الأخبار |
أمريكا تسجل أكثر من 55 ألف إصابة بكورونا لليوم الثالث على التوالي  بيونغ يانغ: لا يمكننا أن نتخلص من النووي  هونغ كونغ تغلق جميع المدارس بسبب ارتفاع حالات الإصابة بـ"كورونا"  هل ستضمن منظومة باتريوت أمن أمريكا في العراق؟  البنتاغون: علاقتنا وثيقة مع "قسد" ونحن على اطلاع بلقاءاتهم مع مسؤولين روس  غاز المتوسط.. العملاق الصيني يدخل من بوابة قبرص  الأردن.. توقعات ببدء العام الدراسي في أغسطس المقبل  تجار في طرطوس يتاجرون بلحوم الأبقار النافقة بسبب وباء الجدري ويبيعونها للمواطنين  الصحة المصرية: تسجيل 1025 إصابة جديدة بكورونا و75 حالة وفاة  ارتفاع ضحايا كورونا إلى نحو 550 ألف وفاة وأكثر من 12 مليون مصاب حول العالم  تقرير أمريكي: الإمارات عرقلت الأسبوع الماضي اتفاقا ينهي الأزمة الخليجية مع قطر  المكسيك تسجل حصيلة يومية قياسية في إصابات كورونا  “كوفيد – 19” يقترب من مليونيته الثانية عشر.. الكمامة أفضل سبل الوقاية  البرلماني السينمائي!!.. بقلم: وصال سلوم  المحكمة الأوربية ترفض دعوى رجل أعمال سوري لرفع اسمه من قائمة العقوبات.. من يكون؟  تزايد غير مسبوق في جرائم القتل والاغتصاب.. والعلاج بنشر الوعي والتربية الجنسية  وفاة عامل وإصابة اثنين جراء انهيار منزل في حي كرم القاطرجي بحلب  الرئيس الأسد يستقبل رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الايرانية اللواء محمد باقري والوفد المرافق له  صراع «السيادة» على سوق الطاقة: أسعار من ثلاثة أرقام صارت ماضياً بعيداً!  روسيا تتدخّل مجدّداً لمنع المواجهة المصرية ــ التركية     

أخبار عربية ودولية

2020-05-30 05:14:46  |  الأرشيف

هكذا كشف وباء كورونا الأسطورة الغربيّة عن «نهاية التاريخ»

