يأس روسي من المفاوضات: الحرب طويلة طويلة

تراوح الأزمة الروسية ــــ الأوكرانية مربّع الجمود، على المستويين الميداني والدبلوماسي، في ظلّ بطء وتيرة التقدُّم الروسي والمترافق مع انسحابات من محيط العاصمة كييف مع وضْع هدف يبدو وحيداً للعملية العسكرية، وهو السيطرة على الشرق الأوكراني، التي باتت وشيكة. ولا يقلّ المسار الدبلوماسي سوءاً، وسط توقعات أطلسية بحربٍ قد تستمرّ على مدى سنوات، وفق تقدير الأمين العام لـ»الناتو»، ينس ستولتنبرغ، يوازيها، في المقابل، تريّث روسي في إبداء أيّ تفاؤل إزاء العملية التفاوضية المتواصلة
 لم تعد موسكو تبدي تفاؤلاً إزاء المحادثات الجارية بينها وبين كييف، في ظلّ تعقيدات يتقدّمها الاستثمار الغربي في مجزرة بوتشا، وما سيترافق معه من عقوبات هدَّد الاتحاد الأوروبي، أوّل من أمس، بتشديدها، لخنق الاقتصاد الروسي. مع هذا، تؤكد واشنطن على لسان وزير خارجيتها، أنتوني بلينكن، أن العقوبات التي فرضها الغرب على روسيا يمكن رفعها في حال نجاح المفاوضات بينها وبين أوكرانيا. وفي هذا الجانب من التصريح، إغراء للجانب الروسي، لم يَعُد، بطبيعة الحال، ينطلي عليه، بالنظر إلى سوابق كثيرة، ليس الاتفاق النووي مع إيران إلّا إحداها. لكنّ الوزير الأميركي عاد ليعلن أن بلاده ستقدّم لكييف شحنة إضافية من صواريخ «جافلين» المضادّة للدبابات بقيمة 100 مليون دولار، بعدما «صُدم العالم ورُوّع بالفظائع التي ارتكبتها القوات الروسية في بوتشا وسائر أنحاء أوكرانيا». ويرى رئيس تحرير مجلّة الدفاع الوطني، العقيد إيغور كوروتشينكو، أنه بينما تسعى الولايات المتحدة إلى إنقاذ أوكرانيا، هناك ضرورة لأن تتواصل العملية العسكرية الروسية حتى القضاء الكامل على القوات المسلحة الأوكرانية، واستسلام النظام القائم في كييف، «وإلّا، فإن روسيا ستكون في انتظار احتمالات سيّئة للغاية». مردّ ذلك، بحسبه، إلى التناقض في التصريحات الغربية، وما تصريح رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، بأن «توصُّل روسيا إلى سلام مع أوكرانيا لن يَصلح أساساً لرفع العقوبات عنها»، إلّا واحد من الأمثلة، بحسب كوروتشينكو.
أما المواقف المتفاهم عليها خلال المفاوضات الروسية ــــ الأوكرانية، والتي يمكن أن تتضمّنها وثيقة نهائية رسمية لأيّ اتفاق سلام، فهي الآتية: حظر انضمام أوكرانيا إلى تكتلات عسكرية؛ حظر امتلاكها سلاحاً نووياً؛ حظر إنشاء قواعد عسكرية أجنبية فيها؛ حظر إجراء تدريبات عسكرية بمشاركة دول أجنبية من دون موافقة الدول الضامنة، ومن بينها روسيا. وفيما يجري العمل على بدء جولة جديدة من المحادثات، قال الناطق باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، إن «الطريق لا يزال طويلاً لإحراز أي تقدّم». من جهته، يسعى الغرب إلى إطالة أمد الحرب وهو ما يبرز في تصريحات مسؤوليه، مِن مِثل الأمين العام لحلف «الناتو»، ينس ستولتنبرغ، الذي اعتبر، يوم أمس، أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لم يتخلَّ عن رغبته في السيطرة على كامل أوكرانيا، مرجّحاً أن تستمرّ الحرب «لأشهر وحتى سنوات... لذلك علينا أن نكون مستعدين لمسار طويل، من حيث تقديم الدعم لأوكرانيا والاستمرار في العقوبات وتعزيز دفاعاتنا».
وعن قرار الانسحاب الروسي من محيط كييف وتشيرنيغوف، الذي تبعه عملياً انسحاب روسي من معظم مناطق الشمال الأوكراني، قال الناطق باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، إن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أمر شخصياً بسحب القوات من مقاطعة كييف، وكانت هذه مبادرة حسن نية لتهيئة ظروف مؤاتية لتسيير المفاوضات، التي يتم اتخاذ قرارات جدية خلالها. وفي هذا الإطار، يرى الخبير العسكري، فلاديمير يفسييف، أنه بعد قرار إعادة انتشار القوات الروسية، أصبح 80% من عديد القوات المسلحة الأوكرانية متموضعاً في جنوب غرب ووسط وشمال غرب الدونباس، ومحيط ضواحي مدينة خاركيف. واستقدمت القوات الروسية تعزيزاتها من كييف إلى الشرق الأوكراني، مبقية على نقاط تمركز تخوّلها إعادة السيطرة على تشيرنيغوف، وهو أمر يراه يفسييف وارداً في المستقبل القريب. وانضمت القوات، التي أنهت مهمتها في معركة ماريوبول، إلى التشكيلات الروسية على طول خط المواجهة مع مجموعة القوات المسلحة الأوكرانية في الدونباس وزابوروجيا. ومن خيرسون التي تم تأمينها، يجري قصف مواقع القوات الأوكرانية المسلحة في نيكولايف وأوديسا. ودعت كييف سكان شرق أوكرانيا إلى إخلاء المنطقة «فوراً» وسط مخاوف من هجوم كبير للجيش الروسي على حوض الدونباس الذي أصبح هدفاً أساسياً للكرملين. ونقلت وزارة الاندماج على تلغرام عن نائبة رئيس الوزراء، إيرينا فيريشتشوك، قولها، إن السلطات الإقليمية «تدعو السكان إلى مغادرة هذه الأراضي وبذل قصارى جهدهم لضمان أن تجري عمليات الإجلاء بطريقة منظمة»، مضيفة إنه يجب القيام بذلك «فوراً» تحت وطأة «المخاطرة بالموت».
 

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2022