكب للنفايات خارج المدينة، فتمنى على القدر أن يسانده وينتشله.

عدد القراءات : 10720

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *

اكتب الرقم : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245575
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020