الأخبار |
إطلاق نار في ولاية كاليفورنيا الأمريكية وأنباء عن 4 جرحى!  لجنة الانتخابات الروسية: نسبة دعم التعديلات الدستورية 78.03% بعد فرز 99.01% من الأصوات  ليبيا... طيران مجهول ينفذ غارات جوية قرب قاعدة الوطية العسكرية غربي البلاد  كيف تفكر كصحافي؟.. بقلم: عائشة سلطان  تركيا.. حصيلة إصابات كورونا تتجاوز الـ 200 ألف حالة  الصحة: تسجيل 14 إصابة جديدة بفيروس كورونا وشفاء 5 حالات  ما الذي تريده أميركا من المنطقة والعالم؟.. بقلم: محمـد ح. الحاج  العميد حاتم الغايب رئيس اتحاد كرة القدم : مستوى الدوري دون الوسط وسنتوسع في التحقيق بادعاءات وجود فساد فيه  القوات الأمريكية تنشئ مطارا عسكريا شمال شرقي سورية  أرقام مخيفة… كيف تبدو الحرب بين أمريكا والصين  إيطاليا.. 21 حالة وفاة بكورونا خلال الـ 24 ساعة الماضية  سيناريو الصدام التركي ــ المصري: رابحون وخاسرون  رفع أسعار مواد «الذكية» بناءً على طلب «السورية للتجارة» وتغير سعر الصرف الرسمي  أوروبا تفتح حدودها: غير مرغوب بالأميركيين!  روان عليان: لكل صوت بصمة.. ولكل أذن هوى وذوق في المغنى  قانون الأمن القومي نافذاً في هونغ كونغ: الكباش الصيني ــ الأميركي متواصل  بوتين وروحاني: سنواصل دعم سورية في حربها على الإرهاب حتى دحره نهائياً     

