الأخبار |
إطلاق نار في ولاية كاليفورنيا الأمريكية وأنباء عن 4 جرحى!  لجنة الانتخابات الروسية: نسبة دعم التعديلات الدستورية 78.03% بعد فرز 99.01% من الأصوات  ليبيا... طيران مجهول ينفذ غارات جوية قرب قاعدة الوطية العسكرية غربي البلاد  كيف تفكر كصحافي؟.. بقلم: عائشة سلطان  تركيا.. حصيلة إصابات كورونا تتجاوز الـ 200 ألف حالة  الصحة: تسجيل 14 إصابة جديدة بفيروس كورونا وشفاء 5 حالات  ما الذي تريده أميركا من المنطقة والعالم؟.. بقلم: محمـد ح. الحاج  العميد حاتم الغايب رئيس اتحاد كرة القدم : مستوى الدوري دون الوسط وسنتوسع في التحقيق بادعاءات وجود فساد فيه  القوات الأمريكية تنشئ مطارا عسكريا شمال شرقي سورية  أرقام مخيفة… كيف تبدو الحرب بين أمريكا والصين  إيطاليا.. 21 حالة وفاة بكورونا خلال الـ 24 ساعة الماضية  سيناريو الصدام التركي ــ المصري: رابحون وخاسرون  رفع أسعار مواد «الذكية» بناءً على طلب «السورية للتجارة» وتغير سعر الصرف الرسمي  أوروبا تفتح حدودها: غير مرغوب بالأميركيين!  روان عليان: لكل صوت بصمة.. ولكل أذن هوى وذوق في المغنى  قانون الأمن القومي نافذاً في هونغ كونغ: الكباش الصيني ــ الأميركي متواصل  بوتين وروحاني: سنواصل دعم سورية في حربها على الإرهاب حتى دحره نهائياً     

شعوب وعادات

2019-11-16 05:09:15  |  الأرشيف

مازالت حاضرة لدى البعض الهوايات القديمة تصارع للبقاء في زمن “الأندرويد” والهواتف الذكية

نتفاءل حين نرى بعض الأطفال مازالوا حتى اليوم يحافظون ويعيدون إحياء هوايات قديمة كانت من أساسيات طفولة الجيل القديم البعيد كل البعد عن ثورة الرقميات ومنتجاتها التي لا تفارق يومياتنا، فحين استعرض لنا خليل، الشاب البالغ من العمر 15 عاماً، بعض الخدع وألعاب الخفة التي بدأ يتقن تنفيذها بواسطة ورق اللعب، أعاد لنا ذكريات قديمة كنا نمارس الهوايات نفسها فنشعر بسعادة كبيرة حين نتعلّم حركة خفة أو خدعة ما بورق اللعب، وغيرها من الألعاب والهوايات، كان كل هم ذلك الشاب الصغير أن يتقن ويتعلّم المزيد من الخدع والمهارات وألعاب الخفة التي يسعد بها من يعرفهم، في المقابل تبدو هوايات أخرى حاضرة بخجل في يوميات بعض الأطفال والشبان بعد أن كانت منتشرة بكثرة في زمان مضى.
 
عملات وطوابع
يحتفظ رواد، ابن التسعة أعوام، بمجموعة عملات قديمة “ورقية ومعدنية”، ولديه أيضاً دفتر طوابع بريدية قديم جداً حصل عليه كتذكار من جده بعد أن أخبره ببعض التفاصيل والمعلومات عن هذه الهواية القديمة، وكيف كانت تشغل بال شبان وأطفال كثر في زمنه، فيتتبعون أخبار هذه العملات والطوابع البريدية، ويبحثون عنها، ويجمعونها بشغف، ويتبادلون قطعها وأوراقها المختلفة فيما بينهم، حينها قرر رواد أن هواية جده القديمة ستكون هوايته الجديدة أيضاً، وسيعمل ما استطاع لتخصيص وقت لها من أوقات فراغه، ورغم أن عاملي الحرب والتكنولوجيا قد ساهما في تغيير العديد من الهوايات عند الأطفال والشباب السوريين، إلا أن طابع تلك الهوايات القديمة مازالت فيه بقية من نفس، ورغبة في الاستمرارية والبقاء عند بعض المحبين والهواة.
 
