الأخبار |
مجلس الوزراء يحدد عطلة عيد الفطر أربعة أيام من الخميس للأحد  بعد حادثة الصاروخ الشارد.. هل يؤدي التنافس الفضائي الصيني الأميركي إلى فوضى تهدد البشرية؟  ارتفاع أسعار ألبسة الأطفال أزاحها من قوائم مشتريات العيد ..!  "الصحة العالمية": متحورة كورونا الهندية موجودة في 44 بلداً  ... إلى الانتفاضة الشاملة  لوسي عيسى: مجتمعنا شرقي ولايتقبل مهنة عرض الأزياء  إسرائيل هُزمت... كيف المخرج؟.. بقلم: يحيى دبوق  الجمال بالحشمة لا بالتبرج.. بقلم: د.يوسف الشريف  فلسطين.. استهداف مبنى ملاصق لمقر السفير القطري وتدميره بالكامل  الروح والجسد  ظريف يصل إلى دمشق لإجراء مباحثات مع كبار المسؤولين حول تطورات أوضاع المنطقة والعلاقات الثنائية  انطلاق مهلة تقديم الترشيحات للانتخابات الرئاسية الإيرانية  وزيرة الصحة الفلسطينية تطالب المجتمع الدولي بالتدخل لوقف "شلال الدم" في غزة  ارتفاع حصيلة القتلى بإطلاق النار في مدينة قازان الروسية إلى 11 أشخاص  الجيش الإسرائيلي: لا نستبعد عملية برية  كوريا الشمالية تؤكد استمرار خلوها من فيروس كورونا  الهند.. الأطباء يحذرون من استخدام روث البقر في علاج فيروس كورونا  مليون ليرة سورية وأكثر هي احتياجات الأسرة السورية في العيد  إصابات كورونا العالمية تتجاوز الـ158 مليونا والوفيات 3 ملايين و435489  سوء في التوزيع.. بقلم: سامر يحيى     

ثقافــــة

2020-10-02 15:04:50  |  الأرشيف

آرتساخ بعد ثورة أكتوبر البلشفية بقلم: الدكتور البروفيسور آرشاك بولاديان

يعود الجدال حول آرتساخ "كاراباغ" بعد انطلاق ثورة أكتوبر في عام 1917 وانهيار الإمبراطورية الروسية وانسحابها من الحرب العالمية الأولى، وتمّ الاعتراف بحق تقرير مصير الشعوب التابعة لروسيا السوفييتية من خلال سياسة "العقيدة الوطنية" التي أطلقها لينين قائد الثورة البلشفية.

  في أيار عام 1918 أعلنت عن استقلالها جمهوريات أرمينيا وأذربيجان وجورجيا، التي، بعد سنتين ونيف، سرعان ما فقدت استقلاليتها لأسباب مختلفة، وانضمت فيما بعد إلى المنظومة السوفييتية.

          بعد الحصول على الاستقلال سارعت أذربيجان، التي ظهرت لأول مرة على مسرح التاريخ السياسي كدولة بدعم تركي، (ومن العام نفسه بدأ تدويل تسمية أذربيجان على يد الأتراك)، عن إعلان حقها بالسيطرة على إقليم آرتساخ بالقوة العسكرية، وبدأت رغبة الطبقة الحاكمة الأذرية في التوسع تبرز بجلاء، وكانت مالكة ومتعطشة للتوسُّع والاستيلاء على الأراضي المجاورة، لتشمل نصف أرمينيا الشرقية أو القوقاسية، ويمكن تحليل هذا المنطق على النحو التالي: كانتزاك وآرتساخ وزانكيزور، هي أجزاء لا تتجزأ من أذربيجان، لأنها ضمت خلال النظام القيصري الروسي إلى مقاطعة يليزافيتابول أو كانتزاك، كما أن ناخيجيفان والمناطق المجاورة لها تنتمي بالضرورة إلى أذربيجان بما فيها مدينة يريفان، رغم أن جميع هذه المناطق كانت فيما مضى تابعة لمقاطعة يريفان، التي هي جزء من ولاية أرمينيا[1].

