الأخبار |
أمريكا تسجل أكثر من 55 ألف إصابة بكورونا لليوم الثالث على التوالي  بيونغ يانغ: لا يمكننا أن نتخلص من النووي  هونغ كونغ تغلق جميع المدارس بسبب ارتفاع حالات الإصابة بـ"كورونا"  هل ستضمن منظومة باتريوت أمن أمريكا في العراق؟  البنتاغون: علاقتنا وثيقة مع "قسد" ونحن على اطلاع بلقاءاتهم مع مسؤولين روس  غاز المتوسط.. العملاق الصيني يدخل من بوابة قبرص  الأردن.. توقعات ببدء العام الدراسي في أغسطس المقبل  تجار في طرطوس يتاجرون بلحوم الأبقار النافقة بسبب وباء الجدري ويبيعونها للمواطنين  الصحة المصرية: تسجيل 1025 إصابة جديدة بكورونا و75 حالة وفاة  ارتفاع ضحايا كورونا إلى نحو 550 ألف وفاة وأكثر من 12 مليون مصاب حول العالم  تقرير أمريكي: الإمارات عرقلت الأسبوع الماضي اتفاقا ينهي الأزمة الخليجية مع قطر  المكسيك تسجل حصيلة يومية قياسية في إصابات كورونا  “كوفيد – 19” يقترب من مليونيته الثانية عشر.. الكمامة أفضل سبل الوقاية  البرلماني السينمائي!!.. بقلم: وصال سلوم  المحكمة الأوربية ترفض دعوى رجل أعمال سوري لرفع اسمه من قائمة العقوبات.. من يكون؟  تزايد غير مسبوق في جرائم القتل والاغتصاب.. والعلاج بنشر الوعي والتربية الجنسية  وفاة عامل وإصابة اثنين جراء انهيار منزل في حي كرم القاطرجي بحلب  الرئيس الأسد يستقبل رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الايرانية اللواء محمد باقري والوفد المرافق له  صراع «السيادة» على سوق الطاقة: أسعار من ثلاثة أرقام صارت ماضياً بعيداً!  روسيا تتدخّل مجدّداً لمنع المواجهة المصرية ــ التركية     

