الأخبار |
الاستفتاء ينتصر لبوتين: الغرب منزعج  الصحة: تسجيل 19 إصابة جديدة بفيروس كورونا وشفاء 3 حالات  الخارجية الايرانية: قبل 32 سنة أسقطت اميركا عمدا طائرة ركابنا ولحد الآن لم تعتذر  شكراً (كورونا )؟!!…بقلم: خالد الشويكي  الترهل يطال غرفة تجارة دمشق.. عضوية مجلس إدارتها أضحت أشبه ما تكون فخرية!  العقوبات الاقتصادية نعمة وليست نقمة..وفي تجارب الآخرين ما يؤكّد ..؟؟  روسيا تبدأ بتصدير الأدوية لعلاج كورونا  تستمر حتى الأحد… كتلة هوائية حارة تؤثر على البلاد وتحذير من التعرض المباشر لأشعة الشمس  ارتفاع عدد القتلى نتيجة الانهيار الأرضي في ميانمار إلى 162  “التجارة الداخلية”.. هل تشبع الناس كلاماً أم طحيناً؟!  مالي.. مقتل 32 مدنيا على أيدي مسلحين مجهولين  تركيا.. العبء الأكبر على الناتو.. بقلم: د. أيمن سمير  أسعار قطع غيار السيارات تحلق.. الإطارات بـ280 ألف ليرة والبطارية بـ150 ألف!  الرئيس الأسد يترأس اجتماعاً للقيادة المركزية لحزب البعث العربي الاشتراكي.. تجربة الاستئناس الحزبي نجحت في خلق حراك وحوارات على المستوى الوطني العام⁩⁩  التجارة الداخلية تحدد سعر كيلو السكر عبر البطاقة الالكترونية بـ 500 ليرة والرز بـ 600  إصابات كورونا ترتفع حول العالم.. هل يبصر اللقاح النور قبل نهاية العام؟  إطلاق نار في ولاية كاليفورنيا الأمريكية وأنباء عن 4 جرحى!  كيف تفكر كصحافي؟.. بقلم: عائشة سلطان  ما الذي تريده أميركا من المنطقة والعالم؟.. بقلم: محمـد ح. الحاج  أرقام مخيفة… كيف تبدو الحرب بين أمريكا والصين     

ثقافــــة

2017-05-06 06:44:21  |  الأرشيف

الحالة العربية الراهنة، والأزمة التي يعيشها الواقع السياسي العربي، وحالة الإرباك الفكري والنفسي التي يعيشها الإنسان العربي.... حوار مع الدكتور نبيل طعمة

مجلة الوقف الأدبي - العدد 551- اذار 2017

أجرى الحوار محمد خالد الشبلاق      

مدخل:

الحالة العربية الراهنة، والأزمة التي يعيشها الواقع السياسي العربي، وحالة الإرباك الفكري والنفسي التي يعيشها الإنسان العربي، لا تبعث على الكثير من التفاؤل، كلها انعكست على الفكر العربي. ولا ريب، إن أهم مشكلة يواجهها الإنسان العربي، وحتى الدولة القطرية العربية، هي مشكلة الهوية، ومازال مفهوم الهوية يتصدر المفاهيم التي تبحث عن ذاتها في زحمة التغيرات المتسارعة التي أصابت العالم على مستوى العلم والتكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة وحتى على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وفي خضم ما يجري رأيت من الضروري أن أشير إلى هذا المفهوم، أقصد مفهوم الهوية وعلاقته بالمفاهيم الأخرى مثل مفهوم العولمة -التاريخ – اللغة – الانتماء والمواطنة والتطرف الديني من خلال حوار فكري مع الباحث الدكتور نبيل طعمة. علماً أن هناك كثيراً من الكتابات والتحليلات التي تناولت هذا المفهوم لكن أحداث ما يسمى "الربيع العربي" فرضت مناقشة أخرى لهذا المفهوم وعلاقته كما ذكرت بالمفاهيم الأخرى الغاية من هذه المناقشة إبداء الآراء والملاحظات ذلك لتوليد أفكار جديدة الموقف الأدبي العدد 551 آذار2017 بحثاً عن عناصر الوحدة فيها.