بدأت بالانحسار
ويمضي الجد في الحديث الذي شاركنا فيه أمام حفيده رواد فيقول: هواية جمع طوابع البريد والعملات القديمة من الهوايات الممتعة والقديمة التي بدأت بالتسلية بها ومتابعتها بمرحلة الشباب، وهي تعود على الإنسان بمعلومات قيمة، وتنمي فكره وخياله، وتترك لديه مخزوناً تراكمياً من المعلومات، فمازلت أذكر مثلاً أن صدور أول طابع بريدي في العالم كان سنة 1840، وهو الطابع الانكليزي الذي يصور الملكة فيكتوريا، وللعلم ففكرة جمع الطوابع البريدية هذه بدأت في العالم حين فكر البعض بإزالة الطوابع الملصقة على الرسائل التي وصلت للمرء ولأقاربه ولأصدقائه من مختلف بقاع الأرض، وبقيت هذه الفكرة المصدر التقليدي للهواة حتى يومنا هذا، وجمع الطوابع، إلى جانب جمع العملات القديمة، هواية تصلح للكبار والصغار على السواء، فالعامل المشترك فيها هو حب المعرفة، ولكل طابع بريدي أو عملة هدف أو قصة من ورائها، فهي تكرّم الشخصيات، وتدوّن القصص، وتحتفل بالذكريات، وتخلّد مناسبات كثيرة عبر طبع هذه المعلومات على العملة أو الطابع نفسه، ويختم الجد بجولة لحفيده في دفتر الطوابع المؤلف من 15 مجلداً و28 صفحة تحتوي مجموعات طوابع سورية، ومصرية، وعراقية، وأمريكية، وبريطانية، وغيرها، ثم ينهي حديثه بالقول: للأسف هذه الهواية أخذت بالانحسار في زمن التكنولوجيا، وزمن الفيسبوك، والواتس، والمراسلات البريدية الالكترونية التي لا حاجة للطوابع بها.
 
من الواقع
ومع انحسار هوايات تقليدية قديمة، تبدو هوايات كلاسيكية مستمرة عند بعض الأطفال، لكنها متأثرة بطبيعة الأحوال بسنوات الأزمة وواقع الحرب، فمثلاً تحرص والدة الطفلة رند على تنمية هواية الرسم عند طفلتها ابنة السنوات الست، وتستعرض مجموعة من اللوحات التي قامت برسمها مؤخراً، تاركة لرند شرح مضمون تلك اللوحات التي تظهر بصمة الواقع بوضوح فيها، وببراءة الطفولة تشرح رند عن إحدى لوحاتها: هنا جندي سوري يحمي الوطن، ويرفع راية علمنا بعد انتصار جيشنا في معركته ضد الإرهابيين، وعن لوحة أخرى تتحدث أيضاً: هنا أم سورية تزور ضريح ابنها الشهيد الذي ارتقى إلى السماء بعد أن دافع عن الأرض وحمى الوطن، من جانب آخر تنمي أم رند عند ابنتها هواية القراءة في فترة الاستراحة والعطلة الصيفية، وتقول: إن أهم هواية في الحياة هي القراءة، وإنشاء مكتبة للطفل بشكل تدريجي تنمي معرفته، ويستطيع الرجوع إليها للحصول على المعلومات، وتمضية وقت الفراغ فيما يفيد، وتختم: صحيح أننا في زمن ثورة المعلومات والانفجار المعرفي الذي ملأ صفحات الأنترنت، لكن أطفالنا بحاجة حقاً لكي نساعدهم في خيارات القراءة الصحيحة، وتوجيههم لكتاب عظماء، فليست أية معرفة منتشرة تصلح كي تكون هواية تنمي عقول أطفالنا.
 
