كمشة عدس.. بقلم: سامر يحيى

 مختصر الحكاية أن فلاحاً يركض وراء شاب حاول الاعتداء على ابنته في حقل العدس أثناء الحصاد، وكان الشاب هارباً وكفّيه ملآى بالعدس، فكان كل من يراهما يظنّ أن الرجل يلاحق الشاب لأنّه سرق العدس... ولكن كان وراء الأكمة ما وراءها، وذهبت مثلاً: "الذي يعرف يعرف ومن لا يعرف يقول كمشة عدس".
إنها المعاناة السلبية التي يكاد يشكو جميعنا منها، بما فيهم مدّعي الفكر والثقافة، لأنّنا دائماً ما نتناول الموضوع أو ننظر إليه من زاويةٍ واحدةٍ متجاهلين كل الزوايا الأخرى، فالمسؤول عندما يصرّح يكون تصريحه مقتصراً على زاوية واحدةً متجاهلاً أن لتصريحاته أبعاداً أخرى، والمؤسسة تسرّب قراراً أو تصدره من وجهة نظرٍ معيّنة لا تستكمل دراسته من كافّة الجوانب بشكلٍ بنّاء، ولا تكلّف نفسها عناء دراسته حتى ضمن المؤسسة نفسها وانعكاساته وسلبياته وإيجابياته، ورغم أنّها تدّعي دراسة الموضوع لفترةٍ طويلةٍ، لكنّها لم تراعِ النقاش والحوار مع أبناء المؤسسة، ضمن الحد الأدنى الممكن ولو على مراحل، بهدف الخروج بالطريق الأمثل، وإنتاج التعليمات التنفيذية القابلة للتطبيق على أرض الواقع فور صدور القرار، بما يمنع أي تأويلٍ سلبي، أو استغلاله من قبل ضعاف النفوس وتفسيره بطرقٍ سلبية، سواءً كانت مبالغة في الإيجابية أو السلبية مما يؤدي لعكس النتائج المرجوة، لذلك نرى بأنّ المسؤول أو المؤسسة تدّعي أنّها درست الموضوع من كل جوانبه، هذا صحيح، ولكن كانت هذه الدراسة على نطاقٍ ضيّق يكاد لا يسمع به أبناء المؤسسة أنفسهم، بل يقتصر على دائرةٍ ضيّقة، والتبرير جاهز بأنّه لا يمكن أخذ آراء الجميع وإلا لن ننتهي لحلٍ، وغالبية مؤسساتنا يكاد المسؤول يتقلّد زمام المسؤولية، وينتهى تكليفه منها، ومع ذلك الكثير من أبناء المؤسسة قد لا يعرف إلا اسمه أو يراه في شاشه التلفاز، ويتجاهل هؤلاء أن كثرة الآراء ومناقشتهم لكل العاملين بالمؤسسة سيسهّل على القائد الإداري الحقيقي استصدار القرار الصائب الصحيح.
إن دور القائد الإداري والمفكّر والمحلّل بغض النظر عن التسميات، استكمال دراسة الموضوع من كافّة جوانبه بكل الإمكانيات والمحاولات، وبالتالي تضييق الفجوة بين المواطن والمؤسسة، وقطع الطريق على منتهزي الفرص والمستغلين، وتمكين المؤسسة من استقطاب العدد الأكبر من المؤيدين لها، لا الاعتماد على الحد الطبيعي للحياة، تحت شعار "القافلة تسير والكلاب تنبح"، و"لن تستطيع إرضاء الجميع"، ويتجاهل هؤلاء أنهم يتعاملون مع مقدّرات وطن، بشرية ومادية ومعنوية، وبالتالي نحن أحوج ما نكون لقافلةٍ تسير ولا يوجد حولها كلاب، وإن وجد فلا صدىً لوجودها، وبالتالي يفسح المجال ليكون الصدى هو صوت المؤسسة وإنتاجها، الطاغي على كل الأصوات حولها.