      أعتقد أن الدكتور نبيل طعمة بهذا الحوار قد أضاء للقارئ جانباً مهماً يتصل بهذا المفهوم وعلاقته بالمفاهيم الأخرى.

  1.  يعتبر مفهوم الهوية من أكثر المفاهيم تداولاً وتلوناً وتشعباً ويشير إلى عدة معانٍ ومقاربات مختلفة هل بالإمكان د نبيل التطرق لماهية هذا المفهوم من وجهة نظركم؟

دعنا نستعرض قليلاً من ذاك الموغل في القدم وصولاً إلى حاضرنا لبناء مستقبل نوعي يخصنا، إن أهم هوية وجدت عبر التاريخ هي الهوية الإنسانية التي يتمثل فيها الحق في الحياة والحاجة للوجود على أرض معرفة وبهما أي بالحق والحاجة يكون للإنسان بطاقة يدون فيها شكله وعمره وصورته وجغرافيته وبدايته ولمن ينتمي، محددة انتماءه للدين واللغة والتراث، أي إن الهوية تشير إلى المرجعية الأولى والأخيرة للإنسان، ما معنى أن تكون الهوية إنسانية أي إن المرحلة الأولى في التكوين كانت تعبر عن الحضور المادي والتأملي، فصيغت من خلالها هذه العملية التي عرف بها الإنسان نفسه أنه إنسان، لأن الإنسان مر عبر العصور بمراحل متعددة هي مرحلة الشيئية أي إنه لم يكن معرفاً والهوية تعريف، فعرف نفسه وأطلق على وجوده إنساناً، وبدأت تتكون ملامح الهوية الإنسانية، أنتقل بعدها إلى الهوية البشرية أي الفرق بين الهوية الإنسانية والهوية البشرية، هي المادية واللامادية الإنسان المادي الهوية البشرية هوية مادية في اللامادي، أنجز ذاك الإنسان أسس وقواعد العلوم الإنسانية المطلقة حينما انتقل إلى الهوية البشرية والتي عرفناها سابقاً في حواراتنا وفي أدبياتنا ولغتنا العلمية والفلسفية أنها بدء شر أي إن بشر بدء شراهة بدء أريد بدء نظرية التملك ولا ضير فيها على الرغم من أهمية الهوية الإنسانية، لأنها هي الأساس وهي العمود البنائي الرابض بين الأرض والسماء، يتجه من خلالها إلى تكوين الوعي وبناء الفكر وبدء تسجيل الذاكرة لمحتويات هذا الكون واتساعه وتخصصها في آليات معينة أي أنشئت الحدود، فهم الشكل، عزز المضمون، وظهر معها لغة جديدة هي لغة الأديان، هي الإنسانية هوية جامعة الهوية المادية هوية مفرقة، الهوية الجامعة تعني الإيمان الكلي في إنسانية الإنسان لا تفرق بين إنسان وآخر، الهوية المادية هوية سياسية واقتصادية واجتماعية، بدأت لحظة بدأ الإنسان يسور تكوينه المادي، ويسور منتجه، ويسور أفكاره ويسور أسرته، بدأت معها عملية إنشاء الأمم، ومن ثم انتقلت إلى إنشاء الدول، فهناك هوية أمة وهوية دولة وهوية دين وهوية معتقد وهوية إيديولوجيا، هذه الهويات في مجملها اندرجت في الشكل النهائي في الهوية التعريفية التي نطلق عليها الهوية السياسية، وتتطور الهوية وهي في حالة مسير إلى الأمام، وهنا أؤكد أنها عائدة في المستقبل ليس البعيد منا إلى الهوية الإنسانية، لأن تضخم الهوية