أخبار عربية ودولية

2020-05-27 04:26:48  |  الأرشيف

صفعة لواشنطن تُحيي حلم «الجنوب ــ الجنوب»: ناقلات طهران تكسر سقوف الهيمنة

الأخبار
بعدما تخلّى الجميع عن فنزويلا البوليفاريّة، وتركوها فريسة أخرى للحصار الأميركي الخانق، الذي تفاخر دونالد ترامب بدقّته، فتعاني نقصان حاداً في إمدادات البنزين، وحدهم الإيرانيّون قرّروا أن يقبلوا التحدّي، مرّة أخرى بعد الناقلة التي أرسلت لسوريا، وبدأت ناقلات النفط الخمس التي تعاقدت عليها مع كاراكاس بالوصول تباعاً حاملة إمدادات تكفي لـ50 يوماً على الأقل، فيما سيتولّى مهندسون إيرانيّون إعادة تأهيل منشآت التكرير الفنزويليّة التي تفتقد بشدة قطع الغيار، وتحظر واشنطن نقلها إليها
لو تسنّى للمفكر الماركسي المصري سمير أمين أن يبقى معنا إلى اليوم، لكان أكثرنا حبوراً وهو يشاهد «فورتشين»، أولى ناقلات النفط الإيرانيّة الضخمة، تدخل المياه الإقليمية لفنزويلا برعاية قطع البحريّة والمقاتلات البوليفاريّة الألوان، والرئيس نيكولاس مادورو يحيي الإيرانيين على الهواء بـ»سلامٌ عليكم». فهذه الصفعة القاسية التي تلقّتها واشنطن، على الأقل وفق وصف الصحف العبريّة أوّل من أمس، بدت في رمزيتها العميقة ووعودها الاستراتيجيّة وكأنها فاتحة لحلم أمين في كسر الهيمنة الأميركيّة على العالم، من خلال تحالفٍ مناهض بين دول الجنوب، يُقصي مركزيّة الغرب الإمبريالية، ويمنح أملاً للمهمّشين وشعوب الأطراف.
السفن الخمس التي تعاقدت عليها كاراكاس تبلغ قيمة حمولتها 46 مليون دولار أميركي تقريباً، وتكفي كلّ منها حاجة البلاد من النفط المكرّر لـ10 أيّام على الأقل تمنح الحكومة وقتاً ثميناً هي في أمس الحاجة إليه، نظراً إلى تعطّل مصافي التكرير الكبرى بسبب الحصار الخانق على توريد قطع الغيار الأساسية ومواد تخفيف اللزوجة الضرورية لضخ النفط، ولا سيّما بعد الانسحاب الذليل لعملاق الطاقة الروسي «روسنفت» من عملياته الفنزويليّة، إثر فرض السلطات الأميركيّة عقوبات على اثنتين من شركاته.
وكانت «روسنفت» تتولّى إلى وقت قريب إدارة 60% من الإنتاج النفطي في الجمهورية، وتزوّدها بكامل حاجة سوقها المحلي من مشتقات النفط المكرّر (الديزل والبنزين).
وتأتي هذه الصفقة مع طهران في سياق تفاهم أوسع يتضمّن أيضاً تقديم مهندسين إيرانيين مساندة تقنيّة ومعدّات لإعادة مصفاة التكرير الأكبر في البلاد إلى العمل مجدّداً بعد خروجها من الخدمة منذ العام الماضي. وتحاول واشنطن إعاقة هذه الخطط، من دون نجاح إلى الآن على الأقلّ، عبر إقناع دول يعبرها جسر جوّي بين طهران وكاراكاس بمنع تحليق رحلات شحن قد تحمل قطع غيار ومواد أساسية لصناعة النفط الفنزويلية تمنع واشنطن توريدها.
السّعار الأميركي الذي قاده الرئيس دونالد ترامب، شخصياً، في مواجهة أنباء إبحار الناقلات الإيرانيّة، وتهديده المتشنّج بمنع وصولها ولو بالقوّة، يأتيان في سياق الحرب الأميركية المستمرّة ضد النظام البوليفاري منذ أكثر من 20 عاماً، والتي تعاظمت بعد فرض حصار اقتصادي وبحري وجوّي خانق في 2017، في محاولة لمنع إعادة انتخاب نيكولاس مادورو، خليفة القائد التاريخي هوغو تشافيز، في دورة الانتخابات الرئاسيّة للعام 2018 (وهو ما حدث بالفعل في أيارمايو من ذلك العام ومنحه تفويضاً شعبياً لست سنوات قادمة تنتهي في 2025)، فضلاً، بالطبع، عن دعم قوى المعارضة اليمينية في البلاد، وتكرار إثارة القلاقل وأعمال العنف المجانيّ، بل وتدبير محاولة لاغتيال الرئيس مادورو وكبار مساعديه خلال عرض عسكري في العاصمة.
الإيرانيّون، الذين أظهروا صلابة استثنائيّة في وجه التهديدات باعتراض ناقلاتهم في الكاريبي (ملعب البحرية الأميركية الأثير، التي نفّذت ضد الناقلات الإيرانيّة أكبر انتشار لها في الكاريبي منذ غزو بنما في 1989)، لعبوا أوراقهم بهدوء وثقة، وأعلنوا أن أي اعتداء من هذا النوع سيواجه بردّ فوري ومماثل ضد السفن والقطعات البحريّة الأميركية في الخليج، في نسق تكرّس خلال أزمة الناقلة الإيرانية المتجهة إلى سوريا، والتي كانت احتجزت لبعض الوقت في جبل طارق وردّت عليها طهران باحتجاز سفينة بريطانية لم يفرج عنها إلا بعد أن تابعت ناقلتها مسارها نحو ميناء طرطوس شرق المتوسط، ولاحقاً في قصف معلن لقاعدة «عين الأسد» الأميركية في العراق كردّ أوّلي على اغتيال الجنرال قاسم سليماني.