هواية وحرفة
في المقابل تهتم ربة المنزل أم نوار بتعليم ابنتيها لين ورنيم فن حياكة الصوف والمطرزات في فصل الصيف هذا العام، وتقول: من المهم حقاً أن تكون الهواية التي نقدمها لأطفالنا منتجة، وحرفة في الوقت نفسه، لأن أجمل العمل هو ما نحبه، وأجمل الهوايات هي ما نستمر بتطويرها في العمل، وهناك أشياء كثيرة كنت أهواها وتعلمتها في صغري كالحياكة بسنارة واحدة، وتطريز المنمنمات، وتصميم مزركشات كثيرة، وأحرص على نقل خبرتي لابنتيّ لتكون عوناً لهما في المستقبل في زمن الاعتماد على النفس.
وتبدو هواية عزام مختلفة قليلاً، فالشاب البالغ من العمر ثمانية عشر عاماً يهتم بمتابعة التكنولوجيا وآخر صيحاتها من المنتجات، ويتحدث عن هوايته فيقول: متابعتي لأخبار التكنولوجيا منحتني خبرة ومعرفة ودراية بأنواع الهواتف الخلوية، أو الأجهزة الحديثة ومواصفاتها وأسعارها، لذلك كنت دائماً أحرص على الشراء والبيع لاحقاً، وهي هواية تعود ببعض المردود المادي أحياناً، ولكن للأسف فارتفاع أسعار منتجات التكنولوجيا في ظل الأزمة جعل هوايتي في تراجع.
 
حرية الاختيار
يؤكد الدكتور مهند إبراهيم، مدرّس علم نفس الطفل في جامعة البعث، أهمية تنمية الهواية عند الطفل ومتابعتها المستمرة من الأهل، ويوضح أن الهواية نشاط منتظم، أو اهتمام يمارس خلال أوقات الفراغ بقصد المتعة أو الراحة، وتشمل تصنيفات وأشكالاً كثيرة، فهناك هوايات التعلّم كالجمع والقراءة، وهناك الفنون المختلفة، حيث تؤدي إلى اكتساب مهارات ومعرفة كبيرة، ومع أن بعض الهوايات تعود على أصحابها بمنفعة مادية، لكن الهواية لا يقصد بها تحقيق الأجر، وإنما المتعة فقط، ومن المهم التأكيد على عامل الحب، والرغبة الشديدة، والاندفاع تجاه الهواية حتى تنمو بشكل صحيح داخل الطفل دون فرض أو تلقين من قبل الأهل، كبعض الآباء الذين يسجلون أبناءهم في دورات للعزف أو الرياضة دون رغبة الطفل، بمعنى يجب ترك حرية الاختيار للطفل مع المراقبة والاهتمام لما يبدع فيه حتى تصبح الهواية مفجرة لطاقات الطفل في اكتشاف واستخراج طاقته الكامنة في داخله، ثم متابعتها من الأهل وتطويرها لتحقق أكبر قدر من الإبداع عند الطفل.
 
تحولات ملحوظة
ويضيف د. إبراهيم متحدثاً عن التحولات التي طرأت في هوايات السوريين عموماً، والأطفال بشكل خاص في فترة الأزمة، فيقول: للأسف الظروف العصيبة التي تمر بها سورية الحبيبة تركت أثراً ملحوظاً في تحول العديد من الهوايات، واندثار بعضها الآخر، كما كان للتطور التكنولوجي أثر مشتت في توجه الأطفال لهوايات جديدة، بعضها ذو أثر سلبي يدور في إطار الارتهان لهذه التكنولوجيا، فتبعد الأطفال عن الأنشطة الرياضية، والهوايات الخارجية التي تنمي حس الخيال لديهم، ويكمل د. إبراهيم: من المهم جداً خلال فترة العطلة الحالية أن يتابع الأهل ويطوروا هوايات أولادهم دون تركهم لحالة الشعور بالملل والفراغ حين يردد بعضهم أن العطلة مرت بسرعة ولم يستمتعوا بها أو ينجزوا أي شيء، فممارسة الهوايات تجعل الطفل منظماً ومقدراً لوقته، فيكره الخمول أو الجلوس بلا عمل، وبذلك نكون قد أنشأنا طفلاً مستغلاً للوقت، وباحثاً عن إتمام خططه ومشاريعه من باب الهوايات التي يحب ممارستها، فيخدم وطنه ومجتمعه، ومن المهم هنا مشاركة الشباب في الجمعيات الأهلية والتطوعية والخيرية، أو الجماعات الطلابية، لأنها تعتبر نوعاً من ممارسة الهوايات، فكل شخص ينتسب لأية جماعة تناسب ميوله، ثم يبدأ بممارسة هواياته في خدمة تلك الجهة، وهو ما يساهم في زرع روح الجماعة والمحبة والتعاون عند الطفل أو المراهق أو الشاب.
 
محمد محمود
عدد القراءات : 4845

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *

اكتب الرقم : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245517
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020