 لتعزيز موقعها والسيطرة على الإقليم تبنت أذربيجان سياسة القمع والإبادة والترحيل، ودعمها في تنفيذ هذه السياسة القوات العثمانية بعد ظهورها في القوقاس في عام 1918[2].

وفي هذه الظروف عقد سكان كاراباغ الجبلية، حيث كان يشكل الأرمن حوالي 95 بالمئة من تعداد السكان العام، مؤتمرهم الأول في 22-26 تموز عام 1918، وأعلنوا كاراباغ الجبلية وحدة إدارية مستقلة، وانتخب المجلس الوطني والحكومة، وامتلكت بين عامي 1918-1920 كل عناصر الدولة من جيش وسلطة شرعية[3].

ومنذ أيار 1918 حتى نيسان 1920، قامت التشكيلات العسكرية في أذربيجان إضافة إلى التشكيلات الداعمة لها من تركيا بتنفيذ أعمال عنف وقتل ضد السكان الأرمن. (فقط في شوشي –عاصمة كاراباغ- جرت مجازر في آذار 1920، تم خلالها قتل 20 ألفاً وتهجير 20 ألف أرمني)، لكن لن يتسنى لأذربيجان فرض سلطتها على شعب ناغورني كاراباغ.

وبهذه المناسبة يجب القول: إنه في 20 شباط عام 1919 عبر عريضة شكوى موجهة إلى الحكومات الحليفة، رفضت الدورة الرابعة للمجلس الوطني في آرتساخ نية حكومة أذربيجان في اعتبار الإقليم جزءاً من أراضي جمهورية أذربيجان، وأكدت حق الشعب الأرمني في تقرير مصيره الذي تم تبنيه من مؤتمر السلام، كما تمت الإشارة في الجدول أيضاً إلى أن آرتساخ لم تعترف أبداً بسيادة أذربيجان على أراضيها[4]، أما في 24 شباط عام 1919 أعلن المؤتمر الرابع في آرتساخ مذكرة موجهة إلى قيادة قوى الدول الحليفة في منطقة ما وراء القوقاس، يطلب فيه احترام إرادة الشعب في آرتساخ بإعادتها كجزء لا يتجزأ من أرمينيا خلال مؤتمر السلام، حيث سيجزم وضع آرتساخ بشكل نهائي[5].

ومن أجل تفادي المواجهات العسكرية بين آرتساخ وأذربيجان تم في 26 آب 1919، توقيع اتفاق مبدئي بين الأطراف، حول مناقشة وضع الإقليم في مؤتمر السلام في باريس بشرط أن لا تغير الاتفاقية وضع آرتساخ كوحدة سياسية مستقلة.

إن توقيع الاتفاقية بين حكومة جمهورية أذربيجان والمجلس الوطني لآرتساخ يدل من دون شك على الاعتراف بآرتساخ كوحدة منفصلة قانونياً، أما فيما يخص موقف الرأي العام العالمي من هذه القضية، فإنه لم يتم الاعتراف بجمهورية أذربيجان في الأعوام من 1918-1920 من المجتمع الدولي، وخاصة من عصبة الأمم، التي ما اعترفت بهذه الجمهورية الجديدة رسمياً يوماً ما، ورفضت قبول طلبها بشأن انضمامها إلى عصبة الأمم[6].