المادية السياسية يعني إلغاء هذه الفكرة والفكرة الوحيدة التي نتجه إليها هي العودة إلى الهوية الإنسانية، نحن الآن إذا أخذنا واقع الأمة العربية هويتها إسلامية محضة، أول ما يكتب عنها أنها هوية إسلامية نعود إلى عمقها ندخل إلى فردها وقراءة ماضيها، نعلم أنها متكونة من مجموعات بشرية دخل عليها الإسلام، فأطلق عليها أمة عربية إسلامية، ولكن هي في الأساس مجموعات أممية وشعوب مختلفة وقبائل منتشرة حملت هويات سابقة والآن تعود إلى هويتها لأن شمولية الدين لم تستطع أن تحافظ على إمكانية هوية الأمة الدينية التي أنشئت تحت هذه الهوية الواسعة، فغدا لكل مجتمع دولته وهذه الدولة لها هويتها الخاصة ولها اسمها، الهوية تحمل أول ما تحمل اسم المكان ومن ثم اسم الإنسان، نحن الآن الجمهورية العربية السورية هويتنا سورية وتحت هذا المسمى نقول إننا سوريون وتحت هذه السورية تتحد المعالم الشخصية التي تشير إلى الإنسان السوري، وكذلك الأمة الأمريكية والأمة الروسية وغيره، إذاً الهوية الإنسانية توزعت على الهوية البشرية، فمنحت لكل مجموعة صورة ولغة وحدوداً وقيامة وقامة وحركة وسكوناً، إنها هذه حينما تدخل على بعضها كدول نسأل عن هويتها، فنقول سوري روسي صيني... الخ، وهكذا هذه هي أسس تكون الهوية وضمن هذه الهوية هناك التنوع والتعدد والأفكار وتوارث الأفكار واندماج الأفكار واندماج البيئات البيئة الحضارية، البيئة المدنية، البيئة القبلية، البيئة العشائرية، فتنصهر كلها عند الحد السياسي؛ أي الحدود السياسية للهوية المؤطرة في مستطيل أو في مربع تعريفي، نعرف عن هذه الشخصية في المكان والزمان الماضي- الحاضر- المستقبل ولحظة أن انصبغت أو اصطبغت المجتمعات بهويتها الشخصية غدت غير قادرة على التخلص من هذه الهوية حتى وإن حملت هوية أخرى، أي إن ذهب شخص إلى أمريكا وأصبح أمريكياً هويته الأم تبقى في أعماقه ومسجلة في أعمق أعماق ذاكرته على أنها هوية سورية من أصول سورية، هذه الأهمية للهوية أيضاً تظهر في الأعراق، العرق الأصفر العرق الأحمر العرق الأسود أيضاً في الملامح الجسدية تظهر ملامح الهوية كأن ينظر إليك شخص ما وينظر إلى الآخر مفرقاً بينكما، هذه هي الصورة الأولى ومن ثم ندخل إلى محددات الهوية، فهناك لغة شاملة في الهوية ولغة دقيقة في الهوية؛ أي تنتقل من الملمح العربي إلى الملمح السوري، ومن الملمح الأوروبي إلى الملمح الفرنسي؛ أي تحديد الهوية النهائية لهذه الشخصية وجودها تكوينها ناهيك عن الهويات الدينية التي تعددت وتنوعت الهوية الإسلامية، الهوية المسيحية، الهوية البوذية... وهكذا الهوية الوجودية الهوية المادية تندمج هذه الهويات ضمن دولة أو مكان أو مجتمع، تحدد جميع المواصفات بحيث يغدو العالم يعرف بعضه بعضاً من خلال هذه الهوية.