إننا أحوج ما نكون للصحوة المؤسساتية الوطنية، بإدراك أهمية قيام كل عنصر في الهيكلية الوظيفية بدوره، وبأهمية وسائل الإعلام بكلٍ أنواعها في أن ينعكس صداها لصالح المؤسسة، لأن المؤسسة هي الأقدر على التعبير عما يجول ما بداخلها، وعما تصدره من قرارات وتعاميم ورؤى لصالح الوطن، ولا حلّ لذلك إلا بدراسة الموضوع من كافّة جوانبه، وبكافّة الإمكانيات والموارد المتاحة، وبالتالي تؤتي النتائج أطيب الثمار، فمن ينظر جيداً في مؤسساتنا وما تقدّمه من عطاء وإنتاجيات، وحتى ما تقوم به من جهود يكاد الكثير لا يعرفها بل نتفاجأ أن لدينا مؤسسات وجهات حكومية تقدّم وتعطي على مدار الساعة، لأن الفكرة الطاغية هي السلبية التي غطّـت على الكثير من الإيجابيات.  
إنّ من الخطأ الجسيم إهمال العمل الإداري الداخلي، لأنّه يقلّل من الانتصارات الوطنية، وقد تكلّمت كثيراً عن دور قطاع التربية والتعليم، باعتبار أن لا أحد في هذا الوطن إلا ومرّ بهما، فصحيح أن دورهما ليس نقل المعلومة فقط، والدورات التأهيلية المفترض أن تقيمها ليست أكاديمية، إنّما تشتمل الجوانب الأكاديمية والأخلاقية والمعرفية والإنتاجية ..... إلى ما هنالك، مستفيدةً من الأعوام التي مضت وخبرات وعوائق وما تعرّض له العاملون في السلك التدريسي والتعليمي والإداري، وبالتالي نكون قد أسسّنا لفكرةٍ إيجابيةٍ بناءة في الأداء الإداري والمهني الحقيقي، وستنتقل الفكرةٍ تلقائياً لبقية المؤسسات في القطاع العام، التي تساهم في زيادة انتاجيته، واستقطابه الكم الأكبر من أبناء الوطن، وتسهل عملية استكمال تطوير وتحديث الهيكلية الإدارية والتنظيمية والمهام الواجب القيام بها، دون إثارة ضجة سلبية، أو فتح المجال للآخر لخلق فجوة بين أبناء الوطن، وبين الوطن ومؤسساته، ومن المفترض أنّ هذه المراجعة الدورية أن تحصل سنوياً على الأقل عند إعداد موازنة المؤسسة، ولا سيّما نحن في منتصف الثلث الأخير من العام المالي، لأن الموازنة ليست عملية وضع النفقات والإيرادات، إنّما دراسة كاملة مستوفية كل جوانب المؤسسة إدارياً وعلمياً وعملياً وفنياً وتكنولوجياً وموارد وأملاك ثابتة ومتنقلة وغيرها .... وبالتالي وضع الموازنة التي تتوافق مع تلك الاحتياجات والإمكانيات، لا مجرّد عملية انتقالٍ سنوي روتيني.
إن المزعج بالموضوع، أن الآخر دائماً يستفيد من إمكانياتنا ومواردنا من خبراتنا وكوادرنا، وقد أثبت انتشار السوريين في بقاع الأرض، وفتح المعابر مع دول الجوار، أنّ الجمهورية العربية السورية هي نبع العطاء، وأنّ من حاصرها أو ساهم بدعم الإرهاب بها هو كان يدمّر نفسه، لأن سورية ولادة ومعطاءة، ومهما تعرّضت لمآسٍ فتبقى كالجواد وإن كبى ينهض أقوى.  
إن علينا أن نكون واقعيين مع أنفسنا، وأن نسير بخطٍ متوازٍ مع انتصارات الجيش العربي السوري بتطهير ثرى التراب المقدّس من دنس الإرهاب، وحنكة وحكمة القيادة السياسية في كبح جماح التدخّل الخارجي، وإثبات وجود سوريتنا الإقليمي والدولي دولةً الند للند مع كل دول العالم، من أجل الانتصار على آفتي الفساد والإرهاب، وتفعيل دور كل منا أنى كانت درجته ومرتبته في الهيكل الوظيفي الحكومي أو الخاص، القطاع التعليمي او الإعلامي أو الاقتصادي إلى ما هنالك.
 
 
 

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018