تحليل وآراء

«غصن الزيتون».. صراخ على أبواب المشروع الأوراسي.. بقلم: يونس أحمد أخرس

في مارس 2011 كسر رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان سياسة صفر مشاكل مع جيرانه وانخرط بكل إمكاناته التسليحية والاستخباراتية والإعلامية في الأزمة السورية بهدف إسقاط الدولة السورية مدفوعاً بأحلامه العثمانية باتجاه المشرق العربي، من دون أن يتوقع عقله الإخواني أن سياسته هذه ستقود بلاده، بعد سلسلة من الإخفاقات السياسية، إلى مأزق كبير يهدد الدولة التركية في أمنها القومي ووحدة أراضيها من خلال سعي حليفتها في الأطلسي، الولايات المتحدة الأميركية، لتقسيم سورية، وإقامة كيان سياسي لأكرادها في شرقي الفرات. وقد شكل انتصار الجيش العربي السوري في معركة حلب وتحريرها من الإرهاب أول هزيمة للمشروع الأردوغاني في سورية، وخطوة أولى باتجاه مأزقها الحالي، الأمر الذي أفقد القيادة التركية حماسها واندفاعها باتجاه هذا المشروع، ودفعها لفلترة دورها في الأزمة السورية، ومن ثم البحث عن دور آخر فيها يحميها من تبعات فشلها وإخفاقها، لكن من باب آخر سارعت الآلة الدبلوماسية الروسية إلى فتحه على مؤتمر أستانا، وفيما بعد على مؤتمر سوتشي. غير أن الدولة التركية تقدمت خطوة أخرى باتجاه مأزقها بعد الانقلاب الفاشل ضد أردوغان، ما وضعها بمواجهة مباشرة مع شركائها الأطلسيين في القارة الأوروبية، والولايات المتحدة التي امتنعت عن تسليم المعارض التركي فتح الله غولن، المتهم بتدبير الانقلاب، لتنطلق بعدها الدبلوماسية الروسية باستثمار هذا الحدث بهدف تقصير المسافة التي تفصل الدولة التركية عن مشروعها الأوراسي، ولكن بكثير من الحذر والحسابات الدقيقة المبنية على عدم الثقة المطلقة بوريث الخلافة العثمانية أردوغان.
لكن الحدث الأهم الذي فكك مربع التحالف التركي الأميركي كان تمسك الولايات المتحدة الأميركية ببقاء قواعدها العسكرية شرق الفرات في سورية، وسعيها لإقامة دولة كردية تدعم جيشها بالسلاح وتدافع عن بقائها. وعلى الرغم من أن الخطوة الأميركية جاءت لمواجهة الإنجازات الكبيرة التي حققتها الدولة السورية في الميدان العسكري، ولاحقاً في الميدان السياسي بعدما فرض الشعب السوري إرادته في شكل الحل السياسي في سوتشي، إلا أن هذه الخطوة تعتبر مقدمة لبلورة إستراتيجية جديدة للولايات المتحدة في المنطقة تشير إلى تراجع كبير في الأهمية الاستراتيجية لتركيا كحليف للولايات المتحدة لمصلحة الاعتماد على الأكراد وتبني توجهاتهم الانفصالية، وهو ما تعتبره أنقرة تهديداً مباشراً للدولة التركية، فهي ترى في دولة كردية شرق الفرات عمقاً استراتيجياً لحزب الـpkk في عملياته ضد تركيا، ودعماً ومحرضاً لأكراد تركيا ضد دولتهم. فاختار أردوغان عفرين التي بقيت خارج الدعم الأميركي تسليحياً وعملياتياً، ليدفع بدباباته إليها لإخضاعها، على الرغم من أنه يدرك أن «غصن الزيتون» الذي موّه به دباباته لن يعيد عقارب السياسة الأميركية إلى الوراء بخصوص إقامة دولة كردية، لأنها ترتبط بشكل عميق بمصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية في المنطقة، وفي مقدمتها مواجهة التحول في ميزان القوى في الشرق الأوسط لمصلحة روسيا، والتي كانت بدورها قد أعطت لتركيا الضوء الأخضر للبدء بعملية «غصن الزيتون» بهدف تعميق الأزمة بينها وبين الولايات المتحدة، ويأتي هذا الموقف الروسي استثماراً في التحالفات الاستراتيجية للدولة التركية تعطي لأردوغان فرصة اختبار كل الأبواب المحتملة أمام اندفاعته العسكرية باتجاه عفرين، إلا أنه لن يجد أمامه إلا طريق المشروع الأوراسي الذي عملت الآلة الدبلوماسية الروسية على تمهيده ببراعة ودهاء منقطع النظير، غير أن صراخ أردوغان سيعلو على أبواب هذا المشروع لأن سيد الكرملين أخبره أن مفاتيح هذا الباب موجودة عند الرئيس بشار الأسد في دمشق، وهو الكأس المر الذي سيتجرعه أردوغان عاجلاً أم آجلاً، فلا حدود جنوبية آمنة لتركيا إلا في ظل دولة سورية قوية تفرض سيادتها على كامل أراضيها، في إطار تحالفات المشروع الأوراسي الذي أصبح محور المقاومة يشكل أحد أركانه الأساسية.
 

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018