الأنسنة حياة

لطافتها حاضرة من بساطة نطقها، وهي طبيعة عالمنا، مسكونة في عقولنا وقلوبنا داخل أجسادنا البشرية، التي يتجول فيها إنسان ممتلئ بالعلم والعمل ومفردات الجمال، كيف بنا نتنازل عن بعضها، أو لا نبحث عن سبل استثمارها، ونذهب لاستخدام مفردات الشرور، وأهمها إرهاب البشر لإنسانيته؟
هلّا تفكرتم في المكنون المقدس: «وفي أنفسكم أفلا تبصرون»؟ صحيح أننا منسوبون إلى سطح الأرض وباطنها، أيضاً في الكتاب المكنون: «والله أنبتكم من الأرض نباتاً» أي مثل النبات والحيوان، ولا نشعر بالراحة، إلا إذا كان لنا رفقة من جنسنا، ويجب علينا أن نكون أكثر ارتباطاً بالعمل، كي ننتج آثاراً مهمة بعد أن قام عقلنا بإبداعات الميكانيك والإلكترون ومستلزمات الحياة التي كانت ضرورية للتحول إلى المدنية، التي أوصلت سوادنا إلى الاسترخاء والكسل المطورين الرئيسين لأفعال الشر.
ألا تجدون معي أنه حان الوقت لنبدأ فيه العمل لتجديد أنفسنا؟ ألا يجب أن ننهض ونسير قدماً؟ ألا نحرر أنفسنا من الخطيئة والشرور بالعمل؟ ألا ندرك أن مصيرنا بأيدينا؟ هل أدركنا أننا أشياء مادية وكائنات حية وبؤر للأنشطة العقلية في آن، وأننا موجودون ضمن رحابة المادة الجامدة؟ هل نحن ملك لعالم هذا الكوكب الحي؟ أم إننا ملك لعوالم أخرى موجودة في أنفسنا، مختبئة بين الفراغات الكبرى والزمن الثابت الذي يرينا فقط أين نحن، ويدون ما ننجزه من أعمال؟
 تعالوا نستكشف جوهرنا، نبحث عن أفلاكه، ولنتمسك بفلك الجمال الذي يفكر فيه العلماء والأدباء والباحثون عن خلق هذا الإنسان، ولا ننسى سعينا خلف فلك الحبّ الذي يوحي بالبطولة وإنكار الذات وتقديم التضحيات على مذابح الانتصار.
طبيعة عالمنا هي طبيعة الإنسان، فإذا تمتع بمعرفة ذاته امتلك معرفة الأفضل، وإذا حدث وضع قدماً على طريق تحسين نوعه الذي يطوره علمياً واجتماعياً، ومعها يبدأ تحرير الإنسان من الماديات المركبة على كواهله، تلك التي سجنته في مختبراتها المادية، وحولته أداة لخدمتها، لذلك أجد أنها فرصة نادرة لإجراء مراجعة إنسانيتنا أمام تداعي المشاهد المدنية التي انحلت فيها الأخلاق، وبما أن حضارة العلم بقوتها الهائلة ساطعة، فهل ينحو إنساننا لاستخدام هذه المعرفة وهذه القوة، لأنها تمثل الأمل الوحيد للخلاص من تداعيات جميع أفكار الماضي التي هيمنت على العقل الإنساني أن مصيرنا بين أيدينا ... فهل نسير قدماً لاختيار طريق جديد؟
الإنسان أصلب المخلوقات وغاية في القوة العقلية التي تقوي حركته، مهما كان شكله ضئيلاً أو ضخماً، فهو يكيّف نفسه تبعاً لجميع الطقوس وضمن الظروف، وفي الوقت ذاته أشد المخلوقات هلعاً وخوفاً، وأقلُّ صدمة تُلحق به أضراراً جسيمة، وفي الوقت ذاته تجده سيّد هذه البسيطة وما عليها وما تحتها وما فوقها، لا يضاهيه مخلوق، ومهما بلغنا من قوة الإحساس والسمع فإن هذا الإنسان لا يسمع ولا يحس بالكيفية التي يعمل بها جسده، إنما قادر على فهم الأجزاء الموجودة فيه، ويدرك مهامها، ووصل البعض من المشتغلين على الجوهر إلى كيفية عمل هذا الإنسان، ولكن البوح به للعامة يفقد ما تحمله البشرية من معتقدات صوابها.
الإنسان مقياس لكل موجودات الحياة، وفي الوقت ذاته تجده غريباً في العالم الذي ابتدعه، والسبب أنه تاه عن المعرفة العلمية بطبيعته الإنسانية التي لا يمكن لها أن تتطور إلا عندما تستوعب إنسانيتها القادمة من الأنس والأنيس، فالإنسان يحضر من مجموع الأناسي، هذا الذي تحتاجه اليوم الدول والأمم وإلى القادم منها، وأهمها مجتمعنا الذي تاه نتاج ظروف استثنائية، اشتغلت على فرط عقده الاجتماعي «الإنساني»، ولذلك أجدني أدعو إلى العودة لتطويره وفرد علوم الأنسنة التي ترفع من الذائقة الجمالية، وتسمح باتساع اللغة البصرية، أي إنها تقرب إنساننا من بعضه رغم وجود المعتقدات التي تعمل على إقصائه عن إنسانيته، فالأنسنة تؤمن بالإنسان، وهي الكفيلة بوقف تدهور الإنسان وانحطاطه في المدنية العصرية، وهي سرٌّ موجودٌ بداخلنا، مازال معظمه مجهولاً للبشرية، فهل نسعى لاكتشافه من أجل حياة أفضل، تحدُّ من قتل الإنسان للإنسان والاعتداء عليه؟ وأجزم هنا أننا نحتاج إلى أوقات فراغ يجب أن نوفرها مع لهاثنا خلف المادة فقط، من أجل أن نمتلك نواصي الأنسنة ومفاهيمها التي تعتبر جوهر الحياة، على الرغم من اعتراض البعض على مفاهيمها. 
د. نبيل طعمة
 

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2021