افتتاحية الأزمنة

2020-04-26 10:58:37  |  الأرشيف

اللغـــة والديــــن

منظومتان حياديتان إنسانيتان تماماً، متداخلتان من أجل التعبير عما يريده الجوهر والمظهر، إلا أن لكل منهما مذهبه الإنساني، ومادام الإنسان ذا لسان اختص عن غيره من الأجناس، فلا يمكن لنا أن نعثر على إنسان غير لاغ، لأن نظرية خلقه قامت على الكلام حتى مع مكونه الذي اختاره أو اعتنقه، فالواقع يؤيد الفصل بين الدين واللغة، لأن الإنسان بمجمله قادر على أن يتقن أي لغة متى شاء إضافة إلى لغته، لكنه غير قادر على أن يمتلك دينين في آن، والدفاع عن الدين يكون باللغة الممهورة بهوية الإنسان أو بأي لغة يجيدها، إضافة إلى لغته الأم، لأن الدين يحتاج إلى لغة تمثله بشكل استثنائي، وهنا أقول: إن اللغة هي أهم وأضخم القيم التي تقوم عليها إنسانية الإنسان، وهي أهم فاعل في تكوين الحضور البشري، وهنا أشير إلى أن الدين أي دين وجد كدعوة لجميع الناس في سبيل اعتناقه، يقبل به البعض، ويأخذ بغيره الآخر، أي لا يمكن حصره في مجموعة خاصة أو شعب أو حتى أمة، وفي الوقت ذاته لا يمكن فرضه بالإكراه، وإذا حصر فقد كل خصوصيته الإنسانية المتجلية في لسانه الذي يقول: لا فكر من دون لسان يجمع الناس كلها، ويخضعها المنطق الذي منه يوصفها على أنها درجات علمية أو معرفية أو فهمية، وهنا تظهر اللغة على أنها غاية وليست وسيلة.
اللغة علم عقلي مذهبها المنطق، فإن لم تكن في عملية تطوير دائم فهي إلى انحسار، بينما الأديان مذاهب روحية تعمل في القلب، فتصيب فيه إيماناً، وتخلق فيه جوهراً، أو تبقى طقوساً يمارسها المظهر في حركته، فإذا أضفنا إليها أنها ظواهر اجتماعية حقيقية تدفعنا للإيمان الأهم، لأنها تمثل هوية بكل ما تعنيه.
 ما أرمي إليه مما قدمت هو البحث في لغتنا العربية، التي لم تكن خاصة المسلمين، لأنها سابقة على وجودهم الإسلامي، بل كانت ملكاً لمن يحيا على الجغرافيا، التي بفضلها أطلق عليها العربية، التي وسمت أبناءها بالعربي، نظراً للسانها الناطق بها، فكانت للأديان التي سبقت الإسلام، ولعبت المسيحية التي عززت أسسها وقواعدها دوراً مهماً، وقبلها اليهودية، وبينهما المانوية والصابئية والحنيفية ونسبها حصراً إلى الإسلام، مغالطة فيها تجنٍّ على الإسلام ذاته، لأنه أنزل بها وعليها، فإذا ناقشنا موضوعها بعلمية التاريخ الممهور باسمها مبتعدين عن العواطف، وأجرينا مصارحات تستند إلى الحكمة التي لا تحضر إلا من خلال التفكير المنطقي ومصلحة الأمة المجتمعة من شعوب وقبائل، كل منها له معتقده وإيمانه ومفردات لغة تخصه، جمعها جميعاً لسان ناطق بلغة يفهمها الجميع، ليظهرهم كقوم يحترم تنوعهم، فلا يتعثر بينهم لسان، ومن خلاله تتجابه الذهنيات، وتتفتق الأفكار التي لا يمكن أن تصل لبعضها إلا بلغة واحدة، وأي مكونات أمة عندما تريد الحفاظ على نقاء شعورها وحضورها والتدقيق في تاريخها يجب أن تدافع عن لغتها بلا هوادة، لأنها تمثل تاريخها وجغرافيتها وفكرها وأديانها وآدابها وحقوقها  في تنظيم وجودها في كل ميادين حياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
 اللغة الأم تتقدم كل اللغات التي يكتسبها اللسان بالتعلم اللاحق، ولها الحق في الحفاظ على موروثها اللغوي، كما هو حال السريانية والآرامية والآشورية والعبرية.
أيّ سر حملته لغة بلاد الشام أو الكتلة التاريخية السورية، التي حدودها من جبال طوروس حتى صحراء النفوذ التابعة الآن للسعودية، ومن الأهواز حتى العريش المصرية. أيّ لغة نطق بها أبناء الإله هدد أو حدد إله الرعد والمطر، وبعده الإله جوبتير إله الشمس، وأن يحضر موسى النبي ناطقاً باللغة العبرانية أحد مكونات اللغة العربية إلى مدائن صالح ضمن صحراء النفوذ السورية، وأن يلد السيد المسيح في بيت لحم، وينطق بالآرامية، وأن يحضر الرسول محمد عليه السلام إلى القدس ودمشق ناطقاً بالشكل النهائي للعربية، ويمتلك علومها. أيّ سر يجعل بولس الرسول ينطلق من دمشق إلى فلسطين إلى أنطاكية، يبث رسائله قبل أن يصل روما، وأن تنطلق جحافل المسلمين وصولاً إلى الأندلس والعباسيين إلى حدود روسيا وسور الصين؟ أيّ لغة حمت كل هؤلاء العظماء؟ أيّ لغة ضمتهم إلى التعلق بها، ألا ينبغي أن نتفكر في مكنونها؟ هل من مفر لنا غيرها؟ لذلك أدعوكم لإعطائها الأهمية القصوى وإعلاء شأنها.