في 1 كانون الأول عام 1920 خلال انعقاد الاجتماع الرابع للجنة الخامسة المنتخبة من جمعية عصبة الأمم وبعد مناقشة طلب جمهورية أذربيجان تم التوصل إلى ما يلي:

أ- حسب المادة الأولى من ميثاق عصبة الأمم، قانونياً لا يمكن اعتبار جمهورية أذربيجان "كدولة ذات حكم ذاتي كلياً"، طالما أن أي دولة عضو في عصبة الأمم لم تعترف بها قانونياً في السابق "دولة ذات حكم ذاتي كلياً"، وإضافة إلى ذلك ذكر في التقرير أن "جمهورية أذربيجان" التي تشغل مساحة 40 ألف ميل مربع، لم تشكل دولة في السابق، كانت دائماً مدرجة تحت سيطرة دول كبرى مثل التتار-المغول أو إيران، وبدءاً من عام 1813، كانت ضمن الإمبراطورية الروسية، وتسمية "أذربيجان" التي اختيرت من أجل الجمهورية الحديثة، ليست إلا اسم إحدى المقاطعات الإيرانية المجاورة، وبعد، يشك حتى في قدرة حكومة جمهورية أذربيجان على تحمل التزامات دولية وتقديم ضمانات العضوية[7].

وقررت اللجنة أنه رغم تقديم أذربيجان طلب الانضمام بشكل نظامي، إلا أنه من الصعب التحديد بالدقة حدود تلك المساحة التي تبسط حكومة أذربيجان عليها سيادتها تحديداً دقيقاً، ولم تسمح النزاعات الحدودية مع الجوار بتحديد حدود أذربيجان، كما قررت اللجنة بأن شروط الميثاق لا تسمح لأذربيجان بالانضمام إلى عصبة الأمم في الظروف الحالية[8].

بعد الانتصارات في الحرب الأهلية وتحقيق الاستقرار نسبياً في البلاد، حاولت حكومة موسكو البلشفية من عام 1920 اتخاذ خطوات تسمح لها استعادة منطقة القوقاس إلى حضنها من خلال دعم الشيوعيين هناك، الذين كانوا يعتقدون بكل قناعة أن النظام السوفييتي هو السبيل الوحيد لإنقاذ دولهم من الانهيار. وفي هذا السياق أعطى التقارب بين لينين ومصطفى كمال نتائجه، وهكذا بدعم من مصطفى كمال وتأثيره القوي في حكومة باكو دخل الجيش الأحمر الروسي في 28 نيسان عام 1920 أذربيجان، من دون أي مقاومة من حزب المساواة. وبذا أصبحت هذه الجمهورية التتارية (الأذربيجانية) جزءاً من المنظومة السوفييتية، وخلقت السلطة السوفييتية في أذربيجان وضعاً جديداً في المنطقة للانطلاق قدماً لتحقيق إنجازات من هذا المثيل من روسيا السوفييتية في بقية بلدان ما وراء القوقاس، واستخدام الحركة الكمالية القومية، كما ذكرنا، ضد مطامع دول الائتلاف في القوقاس، التي كانت بدورها تطمع بالتصدي للتمدد الشيوعي هناك.

بعد انسحاب القوات البريطانية من باطوم في 6 تموز 1920 بدأت جمهوريتا أرمينيا وجيورجيا تكافحان من أجل الحفاظ على استقلالهما، وخاصة منذ أيار عام 1920 سادت أرمينيا نفسها حالة من الهياج في صفوف الشيوعيين، واعتبرت مؤشراً على رغبة روسيا السوفييتية في إعادة احتلال بلدان ما وراء القوقاس.

وفي بعض المناطق كانت الاضطرابات مصحوبة بتحركات مريبة، وقامت بها أقليات تركية- أذرية تهدف إلى إشاعة الفوضى وإضعاف هيبة السلطة[9]، وبتحريض تركي- أذري دخل الجيش الأحمر، من دون مقاومة من الجيش الأرمني، في شهر أيار 1920 إقليم آرتساخ، وفي شهر حزيران زانكيزور، أما في شهر آب ناخيجيفان، وفي 10 آب 1920،  وفي يوم توقيع معاهدة سيفر بالذات، وقع الجانبان الأرمني والروسي اتفاقية بشأن احتلال تلك المناطق زمنياً من روسيا كمناطق قابلة للجدل بين أرمينيا وأذربيجان[10].