بالطبع لا أحد لديه أوهام بشأن قدرة طهران الفعليّة على تقديمها شريان حياة مستمراً لكاراكاس، ومواجهة عربدات أميركيّة محتملة في وقت تتعرّض فيه طهران نفسها لحصار خانق، وتتخاذل دول كبرى من حجم روسيا والصين عن تقديم دعم كاف يمكّن الفنزويليين من عبور هذه المرحلة من حرب واشنطن بأقل الخسائر، حرصاً على عدم استفزاز الإمبراطوريّة الفاجرة في حديقتها الخلفيّة (وفق عقيدة النخبة الأميركية). كما ليس لدى أحد أوهام بشأن اللون الديني للدولة الإيرانية أو بنيتها الرأسمالية الطابع (وإن طُعّمت بنكهة اشتراكية في بعض القطاعات). لكن هذا كله لا يقلّل بحال من المعنى الرمزي العميق لوصول الناقلات قرأه العالم بأسره، ولا سيما في أروقة الإدارة الأميركية ذاتها، وإن تعامى عنه كثيرون في الشرق الأوسط تحديداً، والذي هو بمثابة كسر لحاجز الصوت مسّ سقوف الهيمنة الأميركية الثلاثة معاً، كما وصفها سمير أمين: التفوّق العسكري الساحق، ومرور المنظومة الاقتصادية للعالم حصراً عبر المركز الغربي (الولايات المتحدّة وأوروبا الغربية واليابان) حتى عند التجارة بين الدول الأطراف في الجنوب، وسيطرة الدولار الأميركي، العديم القيمة الفعلية، على التبادلات النقديّة للعالم.
فالإيرانيّون، بناقلاتهم التي سافرت علناً آلاف الأميال البحرية باتجاه فنزويلا، تحدّوا الجبروت العسكري الغربي وما التزموا بالحصار اللصيق، وحوّلوا التموضعات العسكرية الأميركية في الخليج إلى عبء استراتيجي تام على كاهل واشنطن. وهم في صفقتهم الفنزويلية المفعّلة عبر خطوط إمداد جوي وبحري متطاولة تعاقدوا مباشرة من دولة جنوب إلى دولة جنوب لتقديم مواد وتقنيّات حسّاسة لم تمرّ بالمطلق عبر شبكة الرأسمالية الأميركية المعولمة. وهم دشّنوا كذلك سيرة تبادل القيمة في سوق النفط بين دول الجنوب غير النووية من دون تحويلها إلى نقد أميركي يكرّس هيمنة واشنطن لحظياً.
ليست هذه الصفقة سوى فاتحة حلم، وما زلنا واقعيّاً بعيدين عن بناء كتلة تراكم نوعي بين دول الجنوب يتيح تأسيس عالم مواز أكثر عدالة في مواجهة الإمبريالية الغربيّة التي تتغذّى حصراً من خضوع الأطراف للهيمنة. ولن تصبح طهران غداً يوتوبيا اشتراكيّة، وكثيرٌ مما تقوم به حافزه الأساس الدفاع عن النفس، وربّما لن تخرج فنزويلا من محنتها سريعاً، لكن «فورتشين» وأخواتها تقدّم درساً عمليّاً للأمم والشعوب المعاصرة لتصوّر عالم بديل مستقل عن الإمبرياليّة وتحدّد أركانه على الأرض. عالم رآه الراحل أمين رأي العين لكنّه كاد يتلاشى من بعده.
ستُدرس هذه الصفقة معمّقاً، في بكين وموسكو، كما في برلين وطوكيو، وسينتظر الجميع طبيعة النقلة التالية من الطرفين: الأميركي والإيراني كليهما. فالأميركي، الذي قد تكون خذلته حسابات اللحظة الآنيّة، لن يقبل بتأسيس مزاج عالمي يتبع الخدش الإيراني لهيمنته علناً، ويمكن أن يتضخّم فيهدّد أعمدة الإمبراطورية المعولمة من قواعدها. والإيراني لن يصبح أكثر ليناً بعد اجتياز حاجز الصوت هذا، ولا شكّ في أنّه اكتسب مزيداً من الثقة في مواجهة حصاره، فيما يرتفع منسوب الأمل شرق المتوسط في تأسيس مزاج جديد لتضامن جنوب – جنوب مع دمشق التي تكافح سياسة خنق اقتصادي أميركية أقسى من نموذج الحصار على فنزويلا، يشارك فيها العالم الخانع، وينفّذها بكفاءة غير معهودة عنهم حرس الهيمنة في المنطقة: الإسرائيليون، والنظامان التركي والأردني، وسياسيون وقوى في لبنان والعراق وشمال سوريا. «فورتشين» ناقلة نفط قدّر لها أن تدخل التاريخ.
 
عدد القراءات : 4002

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *

اكتب الرقم : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245519
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020