2- هل تعتبر الهوية مكوناً أساسياً من مكونات الدولة المعاصرة في عصر العولمة؟

الهوية حالة تعريفية لشيء، وهذا الشيء من دونها يبقى شيئاً غير معرف، والعولمة شيء كوني كوكبي يتدحرج تعريفه بين تعدد الهويات، والهوية شيء يشير إلى المعرف بعد أن تدونه فيه العولمة لا تلغي الهوية إنما تلغي الحدود الاقتصادية وتسعى إلى تحويل العالم إلى قرية صغيرة ضمن حالة اقتصادية شاملة، أي تلغي الهوية الاقتصادية، وتلغي الهوية الثقافية إنما تحافظ على الهوية السياسية للمرء وهوية الانتماء الأساسي في الأصل هذا الفرق علينا أن ننتبه له كثيراً، العولمة هي كوكبة العالم واستطاعة الفرد رؤية كل شيء من مساحة صغيرة، ونتفاعل معها أي إن الفضاء الكبير غدا منظوراً من الفرد ضمن الوسائط الهائلة التي تنتشر الآن عبر وسائل الاتصالات؛ الإنترنت و الفيسبوك.... إلخ، هذه الوسائط التي تتقدم بسرعة تلغي الحدود البصرية وتحول العالم إلى حالة عقلية تعيش ضمن الذهنية، ولكن ضمن الهوية السياسية والاجتماعية للفرد، أي إنك اليوم تستطيع أن ترى بشكل مباشر ما يجري في أمريكا وما يجري في اليابان وما يجري في روسيا في كل بقعة من بقاع العالم، وأيضاً تستطيع الاطلاع على حركة الكون، هذا الاتجاه الذاهبون إليه والذي بدأ استمر ويتقوى ويقوى بقوة العقل البشري، لأن العقل كلما اتسع، اتسع الكون على عكس كامل النظريات التي كانت تتحدث عن انحصار العقل، هنا الأهمية القصوى لفهم العولمة في تحديد الهوية، المنتج هو الوحيد الذي له الهوية، أقصد المنتج المادي مثل الطائرة والسيارة... إلخ، هذا لا يمتلك هوية لأن منتجه حينما أنتجه من أجل إفادة البشرية الإنسان هو المحدد، والذي لا يستطيع الخروج من هويته مهما حاول الصراع العالمي، اليوم هو صراع اقتصادي، الحروب التي تنشأ ليست حروباً على الهوية؛ بل حروب اقتصادية غايتها منع التطور لدى الشعوب وإنجاز حياة شعوب بدلاً من شعوب أخرى، عالم الشمال يحتاج بين الفينة والأخرى لإشعال حروب في عالم الجنوب، لا يريد أن يدمر الهوية ولكن يدمر اقتصادات هذه الدول لتعيد الاشتغال، وهذا الاشتغال يشكل لهم حياة وقوة اقتصادية لأنهم يعيدون تصدير منتجهم ويعيدون ترتيب استلابهم للموارد الهائلة المسكونة في عالم الجنوب هي هكذا قصة الهوية.

  1.  د. نبيل ما دور الأيديولوجيا في النظر لمكونات الهوية وهل من رابط بين التاريخ والهوية؟

طبعا هناك رابط مهم جداً بين التاريخ والهوية ولننفعل في قراءات لهذا التاريخ، إذا أخذنا الموروث العلمي والتاريخي والديني نجد أن الصيني صيني والروسي روسي والأوروبي أوروبي في ذاك الموغل في القدم، نحن لدينا أشكلة ضمن مفاهيم هويات الأيديولوجيات الدينية، حيث تحاول أن تجسد هوية الإنسان، وهنا يكمن الخطر بعينه، لأن الأمم تخلصت من هذه الفكرة الأيديولوجية الشاملة للأديان وذهبت إلى توطين الأديان أي تحويل المشروع الديني إلى بناء ثقافي رابضٍ ومفهوم أخلاقي راقٍ، فاستطاعت أن تتجه بهذا الرقي الثقافي والعلمي والجمالي إلى بناء الأمم والإنسان بشكل لائق يحترم هويته، الأيديولوجيا تقتل الهوية إن كانت شاملة، وتحترم الهوية إن كانت مؤطرة، ولها أسس وقواعد وتفاهمات، نحن في سورية مثال فردي ونادر من التعدد الديني والطائفي والمذهبي والإثني والقومي، في الوقت ذاته نحمل هوية خاصة؛ أي إننا سوريون هويتنا هي هويتنا، الخطورة إن تطورت الأفكار الأيديولوجية الدينية ضمن أفكار أو فكر المجتمع مباشرة سنذهب حينئذ إلى الانفصالات؛ إلى التقسيم؛ إلى نشوء كانتونات جديدة ومسميات جديدة تقتل الهوية، الهوية الأم هي الهوية التاريخية القادمة من أعماق التاريخ سورية كما هي حال الأمم الأخرى العراقية- الفارسية- الهندية الخ، تحمل الشكل الأول والأخير لأن أي كانتون يظهر أو أي قسمة تتحقق الهوية السورية التاريخية والتمسك بها وتعيدها إلى حاضنتها الأولى.