لهدف تنسيق العلاقات التركية – الروسية جرى في موسكو في شهري تموز – آب عام 1920 أول مؤتمر لممثلي تركيا الكمالية وروسيا السوفييتية، وترأس الوفد الروسي وزير الخارجية آنذاك كيوركي تشيتشيرين، وشارك في المباحث نائبه من الجنسية الأرمنية ليفون كاراخان وغيره، أما من الجانب التركي بكير سامي، ولغاية مناقشة مشروع الاتفاقية وأمور سياسية وعسكرية شكلت لجان من كلا الطرفين، وتمّ خلال المؤتمر اتفاقية قدمت روسيا بموجبها مساعدات مالية مقدارها خمسة ملايين روبل بالذهب، وعدا ذلك، وعدت روسيا بتقديم كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة[11].

وناقش الطرفان خلال المؤتمر موضوعات مهمة تتعلق بالطرق والاتصالات والمضائق وغيرها، ومن بينها المناطق الأرمنية والجيورجية-قرص، أردهان، باطوم وغيرها.

ومادامت هذه المناطق كانت جزءاً من أراضي أرمينيا وجيورجيا، لذا تأجل توقيع الاتفاقية بغية التدقيق النهائي للحدود الشمالية- الشرقية لتركيا، وأصبح هذا المشروع موضوع البحث خلال المؤتمر الروسي-التركي الثاني في موسكو، الذي جرى في 23 شباط لغاية 16 آذار عام 1921[12].

إن التطورات في العلاقات الروسية-التركية والتقارب العلني بين هاتين الدولتين أجبرت حكومة يريفان بالتفاوض مع روسيا، ولهذا الغرض أرسلت وفداً برئاسة ليفون شانت في شهر أيار عام 1920 إلى موسكو لإجراء المباحثات، بغية ضمان مساعدة وحماية روسيا لأرمينيا، في جو يخيم عليه روح الصداقة والتفاهم المتبادل. ولعب في تنظيم هذا الحوار الأرمني-الروسي نائب وزير خارجية روسيا السوفييتية، كما ذكرنا، الأرمني ليفون كاراخان. مع الأسف الشديد فشلت جهود هذه الشخصية جراء محاولات الأتراك وقادة أذربيجان السوفييتية الرامية لإجهاض المفاوضات الأرمنية-الروسية وتوقيع معاهدة الصداقة بين البلدين. لذا تأجلت المفاوضات بشرط استكمالها لاحقاً في أرمينيا[13].

في 1-7 أيلول 1920 انعقد في باكو "مؤتمر شعوب الشرق" تحت رعاية السوفييت وبالتنسيق مع زعماء أذربيجان الذي كشف بشكل واضح عن مدى تعاون البلشفة والكماليين ونياتهم الخطيرة ضد الأرمن وأرمينيا، وحضر المؤتمر شخصياً عدو الشعب الأرمني اللدود أنور باشا، الذي دعا من باكو جميع الشعوب الإسلامية القيام بالجهاد ضد الكفار من أجل تحقيق الثورة الاشتراكية. كما سعى من خلال المؤتمر إلى إحياء رابطة الأخوة الطورانية، وأعلن المؤتمر أذربيجان السوفييتية كقلعة للبروليتاريا، أما أرمينيا كقاعدة للاستعمار، ولإسقاطها وتوطيد النظام السوفييتي فيها كان من المفروض استخدام القوات الكمالية التركية[14].

بعد فترة وجيزة من "مؤتمر شعوب الشرق" وبموافقة ودعم الحكومة السوفييتية شنت القوات الكمالية التركية في 23 أيلول عام 1920 هجوماً مفاجئاً على أرمينيا بقيادة الجنرال كاظم قره بكير، من غير أن يعلن الحرب عليها، وهكذا غدت أرمينيا من جديد معرضة للخطر.

حينئذٍ سارعت حكومة جمهورية أرمينيا لتصدي اجتياح الأتراك، وشكلت مباشرة "لجنة إنقاذ الوطن" وأعلنت حالة الاستنفار في البلاد، وعدا الحزب الشيوعي، استنكرت جميع الأحزاب السياسية الأرمنية الهجوم التركي.

