عقلية الخلاص

عقلية الخلاص

افتتاحية الأزمنة

السبت، ٨ يونيو ٢٠١٣

تحتاج استحضار الجرأة النوعية المسكونة في جوهر الفكر السوري، صاحب التراكم الحضاري المتسلسل والمترابط بدقة نوعية، والتي لم تنقطع مسيرته المسجلة على جدار الزمن الكبير المدوّن له حين مروره من جانبه بإعجاز إنساني قلَّ وندَر أن تشاهده لدى الآخر من إنسان الأرض المحيط به, أي: القريب والبعيد، حيث نجد امتلاءه بالمغامرة المحسوبة، يترك بها دائماً وأبداً باباً ونافذةً تمرِّره من معضلاته مرور السهام المخترقة للرياح التي تصيب كامل المعضلات والعقد، هو هكذا يستنهض عنواننا لحظة شعوره بالانحصار، يستدعيها لتأخذ به إلى الخلاص، لقد عرف السوريون عبر تاريخهم مفهوم العداوة والأعداء، ولم يعرفوا أبداً فكر الحقد والانتقام، وأيضاً تمسّكوا بأن لكل فعل ردّ فعل يساويه في القوة ويعاكسه في الاتجاه، فكان ذلك بفعل موروثهم الإيماني، يتمتعون به حقيقة من حقائق الودِّ، فالسوريون مجتمع مائي انتمى عبر دهوره إلى الخضرة، وتبادل معها لغة الجمال والعطاء، وكان ومازال وسيبقى جوهره أخضر، ولم يتصحَّر يوماً من أيام أزمنته وعصوره التي مرَّ منها ومرَّت عليه، وعلى الرغم من حضوره للكثير من مشاهد الآلام والأحزان التي رافقته لبرهات وقتية؛ نجده دائماً أكبر منها.. لماذا؟ نسأل ونجيب: لأنه امتلك عقلية الخلاص والتي لم يتخلَّ عنها، حيث أعانته بالحب، وكذلك هي لم تتخلَّ عنه يوماً أيضاً، نقف عند لماذا؟ ونقول: السوريون امتلكوا مبدأ شرف العقد الاجتماعي الحامل الدائم، والرئيس المتوضع في جوهرهم العامر بالمحبة المتفوقة دائماً وأبداً على الفرقة والتجاذبات المحيقة الحاملة للضغائن، وخبث الطبائع تجاه السوريين حاملي السلام وناشريه في العالم أجمع، وحينما يحاول البعض الاعتداء على سلامهم نجد أن عقلية خلاصهم تستنهض حضورهم لتحمي ألقهم. ألوانهم. تعدّدهم وكذلك لتصون سلامهم الأبدي القابضين عليه قبضهم على جمرات إيمانهم. 
عقلية السوري نادرة وغير متشابهة إلا في ذات السوري أينما وُجد رغم تشابه صورته الإنسانية مع الإنسان الآخر ضمن فلسفة البشر الكونية، فالإنسان الذي أوجد المعارف بعد تثبيت مسمّياتها عليها بدءاً من تعريفه للتفاحة، وانتهاءً بالثقوب السوداء التي كلّما اتسع عقله اتسع الكون به، فكان عليه تقديم المسمّيات الجديدة. هذا العقل وما حواه من إبداعات روحية وعلمية تقاسم العالم، فأوجد السوري منافذ للخلاص تخصّه فيما يسببه له من ضائقات أو محاولات حصر حين مروره من أزمات، فكان له التفوق الدائم، وأية أزمة مهما كبُرت أو صغرت من المؤكد أن لها حلاً وانفراجاً لديه، لتظهر بعدها فضاءات تمتلك مساحات نوعية تسمح بالتمتع والعمل، فمنها يستعيد قواه ومن رحمها يبدأ رحلة جديدة يشعر معها بالتواصل وضرورة البناء على الانهدام كي يبقى مستمراً..
عقلية الخلاص حملتها عشتار وأهدتها إلى الإله هدد أو حدد الذي أورثها إلى جوبيتر، ومنه إلى موسى، إلى رأس الكنيسة يوحنا المعمدان، إلى بولس الرسول وبينهما السيد المسيح، إلى محمد عليهم جميعاً السلام، حيث أن هذه السلسلة الراقية لم تمر وتتوضع وترتاح وتنتقل وتنتشر إلا من خلال لقائها والتقائها وتطورها وانعتاقها من وإلى العقلية السورية، تبادلت صناعة الأفكار وانصهرت في لوحة تدخَّل في رسمها كامل التاريخ الحقيقي؛ لا ذاك التأريخ المؤدلج والمبرمج والمستنسخ أو الهجين.. فالسوري جغرافيا وهواء وماء آمن بحقيقته واعترف بأنه نبْتُ أرضه؛ منحته الحياة فكان فحْل قيمتها وقيَمها وعاهدها على حمايتها، وكل متطلع إلى السوري على أي صعيد كان وبشكل خاص المتشبث منه بجغرافيته يفصل بين التأريخ وتاريخه، فحالة الشك غير متوفرة ولا وجود لها بين عقله وقلبه إلا تجاه من يكيد له، و"قمة الشك يقين"، السوري مؤمن باسمه وعنوانه، وهويته واضحة لا لبس فيها، كما أنه على علم بأنه يمتلك طريقاً للخلاص من أزمته على الرغم من تعايشه معها، فدواؤه أقوى من دائه بحكم إصراره ضمن عقلية الخلاص على الخلاص.
د. نبيل طعمة