4- في سعي الشعوب العربية نحو المستقبل دائماً تصطدم بمعضلة الحداثة، برأيكم د. نبيل هل العلاقة بين الهوية والحداثة محكومة بالتناقض والتنافر، وإذا قلنا إن مفهوم الحداثة يتضمن فيما يتضمن مفهوم الديمقراطية.. كيف يمكن أن نفهم جدلية العلاقة بين الديمقراطية والهوية؟

الإنسان العربي هو الإنسان الوحيد الذي يمتلك جدلية الهوية والحداثة، والحداثة والديمقراطية ويبحث كثيراً عن الهوية الوطنية والهوية القومية والهوية الثقافية، لذلك نجده أضاع كثيراً من حضوره بحثاً عن مشروعية ما يمتلك من فكر وانتقاله إلى الحداثة هذه (الأشكلة) التي تسكن العقل العربي بمفهوم الحداثة قادمة من الهوية الدينية الشاملة في الأساس المسكونة بعقله الباطن وتنقله الدائم بين ما يلقى إليه من أيديولوجيات، وتحدثنا في حواريات سابقة حول مفاهيم مهمة جداً، ولماذا لا ننتقل إلى الحداثة، أو لا نتقبل الحداثة وإذا تقبلناها شكلاً تكون مرفوضة في المضمون، الحداثة فعل ثقافي حضاري مدني تنتقل إليها الأمم بطبيعة تواتر الحياة ومسيرة الحياة، لأن التطور المنطقي الانتقال نحو الأفضل والمعرقل الرئيس لها يكمن في رفض الفكر الديني الإسلامي للحداثة، وحينما دعوت إلى توطين الدين في الجوهر الإنساني من أجل خلق عملية حداثوية مهمة جداً تتفاعل مع المجتمعات البشرية الأخرى اصطدمت كما اصطدم الكثير من المفكرين العرب، بذلك إما معنى الديمقراطية والحداثة وعلاقتهما وما معنى الديكتاتورية والحداثة الديمقراطية والديكتاتورية، كل هذا يشكل وجوهاً لعملة واحدة هي الإنسان وهويته، ولكن هنا القانون يحكم ضمن منظومة معينة، وهنا الفرد يحكم ضمن منظومه معينة، وإذا كان القانون مطلقاً فإنه يحكم ويستعبد الإنسان كما الحالة الديكتاتورية تماماً، الآلية الكلية للحرية هي استعباد الإنسان ضمن ظروف جمالية وحصره ضمن مسارات معينة مسيرة إلى هذا أو ذاك المساحات في الديمقراطية، هي مساحات الحرية الفكرية، والحرية الفكرية عاقلة وغير عاقلة، الانتقال بالعاقل إلى فهم الحياة وفهم أدبياتها وتطوراتها يفيد الإنسان الانحسار غير العاقل، يؤدي بالإنسان إلى خروجه من الركب وأخذه مواقف تعارض أو تعادي أو تمانع أو تقرر الانحصار في الزوايا المغلقة، نحن نريد أن تكون الهوية محفزاً حقيقياً للانتقال إلى الاجتماعية إلى الحداثة وفكرة الأديان التي ترفض الحداثة أو تتعارض مع فكرة الحداثة، أو تقاوم الحداثة، هي فكرة لا منطقية وأقولها بصراحة لأن عيشك الحياتي مطلوب منك أن تفهم الحياة لا أن تفهم العيش، العيش رغيف خبز ولا أحد يموت من رغيف الخبز، الكل يستطيع أن يحصل على رغيف الخبز أما أن تفهم الحياة بهذا الشكل وأسباب الوجود وتطوير الرؤية في هذه الحياة لأن كل يوم وكل صباح ومع إشراقة كالشمس