في 29 أيلول 1920 استولى الجيش التركي على ساريغاميش وكاغزوان، واستطاع الجيش الأرمني بقيادة الجنرال توفماس نازاربيكيان على مدى شهر أن يتصدى للزحف التركي، ولكنه اضطر فيما بعد أن يتراجع على أثر انضمام تتار أذربيجان إلى القوات الكمالية[15].

كانت أرمينيا في أمسّ الحاجة إلى الذخيرة والمؤن والألبسة، إلا أن أحداً لم يمد يد العون إليها. وقامت جيورجيا بدورها بعمل كل شيء من دون أن تقدم دول الحلفاء أي مساعدة إليها[16]، بالعكس، استخدمت جيورجيا تلك الفرصة واستولت على أرداهان، وفيما بعد على مناطق أخرى. إن كل ذلك، ثم مواقف الأرمن الشيوعيين الداعمة لتركيا الكمالية، أثر في معنويات الجيش الأرمني، وأدى إلى انهيارات وانشقاقات في صفوفه، ونتيجة لذلك استولى الأتراك من دون أن يطلقوا رصاصة واحدة في 30 تشرين الثاني عام 1920 على قلعة قرص، وبلغ عدد أسرى جنود الأرمن نحو 3000، من بينهم 120ضابطاً، وجنرالات من أمثال بيك بيروميان، آراراطيان وغيرهما.

بعد سقوط قرص، حيث حدثت مذبحة للأرمن، وتعرضت المدينة للنهب والسلب، وصلت القوات التركية إلى الكسندرابول واحتلتها في 5 تشرين الثاني عام 1920، إلا أن المعركة استمرت خلال بضعة أسابيع على مشارف يريفان، وأخيراً منيت أرمينيا بالهزيمة في حرب لا تسعى إليها إطلاقاً، وقبلت في 18 تشرين الثاني 1920هدنة وقف النار[17].

في 2 كانون الأول عام 1920 وجدت الحكومة الأرمنية نفسها مضطرة لتوقيع معاهدة الكسندرابول مع حكومة الجمعية الوطنية الكبرى في تركيا الكمالية في أضنة، حيث أعلنت عن انتهاء الحرب بين البلدين[18]، ووقع الاتفاقية رئيس وفد جمهورية أرمينيا الكسندر خاديسيان.

إن معاهدة الكسندرابول فرضت على أرمينيا من جديد شروطاً قاسية، ومنحت تركيا مناطق قرص وأرداهان وإكدير وسورمالو، بينما نالت أذربيجان إقليم ناخيجيفان بإشراف تركيا، كما تخلت أرمينيا عن بنود اتفاقية سيفر[19].

بإبرام معاهدة الكسندرابول للسلام بين حكومتي جمهورية أرمينيا وتركيا، تم تقليص مساحة الأراضي، التي كانت تقع عليها الدولة الأرمنية من 60 ألف كم مربع إلى نحو نصف تلك المساحة.

كما رأينا، بعد استيلاء البلاشفة على السلطة في أذربيجان في 28 نيسان عام 1920، دخلت فيما بعد الفرقة الـ11 للجيش الأحمر المناطق الأرمنية كاراباغ وزانكيزور وناخيجيفان. وبمساعدات حكومة روسيا السوفييتية تمكن الكماليون من تسليح جيشهم، ومن ثم من دون إعلان الحرب رسمياً هاجموا، كما ذكرنا، جمهورية أرمينيا الفتية في شهر أيلول عام 1920. واستخدم البلاشفة الأرمن تلك الفرصة والظروف القاسية التي حلت بها أرمينيا لتحقيق مشروعهم البلشفي للاستيلاء على السلطة في البلاد.

