تطور عمراني على حساب المساحات الخضراء

فداء شاهين
في وقت تخصّص عالمياً مساحة خضراء تعادل 16- 20 متراً مربعاً لكل مواطن يسكن المدن، إلا أن أحداً في بلدنا لم يحظَ بهذه النسبة، بل انحدرت بشكل كبير لمصلحة البناء، وبدلاً من الاهتمام بالمسطحات الخضراء في المدن بدأت المشاريع والاستثمارات تقضم هذه الحدائق!.
للأسف، لم يراعَ التطور العمراني وزيادة الضواحي البعد البيئي الذي من شأنه تخفيف التلوث وتحقيق وظائف جمالية، ليؤكد المهندس هادي شرف، من المعهد العالي للتخطيط الإقليمي، أن المدن المكتظة بالسكان غاب عنها التنظيم والتخطيط الاستراتيجي بما يراعي خصوصية كل منها فتُركت لجشع التّجار الذين اندفعوا إلى استغلال المساحات الخضراء في المدينة لتنحدر نسبتها إلى  0.6 م2 لكل مواطن، موضحاً أن الخبراء عملوا على اجتراح الحلول من أجل أن تصبح المدن المكتظة بالسكان آمنة بيئياً ومريحة نفسياً، فأتت فكرة حدائق الأسطح التي تعتبر من أهم الحلول المطروحة لعلاج المشكلات البيئية والجمالية للمدن، إلى جانب الحدائق الأرضية لتعالج أولاً مشكلات ضيق مساحات المدن المخصّصة للخدمات مثل أماكن وقوف السيارات في الساحات العامة، فكان الحلّ بأن يتمّ استثمار الفراغات تحت الساحات العامة على شكل كراجات ولعدة طوابق تحت الأرض من أجل وقوف السيارات، ومن ثم تنفيذ السطح الأخير ليكون مناسباً من الناحية الإنشائية من أجل تنفيذ حدائق مناسبة لهذه المساحات، كذلك تمّ التطرق إلى استثمار سطوح الأبنية في المدن التي لا تكون منتهية بسقف قرميدي لاستثمارها بتربية نباتات اقتصادية، علماً أن الأحواض لا تحتاج إلى سماكات كبيرة للتربة من أجل حلّ مشكلة الأوزان على السطح الأخير، وبذلك يتمّ تغطية كل السطح باللون الأخضر المفيد للبيئة والمفيد اجتماعياً واقتصادياً وصحياً.
وأشار شرف إلى أن هناك أبنية كثيرة تعود ملكيتها للحكومة وموجودة في مراكز المدن ولها أسطح واسعة، مثل المدارس والمباني الحكومية الكثيرة التي يمكن استثمارها بزراعة النباتات الواسعة.
ويرى مدير البيئة في طرطوس الدكتور علي داؤود أن التزايد السكاني والنمو الحضاري في مدينة طرطوس أدّى إلى التوسّع في مساحات الأبنية والمنشآت الحضرية على حساب المساحات الخضراء، حيث تمّ تقييم كفاءة تخطيط وتنسيق وزراعة المسطحات الخضراء من حيث الأسس والمعايير والوظائف والملاءمة البيئية، وتحليل الصور الفضائية في المرصد البيئي ومعطيات الحدائق في مجلس مدينة طرطوس، وتبيّن أن نسبة مساحة المسطحات الخضراء إلى نسبة مساحة المنشآت الحضرية 8.56%، وتبلغ حصة الفرد من المسطحات الخضراء 5 م2 مع الانخفاض الشديد لنسبة المساحات الخضراء في الكورنيش البحري، حيث نلاحظ عدم وجود متنزهات عامة وحدائق ضمن أو قرب مدينة طرطوس مخصّصة للاستجمام والتنزه.
ومع أن حقول الزيتون حول مدينة طرطوس المعرّضة للتآكل بسبب التوسع العمراني مؤهلة لإقامة متنزهات عامة، إلا أنه في 70% من الحالات كانت المسطحات غير مخطّط لها، وفي معظم الحالات كانت مسافات الزراعة غير ملائمة لحجم الأنواع الشجرية المزروعة ما يسبّب تشوه الأشجار وتزاحمها ويفقدها قيمتها الجمالية والتزيينية (60% من الأنواع المزروعة مدخلة و40% محلية طبيعية)، وبلغت نسبة الأنواع الملائمة بيئياً لزراعتها في مدينة طرطوس 65% ونسبة الأنواع غير الملائمة 30% ونسبة الأعداد متوسطة الملاءمة 5% .
وشدّد داؤود على الاهتمام بالبعد البيئي لإنشاء المسطحات الخضراء أثناء التخطيط العمراني من حيث التوزيع المتوازن بين أنواع المسطحات الخضراء والمنشآت الحضرية، مع التركيز على زيادة حصة الفرد من المساحات الخضراء، وعلى زراعة الأنواع النباتية الملائمة للظروف البيئية في طرطوس والمتحملة لتلوث المدن، مثل الدفلة والروبينيا، مع مراعاة مسافات الزراعة المناسبة والابتعاد عن زراعة الأنواع النباتية الضارة بالسكان والمنشآت وبيئة المدينة مثل التين اللامع والاوكاليبتوس.
البعث

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2020