هناك قادم جديد للحياة، فإن لم نستوعبه فقدناه وعدنا إلى الماضي اليوم في العمليات الدينية أو الأفكار الدينية، اكتشافات خطيرة وستتعمق، ربما قد تذهب بالكثير من المفاهيم الراسخة في العقل حول المفاهيم الدينية، كان العالم مغلقاً ووسائل الاتصال والانفتاح العالمي على بعضه ورؤية العالم لبعضه كان ممنوعاً في القرن الماضي مع بداية التسعينيات من القرن نفسه، بدأت تدخل وسائل الاتصال المباشرة، العالم يطلع على بعضه، وبدأ يعرف الممنوع والمسموح، ويناقش في الممنوع، ويناقش في المسموح هذه التداخلات الإنسانية العميقة بدأت تظهر حجم الكوارث المسكونة في عقل البشر، في مجاهل إفريقيا بدؤوا يفهمون أن التعري القديم هو حالة خاطئة، وبدؤوا يذهبون إلى الحداثة وضرورة البحث عن التجمل واللباس جزء من عملية التجمل وفن من فنون الحياة هذه حالة من الحالات، من دون أن يتخلوا عن هويتهم، المشكلة في فهمها هي مشكلة فكرية دقيقة هل نحن إنسان في الهوية؟ هل نحن بشر؟ هل نحن غير ذلك؟ صور سابقاً أن الإنسان همجي في البدء من دون أن نفكر أن هذا الإنسان الذي خرج من الكهف بالشكل الهمجي أو العشوائي حينما دخله بأحلى حلة نتاج حالة كارثية أو اصطناعية زلازل فيضانات قبل 5000 عام، كان هناك حضارات حتى اللحظة لم نصل إلى مستوى الرقي الذي وصلت إليه ولكن هناك الكوارث البيئية والطبيعية والاصطناعية، نحن نعتقد الآن أننا في قمة التطور، واليوم تعلن الأبحاث الفضائية عن وجود حياة على كواكب أخرى، كيف نتعامل مع هذا الحدث القادم والعقل البشري في حالة اتساع، هذا الاتساع هو الذي يؤدي إلى اكتشاف العالم واكتشاف الأمراض الفكرية واكتشاف الخلل الهائل الذي أسكن في العقل البشري على أنه حقائق لا حقائق مطلقة ولا حقيقة كاملة الهوية، هوية فكرية، هوية بناء، هوية تعامل، وحفاظ على حقوق الآخر، فتكون هويته أمينة، هذه من صفات الهوية وهويته أخلاقية، وهويته بنائية وهويته إيمانية، لأن الإيمان أهم من الأديان وأول شيء هو الإيمان بإنسانية الإنسان، لذلك أعود وأقول الهوية الإنسانية هي أقوى أنواع الهويات البشرية.

5- كيف يمكن أن نوافق بين العولمة والهوية؟

 دعني أصحح السؤال في الإجابة، لا يمكن للعولمة مهما بلغت من قوة أن تتغلب على الهوية، لأن الهوية هي المكون الأساسي لحتمية قيام الدول والشعوب والقبائل، إنما التفاعل مع العولمة يكون في فهم ما تحتاجه الهوية من العولمة، لأن العولمة مفهوم واسع وشامل وتحدثنا عنه أنه مفهوم اقتصادي أولاً وأخيراً، ضمنه مرتكزات لنشر هذا المفهوم تعتمد الثقافة وتعتمد الفكر وضخ الأفكار، وتعتمد الحداثة، وتعتمد الإعلام والمرتكزات الرئيسية من أجل اختراق للمجتمعات والأمم، واختراق الهوية القوية لا تستطيع العولمة أن تمحوها.