الكاتب: سيرغي لافروف
 
لقد غيّر الانتشار السريع للفيروس التاجي الجديد الحياة على الكوكب بين عشية وضحاها. كما أصبح اختباراً ساحقاً للعلاقات الدولية، على مستوى الدول منفردة والتحالفات المتعددة الأطراف. وتشمل العواقب الواضحة، الركود الاقتصادي، وأزمة الحوكمة العالمية، ونمو المشاعر الحمائيّة والانعزاليّة. لقد حدّ الوباء بشكل كبير من التبادل الإنساني والثقافي والسياحي، وكذلك انعكس على مستوى الاتصال بين البشر. ولكن هذا ليس سوى غيض من فيض.
بالطبع، عندما نترك الأزمة وراءنا، وهذا سيحدث بالتأكيد يوماً ما، سنحتاج إلى إجراء تحليل شامل لقدرة العالم على الصمود في وجه مثل هذه التحديات والعثور على استجابات مشتركة لها. ومع ذلك، نعتقد أنه يمكن الآن التوصل إلى بعض الاستنتاجات.
الأوبئة واسعة النطاق ليست جديدة في تاريخ البشرية. لقد حدث ذلك من قبل. ولكن ما يجعل الوباء الحالي مختلفاً هو أنه يحدث في زمن انفتاح غير مسبوق بين الناس والبلدان والقارات بأكملها. لقد أدّت الإنجازات في مجالات التكنولوجيا والمعلومات والنقل إلى عولمة الناس فكرياً وحتى جسدياً، مما يعني أن غالبية التحديات الجديدة تصبح في نهاية المطاف مشاكلنا المشتركة أو على الأقل تكتسب بعداً دولياً. لقد حذرنا منذ فترة طويلة من خطر الاستهانة بالطبيعة العابرة للحدود للعديد من التهديدات، من الإرهاب إلى الجرائم الإلكترونية. قلنا أيضاً إنه لن يتمكن أي شخص من تجاوز العاصفة في ملاذ آمن، أو الاختباء وراء الخنادق والأسوار، أو محاولة تسوية مشكلات المرء على حساب الآخرين. أثبت تأثير الفيروس هذا بشكل مقنع. الوباء هو أيضاً درس في التواضع: جميع البلدان والشعوب متساوية قبل المأساة، بغض النظر عن الجغرافيا أو الثروة أو الطموحات السياسية. لقد أزالت أزمة الفيروس التاجي كل ما هو اصطناعيّ ومبدع، مما يلقي ضوءاً ساطعاً على القيمة الدائمة للحياة البشرية.
تبين أن الجميع بعيدون عن الاستعداد للسيطرة على الوباء. حتى الآن، عندما كان يجب أن يجمعنا التحدي العالمي ويجبرنا على وضع خلافاتنا جانباً لبعض الوقت على الأقل، يمكننا أن نرى أمثلة سلبية على المواقف المتوحشة. استسلم بعض الناس لإغراء التصرف بأنانية، معتقدين أن كل شخص له فرص النجاة منفرداً. استخدم آخرون الموقف للعب استراتيجية الاحتكار، والدفاع عن مصالحهم الضيقة وتصفية الحسابات مع خصومهم الجيوسياسيين. في هذا الوسط الغني، يسرع الفيروس نمو الاتجاهات السلبية، ويصقل التناقضات والاختلافات، ويعزز التنافس غير الصحي.
بعبارة أخرى، فإن العواقب الطبيعية التي لا يمكن تجنبها للوباء يتم استكمالها بالآثار التي من صنع الإنسان بسبب عدم قدرة البشرية، أو بالأحرى جزء معين منها، على التخلي عن عقلية الأصدقاء – العدو حتى عند مواجهة محنة مشتركة. هذا أمر مؤسف، لأنه يتطلب تضامناً غير مسبوق وتجميعاً للجهود والموارد للتغلب على النتائج الموضوعية والواضحة لـ COVID-19.
علينا أن نعترف بأن الوباء قد كشف عن نقص في الإنسانية في بعض الحالات. يمكن تفسير ذلك من خلال ارتباك الناس في وجه تهديد منتشر. ولكن يبدو أن هذا العجز أعمق وينتج، كما قلت من قبل، عن الأنانية غير القابلة للعلاج في بعض الدول ونخبها الحاكمة. نحن نشهد أنه بدلاً من توحيد الجهود والتطلع إلى التفاهم المتبادل، فإن أولئك الذين اعتادوا على إعلان قيادتهم الأخلاقيّة وتقاليدهم الديمقراطية الغنية، يتخلون عن قواعد التنميق والقيود الأخلاقية ويبدأون في اتباع قانون الغابة. على سبيل المثال، هناك محاولات لإلقاء اللوم على انتشار العدوى في الصين، أو تكهنات غامضة حول مساعدة روسيا لبعض الدول بناءً على طلب حكوماتها. حتى أنها اتهمت بلادي بطريقة عبثية بمحاولة استخدام المساعدة الإنسانية والطبية “لزيادة نفوذها الجيوسياسي”، أو الحظر المهين – في انتهاك للمعايير الدبلوماسية الأساسية – بشأن مطالبة روسيا بالامتناع عن تقديم المساعدة الطبية والإنسانية بغض النظر عن شدّة الحالة. يبدو أن التضامن الأسطوري للصيغة الأوروبية الأطلسية أكثر أهمية من حياة وصحة عشرات الآلاف من الناس.
