الأخبار |
ترامب يخفف عقوبة روجر ستون المدان بالكذب على الكونغرس  ولاية كاليفورنيا الأمريكية تفرج عن 8 آلاف سجين في إطار مكافحة كورونا  أمريكا تسجل أكثر من 55 ألف إصابة بكورونا لليوم الثالث على التوالي  بيونغ يانغ: لا يمكننا أن نتخلص من النووي  هل ستضمن منظومة باتريوت أمن أمريكا في العراق؟  بكين ترفض المشاركة... وواشنطن تهدّد بالانسحاب: معاهدة «نيو ستارت» تلفظ أنفاسها  قصة عمرها 15 قرناً… آيا صوفيا هويّتان دينيّتان ومصير مُتنازع عليه  البنتاغون: علاقتنا وثيقة مع "قسد" ونحن على اطلاع بلقاءاتهم مع مسؤولين روس  كوكب بحجم الأرض يدور حول أقرب نجم يثير فضول العلماء  المحكمة الخاصة بلبنان تحدد موعد النطق بالحكم في جريمة اغتيال الحريري  يدخلن حوامل ويخرجن على محفات الموت.. ماذا يحدث في مشفى التوليد “التخصصي” بدمشق!؟  تقرير أمريكي: الإمارات عرقلت الأسبوع الماضي اتفاقا ينهي الأزمة الخليجية مع قطر  الصحة: تسجيل 22 إصابة جديدة بفيروس كورونا ووفاة حالتين  فيتو مزدوج روسي صيني ضد مشروع قرار يتيح تمديد آلية إدخال مساعدات إلى سورية دون التنسيق مع حكومتها  إلزام العائدين بتصريف 100$: نحو إقرار استثناءات؟  البرلماني السينمائي!!.. بقلم: وصال سلوم  تفكيك مفهوم العظَمة الأمريكية.. بقلم: د. نسيم الخوري  المحكمة الأوربية ترفض دعوى رجل أعمال سوري لرفع اسمه من قائمة العقوبات.. من يكون؟  صناعة الموت في اليمن.. بريطانيا والسعوديّة في خندق واحد  هل نحن على أعتاب “القرن الآسيوي” وأفول “الأمريكي”.. “كورونا” غير شكل العالم     

الأزمنة

2016-08-01 05:09:04  |  الأرشيف

بضائع جديدة تدخل عالم السرقة!! ومسروقات تدخل عالم البضائع!!

الأزمنة- مجد سليم عبيسي
كنت قلقاً حينما صعدت جانب أبي وسام "صديقي وسائق سرفيس جرمانا - دويلعة" الذي كان –على غير عادته- يثور ويزبد ويلقي بقذائف غضبه على الركاب إن سولت نفس أحدهم بطلب النزول!!
أمسكت يده بقوة استحلافاً بأن يهدأ.. لأفهم أن قهره كان لأنه اشترى منشفة جديدة بدل تلك التي سرقها أحدهم اليوم من على رقبته في زحام جامد!!
أخبرني أن سرقة المناشف باتت تشكل قضية رأي عام لدى السائقين الذين ابتكروا "مكيفات المناشف" للمناورة بها رطبة تجاوزاً للفحات الحر التي لا ترحمهم في ساعات عمل الظهيرة.. سرقة المناشف باتت اليوم الموضة الجديدة لدى سارقي السائقين بعد أن باتت سرقة الجوالات من التابلوهات و"هبش" قبضات من الغلة "أولد فاشن" أو بمعنى آخر "دقة قديمة" لزم الإضافة عليها وابتداع ما يغير من احتياطات السائقين ويضع أولويات جديدة في حسبانهم خلال يوم عملهم الطويل.
 
السرقة مع دناءة النفس!
دناءة نفس.. دناءة نفس.. عبارة كان يرددها أبو ثائر وهو يسير حافياً متأملاً أرجل كل من يمر به؛ دونما حتى أن ينتبه لوجودي حينما بادرته بالسلام، كان قد رفع عينيه لأول مرة منذ نحو عشر دقائق ليرد عليّ السلام بكلمتين: "دناءة نفس".
-          عفواً ؟!!
-          ليس لك
-          ما بالك؟!
-          شحاطة متهالكة على أبواب التقاعد أروح وأجيء بها للمسجد.. سرقوها!! دناءة نفس.
-          وما حاجتهم لشحاطة قديمة؟!
-          كحاجتي بها.
-          بسيطة، لمَ لم تشتر أخرى فور خروجك؛ من المحل المجاور؟!
-          البلاستيك بـ 500 ليرة يا رجل.. حرام.. الدنيا آخر شهر! ابن الــ.. حاسبها صح.
 