 العولمة غير العالمية، هناك خلط بين العولمة والعالمية، العالمية موضوع آخر والعولمة أداة من أدوات الحركة العالمية النشطة والسائرة بقوة إلى الأمام، وكما شرحنا أن العولمة هي حالة اقتصادية عميقة تظهر إلى الوجود من أجل توحيد العالم في الرؤية البصرية وفي اللغة البصرية إلى أن انتبهنا لما يجري تحت مسمياتها يغدو من الضرورة بمكان، أن ننتقي من هذه العولمة ما يناسبنا لأن فيها خلطاً كبيراً وأفكاراً بناءة وأفكاراً هدامة، الفكر البناء نحتاجه وعلينا التمسك به بقوة، الفكر الهدام علينا الابتعاد عنه لأنه يأخذ بنا إلى تدمير الهوية المادية وليس الهوية الفكرية، الهوية الشخصية لمجتمعنا دائماً استحضار الوعي نطلق عليه الوعي الجديد أمام الغزو الفكري الهائل من المجتمعات المتحضرة، أنا أؤكد دائماً على عالم الشمال وعالم الجنوب، لماذا أؤكد أن العالم الأوروبي والعالم الثالث هذه الهوة الموجودة بين العالمين هم أرادوها هكذا، كي يبقى حلم العالم الثالث الأول والأخير هو عالم الشمال، ولذلك ترى الهجرات إلى عالم الشمال بكثافة هائلة والموت المحقق والإهانات في البحار والمحيطات من أجل تحقيق أحلام العولمة، على مجتمعاتنا وعلى إداراتنا السياسية أن تتجه إلى هذا العمق الموجود والمسكون في الذهنية الاجتماعية.

6- إشكالية الهوية والانتماء من أهم القضايا المطروحة الآن في المجتمع العربي

ــ من وجهة نظركم دكتور: هل بالإمكان أن تشرح جدلية العلاقة بين المفهومين؟ وهل مفهوم الهوية يعتبر المحدد الأساسي لمفهومي الانتماء والمواطنة؟

دعني أبدأ من الشق الثاني، الانتماء يحدده الأداء؛ أي لا يمكن أن أكون منتمياً بلا أداء لأن الأداء محكوم من المنتج ما أنتجه يحدد انتمائي، ومن ثم يحدد هويتي، هذا الارتباط بين الهوية والانتماء المنُتَج لا دين له هويته قادمة من صَانِعِه، صَانِعه يمهره بخاتم انتمائه أي بهويته.

لا هوية بلا انتماء حتى وإن كانت مجسدة كما اتفقنا عليها كمصطلح للتعبير عن شخصية إنسانية ما، ولكن الفاعلية في الهوية، إن لم يكن هناك انتماء، ولا فاعلية في الانتماء إن لم يكن هناك أداء، الأداء يحدد مقدار الانتماء، الانتماء يحدد ويسكن الهوية، فنقول هذا الإنسان السوري خلاق ومنتمٍ، لأن لديه أداءً مبهراً أو أداءً نوعياً في محاور السياسة والاقتصاد والاجتماع وعلى أي مسرب أو مسار يسير عليه نشير عليه أنه منتمٍ، ونطلق عليه هذا سوري، أي هويته وانتماؤه سوري.            