 مخطئ من يعتقد أن العرب بلا لغتهم يكون لهم رسالة، ومخطئ أكثر من يعتقد أن تكلمه بالفرنسية أو الإنكليزية أنه تعبقر وغدا مثقفاً رغم أهمية امتلاك اللغات الأخرى التي تضفي على الإنسان العربي حضوراً، هذا الحضور الذي يجب ألا يتحول إلى عقد نفسية أو انفصال عن واقع أو اعتقاد بأنه غدا من النخبة، لأن جوهر أي ثقافة غايتها تبادل المعرفة واكتساب الإيجابي منها، وبهذا الشكل تحدث المنفعة، فإذا كان شرطها الأول التمكن من لغة الأمة، فيكون شرطها الثاني امتلاك لغة ثانية أو لغات، ليحدث التبادل المعرفي والتلاقح الفكري الوجداني.
لا يحق للعربي المسلم أن يحتكر اللغة العربية، كما لا يحق للمسيحي أن يحتكر اللغة الإنكليزية، إنما يحق للعربي الأصيل الدفاع عن لغته ووجوده وثقافته، كما يحق للفرنسي والإنكليزي والألماني والروسي والصيني الدفاع عن لغاتهم وعن أديانهم بأي لغة يشاؤون، وبهذا تقوى اللغات وتنضج أكثر بإبعادها عن منظومات التديّن رغم حاجة الأديان لها.
 من مخابئ اللا وعي الإنساني يتحرك الوجدان ناطقاً متعلماً كان أم جاهلاً، تتحد السليقة مع القلب والعقل، تدغدغ اللسان، ليتحدث ونتعرف عمن يتحدث وما يريد عبر كلمات تخرج من أفواه البسطاء، كما هو حال الأغنياء.
 أسأل الآن: ما موقفنا من لغتنا؟ هل فهمنا فلسفتها، أم مازلنا بعيدين عن ذلك؟ ولذلك نجد جفاء بيننا وبينها، ومع تبدل الأجيال هل تبدلت قواعد حركتنا ومسيرنا ولغتنا؟ أم إننا بتنا ننظر إليها على أنها صعبة المآخذ معقدة على الفهم، لأنها تطالبنا بضرورة فهمنا للعروبة والعرب والإسلام وما يرافقه الآن، وهل استوعبنا فكرتها القومية التي لا تخص الدين، بل الحياة وخطابها الاستثنائي المنادي أبداً: "يا قوم" هل وصلنا إلى مرحلة تقديم أفكارنا بلساننا العربي بحكم أن أي مادة فكرية تعبر عن المعاني الخاصة بنا التي تتألف منها طبيعتنا العربية؟
 هل يقدر الدين وحده على تقديم الشخصية العربية؟ وهل نستطيع أن نتقدم بالاستناد إلى الدين فقط؟ أم إننا بحاجة ماسة لاستيعاب مفردات لغتنا؟ انظروا إلى الأمم الأخرى، كيف تعاملت مع الحياة البوذية، الهندوسية، الفارسية، اليهودية، المسيحية، والإسلام لدى الدول التي يحيا بها معتنقوها؟
إنها لغتنا التي يجب أن نعتبرها أشرف أداة وأفضل وسيلة للتعبير عن مكامن شعورنا بأننا أمة يسكن كل فرد من أفرادها الشعور الوطني، وأكتب لكم عنها لا لأنها قضية، وإنما لأنها تجسد مفهوم العرب للحقيقة، فما التبس على سواد أفراد الأمة بسبب العاطفة لم يدع مدى لها في الفكر الذي يجب أن يذهب إليها.
 أين جهابذة اللغة الذين سادوا عصر التحرر العربي من نير الاستعمار، وأنجزوا الاستقلالات؟ أين نحن الآن من ذاك الاجتهاد الفكري الذي عبروا عنه بلغة العناد مقدمين العروبة والقومية على الأنا القطرية والفردية؟ هل من أمثالهم الآن؟ لولا أولئك فما كان حالنا اليوم ونحن نرى إرثهم وإرث أجدادهم اللغوي يشطُّ في حاضرنا بعيداً عن جادة الصواب، هل ننهض مما نحن عليه، ونأخذ مفهوم اللغة كقضية نعلي شأنها كما تقتضي؟ أم إننا ندعها في حالة تدهور؟.

 د. نبيل طعمة


 

عدد القراءات : 324606



هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *

اكتب الرقم : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245717
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020