هذا إذا لم يكن تجاهل القضايا الإنسانية والرغبة في استخدام الوباء لمعاقبة الحكومات غير المرغوب فيها، هو سبب عزوف بعض الدول الغربية التي تتحدّث كثيراً عن ضرورة الالتزام بحقوق الإنسان، عن تجميد القيود الاقتصادية الأحادية ضد البلدان النامية، على الأقل حتى تطبيع الحالة الوبائية العالمية؟ في الواقع، وفقاً لتقييم الأمم المتحدة، فإن مثل هذه العقوبات تحد من قدرة الناس على استخدام حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية وتعوق جهودهم لحماية صحتهم بشكل خطير، وتوجه ضربة إلى الفئات الأكثر ضعفاً.
روسيا تقف بحزم ضد مثل هذه الممارسات اللاإنسانية غير المقبولة خلال الأزمات العالمية. خلال القمة الطارئة لمجموعة العشرين في 26 مارس، أعرب الرئيس فلاديمير بوتين عن مبادرة إنشاء “ممرات خضراء” خالية من الحروب التجارية والعقوبات على عمليات التسليم المتبادل للأدوية والأغذية والمعدات والتكنولوجيات. لقد رحبنا ودعمنا بيان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، الذي حث أطراف النزاعات المسلحة الإقليمية على الوقف الفوري للعمليات القتالية وإقرار وقف إطلاق النار. بالطبع، لا ينبغي استخدام أي وقف لإطلاق النار لإعفاء الجماعات الإرهابية، وفق تصنيف مجلس الأمن الدولي، من الملاحقة.
إن محاولات استخدام الوضع الحالي لتقويض المبادئ الأساسية للأمم المتحدة خطيرة للغاية. ويجب أن تظل وكالاتها آليات التنسيق الرئيسية للتعاون المتعدد الأطراف من أجل إيجاد حل فعال للمشاكل المشتركة للبشرية جمعاء. وفي هذا الصدد، يساورنا قلق عميق بشأن خطوات التشهير بمنظمة الصحة العالمية، التي، كما تتفق معظم البلدان، كانت على خط المواجهة في الحرب ضد الفيروس التاجي منذ الأيام الأولى للوباء، ومساعدة جميع البلدان على اتخاذ إجراءات الوضع الوبائي المتغير بسرعة واختيار أفضل طريقة للرد على التهديد. مما لا شك فيه أنه ينبغي لمنظمة الصحة العالمية، مثل أي وكالة أخرى متعددة الأطراف، تحسين نشاطها والتكيف مع الظروف الجديدة. لكن الحل ليس في تدمير المنظمة، ولكن في دعم الحوار البناء لجميع الدول الأعضاء فيها وتطوير استجابات مهنية مشتركة للتحديات الناشئة.
لقد كشف الوباء مرة أخرى الأسطورة الغربية عن “نهاية التاريخ” والتقدّم المنتصر لنموذج التنمية الليبرالي للغاية القائم على الفردية والاعتقاد بأن أساليب السوق تقدم حلاً لأي مشكلة. لعب هذا النهج خدعة قذرة على أنصاره. وتبين أن البلدان المكتفية ذاتياً والتي لديها آليات تعبئة راسخة ومصالح وطنية واضحة وقيم متميزة أكثر مقاومة للضغوط. أولئك الذين اختاروا تآكل استقلالهم وتخلوا عن جزء من سيادتهم بتهوّر، أثبتوا أنهم الخاسرون.
أصبح من الواضح أن الدول التي تدعم مصالحها الوطنية لا تزال اللاعب الرئيسي على المسرح الدولي. هذا لا يستتبع أو يحدّد مسبقاً الحياة في ظروف التنافس والانقسام، ولكنه يشير إلى أنه يجب الجمع بين تنوّع إمكاناتنا الفريدة حتى نتمكن من إيجاد حلول فعالة للمشكلات الرئيسية في العالم.
ما نحتاجه الآن هو إطار عمل دبلوماسي عالمي حيث تلعب الأمم المتحدة دور تنسيق مركزي. نأمل أن تساعد الأزمة الوبائية الجارية العالم على رؤية أنه لا يوجد بديل للنظام العالمي المتمحور حول الأمم المتحدة، والذي تمّ إنشاؤه بعد الحرب العالمية الثانية، وقد اجتاز اختبار الزمن ولا يزال بهامش أمان كبير. المبادئ المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة هي الأساس الثابت للتواصل الدولي في الظروف الحديثة.
مثل أي كائن حي آخر، تحتاج الأمم المتحدة إلى ضبط منتظم وتعديل دقيق ومعاير للواقع متعدد الأقطاب. بالطبع، يجب علينا أيضاً الاستمرار في الاستفادة على أفضل وجه ممكن من إمكانات هياكل الحوكمة العالمية مثل مجموعة العشرين ومنظمة التجارة العالمية.