7- اللغة ليست المقوّم الوحيد للهوية، وإن كانت من أهم هذه المقومات، دكتور: ما حدود العلاقة بين اللغة والهوية؟

الهوية مادية ولامادية في آن، أي لها علاقة بالجوهر والمضمون، اللغة كانت إلى حد قريب جداً هي معيار للهوية، الآن في عملية التبادل الانتقالي للبشر ما بين المجتمعات لم تعد اللغة محدداً رئيسياً للهوية، ودليلنا على ذلك إذا أجدت الإنكليزية ودخلت إلى مجتمعات أوروبية أو أمريكية من الصعب أن تحدد هوية إن لم تقل: إن هويتي سورية أو عربية، صعب أن يتم تحديد الهوية، أي إن اللغة لم تعد معبراً رئيسياً إلا ضمن مجتمعاتها؛ أي نحن ضمن المجتمع العربي، إذا ذهبنا إلى البرازيل أو ذهبنا إلى إندونيسيا أو الصين وتحدثنا اللغة الإنكليزية في أستراليا أو الصينية في الصين كيف ستحدد هويتك؟!

اللغة التي منحتك إياها الأمة أو الدولة هي معيار حقيقي في مكانها، أما في الأماكن الأخرى فلم تعد معياراً، هذه الجدلية علينا أن نقدمها في مصارحة كبرى، هناك من انخرط في المجتمعات الأخرى وبدأ يتحدث، هويته الجوهرية سورية، وهويته الجديدة أمريكية أو فرنسية، أو إلى أي دولة ينتمي، هناك أجيال من السوريين عاشت في أمريكا اللاتينية وأمريكا الشمالية لا تدرك لغتها، ولكن في هويتها الأمريكية أو الأوروبية من أصول سورية، إذاً التاريخ الإنساني للشخص هو المحدد الرئيسي، فهناك هويات جديدة للشخص مهما حاول الإنسان أن يتخلى عنها لا يمكن له إنما عن الهوية المظهرية يمكن!

8- كيف يمكن أن نوظف هويتنا العربية لتكون قوة فاعلة ضد حالة التطرف الديني التي تجتاح الوطن العربي؟

المحزن أن الحالة العربية هي حالة تشرذم هائلة، وقلت بدقة إن الإسلام دخل على الشعوب والقبائل المختلفة ووحدها بشموليته الدينية، الآن ينفرط عقد هذه الشمولية لتعود الأمة العربية إلى أمم، ونحن نشهد الآن في إفريقيا العربية الأمازيغية والنوبية، ونشهد في الجزيرة العربية اللغة الخليجية النبطية، وفي العراق لغات فارسية وكردية، هذا التشرذم من الخطورة بمكان ولكنه يتحول إلى واقع، للأسف أعتقد أن البناء الحقيقي للشخصية العربية يبدأ من الشخصية الخاصة في دول هذه الأمة، فإن استطاعت أن تتقوى وتقوى وتعيد بناء المنهج القومي للأمة العربية فمن الممكن أن نقول: إن هناك هوية عربية أو قومية، ولكن هذا غدا مستحيلاً، فنحن كنا نطالب بالوحدة، وكانت شعاراتنا قوية، حدثت ولم تقوَ على عودة الفرقة، ضعفت إلى أن انهارت فكرة الوحدة فذهبنا للتضامن، وبدأنا ننادي بالتضامن، ونادينا ونجحنا مرة واحدة كما نجحت عمليات الوحدة الصغيرة في بعض الظروف الخاصة، وفشلت كذلك، وعدنا إلى قطريتنا وخصوصيتنا، أنا اليوم من أنصار الانتماء الوطني للهوية الأم الهوية التاريخية سورية الحاضرة الذاهبة إلى المستقبل، تعالوا نعزز هويتنا السورية العربية التاريخية ليفعلوا ما يشاؤون، لأن ما حصل لهذه الأمة أكثر من كارثي؛ انفصالاتها وتصدعاتها الفكرية نتاج سيطرة الفكر الديني الماضوي على هويتنا، أفقدها حضورها وكاد يذهب بالهوية الشخصية، فكيف إذاً بالهوية العربية؟!

أختم مما قدمناه أن الهوية أول بند من بنود الحياة التي تُعَرف غَير المُعَرَّف ومن دونها الكل أشياء.

عدد القراءات : 18440

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245542
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020