خيراً تفعل..
رجل كهل ملهوف جاء منصور 24 عاماً راجياً إياه بأن يجري "تعليمة" من هاتفه لأنه يظن بأن جواله نسيه في سيارة الأجرة، وفي أقل من دقيقة أعاد الكهل الجوال لمنصور شاكراً إياه جزيل الشكر.. ومضى.
فتح منصور جواله.. ليجد رسالة: "تم التحويل بنجاح.. والرصيد المتبقي صفر".
وسرقة الرصيد أهون جداً من سرقة قطع الجوالات الأصلية وتركيب قطع "كوبي" أو صينية سيئة الصنع، لدى وضع الجهاز لدى فني صيانة يدعي النزاهة والقبول بأجر زهيد!!
 
مسروقات روجت لها الأزمة:
"عدا مسروقات دناءة النفس" ليست دائماً المسروقات تكون لاستخدامات شخصية؛ فهي اليوم مادة غنية لسوق كبيرة انتعشت أيما انتعاش خلال سني الأزمة. فما كان يعرف بسوق الحرامية قديماً في شارع الثورة، أصبح اليوم سوقاً جافاً مقارنة بأسواق "الحرامية" التي باتت تفتتح في مناطق عدة دونما أي محاسب لهم أو رقيب.
المسروقات المعروضة للبيع واضحة علناً للمراقب من عرضها في مكان عام ومن سعرها المنخفض عن سعر السوق بشكل كبير وانعدام وجود أي فاتورة مرفقة! ورغم عدم ملاحقة بائعي المسروقات من قبل أحد، إلا أنهم من باب الاحتياط بات كثيرون منهم يتجنبون عرض مسروقاتهم في مناطق عامة، بل وجدوا السوق الإلكترونية معرضاً وسيعاً عديم الضرائب وآمناً من أي ملاحقة، وأيضاً لإزالة الشبهة وزيادة في جشعهم أصبحت أسعار المسروقات أقل من أسعار الجديد بقليل، لإيهام المشتري أنها بضاعة مشتراة أصولاً من البائع الذي يدعي بأنه صاحب ملكية وله الحق في بيع غرضه الثمين بسعر مجز!
 
بيع المسروقات باتت مهنة لها مختصوها!!
المسروقات أو "الأدوات المستعملة" كما يحلو للبعض أن يسميها أصبح لها محال، وأصبحت تجارة مهمة في أحداث الأزمة السورية، وتتحكم بها ظروف تبين لنا أنّها غير منحصرة برقم صغير.
يمكن للمراقب في الأحياء الحيوية في دمشق كسوق شارع الثورة مثلاً أن يرى في كلّ يوم بضائع تفد إلى السوق تحملها سيارات الشحن من أماكن مجهولة، ويتقاضى سائقوها أجرتهم ويرحلون، وفي كلّ يوم أشكال وألوان جديدة متشابهة وغير متشابهة، فأحياناً "كنبايات"، وأحياناً غسالات أو طاولات أو كهربائيات، وحتى ملابس بموديلات، وأحياناً كلها مع بعضها ويتم فرزها على الرصيف فيما بعد!
 
سؤال للناس: هل تشتري منها؟!
خالد 24 عاماً؛ طالب جامعي: لا أشتري.. مطلقاً ، فمصدر هذه البضائع مجهول، ولا أريد حتى السؤال من أين تأتي؟
أبو عماد ستيني، متقاعد: طبعاً لم أفكر يوماً أن أشتري من هذه الأسواق، لأن سعرها وعدم اختصاصها بصنف معين يوضح أنها "تعفيش".. وأنا لن أدخل شيئاً مسروقاً إلى منزلي.
ورغم وجود الكثير من الآراء الرافضة لهذه السوق ولوجودها كنا نرى إقبال قسم من الناس على شراء مثل هذه البضائع، ولدى سؤال "نور" عن سبب شرائه لغسالة أوتوماتيكية قال: "سعرها الزهيد شجّعني لشرائها، فبالنسبة لي كعامل بناء أتقاضى أجراً قليلاً لن أتردد باقتناص الفرصة، لكنّني على معرفة بأنّ الموضوع قد يكون بعيداً عن الحلال، ولذلك بمجرد أنّ تتحسن أحوالي الماديّة سأتخلص من هذه القطعة بسرعة.
خلال الحديث مع "نور" واجهنا مجموعة من الأشخاص، ويبدو أنّهم على صلة بتجارة هذه الأدوات والبضائع، لكنّهم يعلنون بكلام مشتت وعشوائي بأنّ مثل هذه البضائع تمّ شراؤها من أصحابها الأصليين، فهم يأتون إلى المنطقة بإرادتهم ويبيعونها لكونهم يستعدون للرحيل إلى مناطق سكنية أكثر أماناً!؟ أو طلباً للهجرة خارج القطر، لكنّ هؤلاء المتحدثين عارضوا الإجابة عن أيّ سؤال أو استفسار آخر عند طلب توضيح بسيط: «لماذا انتشرت هذه التجارة في أيّام الأزمة؟».
كان جوابهم السريع بأنّها كانت موجودة وبكثرة قبل الأزمة، ولكن الصحافة والناس لم تنتبه لذلك الأمر من قبل!
"عبد الكريم" 32 عاماً يستعد للزواج، ويجهز أساسياً منزل الزوجية صرّح: كثيراً ما رغبت في شراء لوازم البيت الجديد، ولا سيّما الغالية الثمن منها، من هذه الأسواق المنتشرة بين مناطق دويلعة وجرمانا والطبالة، لكن والديّ رفضا الأمر بتاتاً، فالأمر غير مرغوب فيه أبداً بالنسبة لهما، لكوني مقبلاً على حياة مستقبلية جديدة، إضافة لأنّ البضائع قد تكون مغشوشة، وتحمل أعطاباً لا يمكن للبائع أنّ يضمنها بعكس ما يمكن شراؤه من مؤسسات الدولة أو المحال الخاصّة، ولذلك أقلعت عن الفكرة لأتكلّف وقتاً ومالاً إضافيين لم أكن قد حسبت لهما الحساب الكافي.
أبو وليد 59 عاماً: سأشتري من هنا ولو كانت مسروقة من "القرود السود"، فأنا كان لدي منزل جميل وتهدم بالكامل بأثاثه، وبقيت مشرداً لا أملك شيئاً.. فهل برأيك أني قادر على شراء الجديد؟! وتعويض ما خسرته. سأشتري بضائع رخيصة مهما كان مصدرها.
 