كما تبشّر الجمعيات والمبادرات والمفاهيم الدولية القائمة على قيم الجماعية والمساواة. هذه الفلسفة ومبدأ احترام الهويات والتقاليد الثقافية والحضارية والوطنية بالإضافة إلى نماذج التنمية التي تكمن وراء تعاوننا داخل دول البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، حيث تتولى روسيا الرئاسة الدورية هذا العام. في الأوقات الصعبة التي نمر بها الآن، يعمل الحوار القائم على الاحترام المتبادل بمثابة شبكة أمان ويساعدنا على توجيه جهودنا نحو التعاون البناء.
كما قلت في بداية هذه المقالة، من خلال إصابة الأفراد، فإن الفيروس يؤثر أيضاً على النظام الاقتصادي الجماعي. أصبح تباطؤ الأعمال وتعطيل سلاسل الإنتاج العالمية صدمة حقيقية للاقتصاد العالمي. يجب أن نساعدها على المرور بهذه الفترة الصعبة، والعمل بعد ذلك بشكل جماعي لضمان تعافيها التدريجي بعد الأزمة. وفي الوقت نفسه، يجب أن نمنع هذا الطقس الاقتصادي العاصف من الإضرار بالتعاون الدولي، سواء تفاقم انعدام الثقة أو إثارة جولات جديدة من المواجهة في الشؤون العالمية.
في عالم مثالي، يجب أن يجمعنا هذا الهدف لأن رفاهية الناس في جميع الدول بدون استثناء تعتمد على تحقيقه. يجب أن نعمل معاً لإيجاد نقاط نمو جديدة ستساعدنا في التغلب على الركود المشترك. يدعو هذا المشروع العالمي إلى الجمع بين إمكانات مشاريع التكامل المختلفة التي يتم تنفيذها في الفضاء الأوراسي الشاسع. هذا هو الهدف من فكرة الرئيس بوتين حول الشراكة الأوراسية الكبرى القائمة على القانون الدولي والشفافية والمفتوحة لجميع دول قارتنا الضخمة، بما في ذلك EAEU، ومنظمة شنغهاي للتعاون، ودول الآسيان. إن التنفيذ التدريجي لهذه المبادرة لن يعزز فقط ترابطنا الاقتصادي الإيجابي ويزيد من القدرة التنافسية لجميع البلدان المشاركة، ولكنه سيعمل أيضاً كمرحلة أولى مهمة في تطوير إقليم السلام والاستقرار من لشبونة إلى جاكرتا.
أنا متأكد من أن دول الاتحاد الأوروبي ستستفيد من المشاركة في هذا المشروع أيضاً. من خلال الانضمام إلى هذه الجهود المشتركة، ستتمكن من الحصول على مكان مناسب في عالم متعدد المراكز أكثر عدالة وديمقراطية. يجب على الدول الأوروبية التوقف عن عزل نفسها عن قارتنا المشتركة من خلال البحث عن إرشادات وجودية في أجزاء أخرى من العالم ودعوة الوجود العسكري الأجنبي، الأمر الذي لا يعزز أمنها، ولكنه يحرم الاتحاد الأوروبي من الفرصة ليصبح مركزاً مستقلاً للتأثير الدولي في عالم متعدد الأقطاب. على أي حال، فإن شركاءنا الأوروبيين أحرار في اختيارهم.
بالطبع، يرغب الجميع في الخروج من أزمة COVID-19 في أقرب وقت ممكن. ولكن يجب علينا أيضاً استخلاص الدروس من هذه المشكلة العالمية. أما فيما يتعلق باستخلاص الدروس الصحيحة فيعتمد ذلك على كل واحد منا.
واجهت روسيا عبر تاريخها الذي يمتد لقرون عديدة العديد من التحديات الخطيرة التي تهدد وجودها. لكنها تغلبت عليها دائماً، لا تظهر أقوى فحسب، بل تقدم أيضاً أمثلة على الإنسانية ونبذ الذات للآخرين.
هذا هو السبب في أن روسيا، وهي مركز دولي رئيسي ومصدر وضامن للأمن، ستواصل الدعوة إلى جدول أعمال بناء وموحد وستلعب دوراً متوازناً ومنسقاً في الشؤون الدولية. سنتعاون مع كل من يرغب في العمل معاً على مبادئ الصدق والاحترام المتبادل لمصالح واهتمامات بعضنا البعض. بينما ننطلق من مبدأ الأمن غير القابل للتجزئة بجميع أشكاله، فنحن مستعدون دائماً لتقديم يد العون للدول الأخرى بغض النظر عن سياسات حكوماتها.
حان الوقت الآن للتخلي عن عقلية القصور الذاتي القائمة على الصور النمطية القديمة، والبدء، أخيراً، في التصرف من المواقف الأخلاقية، لأن مستقبلاً آمناً لجميع الناس على الأرض، بيتنا المشترك، معلق في الميزان.
 
*مقالة حول العالم وسط جائحة الفيروسات التاجية “كورونا “
نشرت في صحيفة “غلوبال تايمز” الصينية.
 
عدد القراءات : 2796

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *

اكتب الرقم : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245717
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020