آراء أصحاب "كار المستعمل" !!
لدى سؤال عدة بائعين ممن بدا عليهم الاحترافية في إقناع الزبائن بشرعية بضائعهم بقيت الأمور غير واضحة، فالبعض يحاول إلغاء الرؤية السلبيّة عن الموضوع، ومن اللافت للنظر أن تجار هذه المصلحة (إن انطبقت التسمية عليها)  باتوا كثراً، فهل هي مسروقة أم إنّ أصحابها اضطروا لبيعها بأسعار زهيدة طلباً للهجرة خارج البلد أم لأسباب غير مطروقة.. لا يهم، فالمهم هنا أنها مرغوبة.
معظم تجار هذه المصلحة رفضوا التحدث عن مصادر البضاعة… أحدهم قبل بالتحدث مشترطاً عدم التعريف عن نفسه كاشفاً عن أن كثيراً من البيوت هجرها أصحابها فباتت من دون سكان، ومع مرور الوقت أصبح من السهل الدخول إليها ولاسيما أنّ مناطق كثيرة غير مراقبة اليوم، ويمكن للبعض التخفي والتسلل إليها بحجّة أنّهم أصحابها، وأنّهم يخرجون أغراضهم منها، وبالتالي يتمّ خلع الأبواب بطرق متنوعة، وإخراج الأغراض منها، وبيعها بأسعار غير محددة، وهذا هو المصدر المباشر للموضوع كلّه.
 
حقيقة..
أسعار البضائع الجديدة باتت خارج القدرة الشرائية للمواطن العادي، ما يدفعه للتفكير بشراء البضائع المستعمَلة من "أسواق التعفيش" التي تباع اليوم إما من خلال بعض محال تصليح الأدوات الكهربائية، أو من خلال البسطات أو الأسواق الإلكترونية.
وتبقى وسائل التواصل الاجتماعي السوق الأبرز للمواد المستعملة أو "المُعفّشة"؛ إذ يلجأ إليها المنكوبون غالباً لتعويضعفش شيء ما خسروه، والمضحك المبكي أن بعض من التقيناهم كانوا يرتادون هذه الأسواق ليس بهدف الشراء وإنما للبحث عن عفش منازلهم المنهوبة!!
حري بالذكر أن من الباعة من يقول علناً للزبائن إن بضائعه معفشة، وابتسامته عريضة توحي بثقة عالية بالنفس، والحقيقة كما رأينا أنه يحاول قولها مفتعلاً مشهداً كوميدياً يغطي به سواد وظلامية ما بين يديه، ويداري بضحكات مفتعلة وكوميديا سوداء سوء فعلته والأموال القذرة التي سوف يتقاضاها من أصحاب الحاجة.. ثمناً لخليط من شقاء عمر أرباب أسر؛ الكثير منهم يسيرون بين أيدي أمثاله، وليس لديهم الجرأة "لطيبتهم" بأن يمسكوا بتلابيبه ويقولوا بقهر: نحن نسوح اليوم في أسواق كهذه، ونتسول أساسيات عيشنا بسبب السارقين أمثالكم!!.



عدد القراءات : 12222

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245748
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020