استأنفت المفاوضات الأرمنية-الروسية في يريفان  في شهر تشرين الأول عام 1920 في ظروف عسكرية-سياسية واقتصادية قاسية للغاية جراء الغزو التركي. ترأس وفد حكومة روسيا السوفييتية بوريس ليكران، الذي انشغل خلال وجوده في أرمينيا بالدعوة لمبادئه البلشفية أكثر من اهتمامه بالمفاوضات السياسية ومعالجة أمور جمهورية أرمينيا الفتية، ووفق التعليمات من حكومة موسكو، كان يجب على الوفد من خلال المباحثات الوصول بالطرق السلمية إلى انتقال السلطة إلى الشيوعيين في أرمينيا ونقل الأسلحة والذخائر اللازمة للجيش مصطفى كمال عبر أراضيها. أما أرمينيا بدورها فكانت تسعى إلى إنهاء العدوان التركي وتحدياته بالوساطة الروسية بعد هجوم قوات مصطفى كمال في شهر أيلول من العام نفسه[20].

وفي غضون ذلك، اقترح في 28 تشرين الأول 1920 من تفليس ممثل جمهورية روسيا السوفييتية ورئيس الوفد ب. ليكران على حكومة أرمينيا موافقتها بسماح نقل الأسلحة والذخائر الخاصة بتركيا على خطوط السكك الحديدية الأرمنية، وبالمقابل وعد بتوحيد منطقتي زانكيزور وناخيجيفان مع جمهورية أرمينيا، اللتين كانتا تحت الاحتلال الروسي، وتم حسب هذه الشروط إبرام اتفاقية بين حكومتي أرمينيا وروسيا في اليوم نفسه في 28 تشرين الأول عام 1920[21]. ولكن سرعان ما أثارت هذه الاتفاقية غضب أذربيجان، وبذلت مع حليفتها تركيا كل شيء ما بوسعهما إفشال الاتفاقية خاصة، وتعثر العلاقات الأرمنية- الروسية عامة. خلال لقائه في 19 تشرين الثاني 1920 مع رئيس مجلس الوزراء هامو أوهانجانيان ووزير الدفاع ديرميناسيان اقترح ممثل حكومة موسكو ليكران بشكل قاطع على توطيد السلطة السوفييتية في أرمينيا بوساطة الجيش الأحمر.

انطلاقاً من رغبة سلامة وإنقاذ البلاد من الدمار، اضطرت قيادة جمهورية أرمينيا باتخاذ قرار جريء بشأن قبول اقتراح موسكو بشرط أن تضمن روسيا حدود أرمينيا لعام 1914 ومن ضمنها محافظة قرص، للجمهورية الأرمنية السوفييتية القادمة. وبعدئذٍ قامت حكومة أرمينيا بخطوة أخرى ترمي إلى إنقاذ البلاد، حيث استقالت حكومة هامو أوهانجانيان في 23 تشرين الثاني عام 1920، وشكل الطاشناق اليساريون والشيوعيون حكومة جديدة برئاسة سيمون فراتسيان، التي حكمت أرمينيا 10 أيام فقط[22]. كما ذكرنا آنفاً خولت حكومة فراتسيان الكسندر خاديسيان توقيع معاهدة الكسندرابول في 2 كانون الأول عام 1920.

في غضون ذلك قام الحزب الشيوعي الأرمني بحركة نشيطة بغية الوصول إلى زمام الحكم بدعم الجيش الأحمر. ففي أواسط تشرين الثاني، تشكلت في باكو اللجنة الثورية العسكرية للحزب الشيوعي الأرمني بقيادة سركيس كاسيان وعضوية مرافيان ودير كابريئيليان ونوريجانيان وبيكزاديان ودوفلاتيان.

في 29 تشرين الثاني عام 1920 بدعم الفرقة الـ11 للجيش الأحمر، وصلت اللجنة الثورية العسكرية الأرمنية للحزب الشيوعي من باكو إلى أرمينيا، وأدلى رئيس اللجنة كاسيان في مدينة إيجيفان في الشمال الشرقي من البلاد بتصريح عن إخضاع أرمينيا للهيمنة السوفييتية[23]. ووفق البيان الصادر عن اللجنة الثورية أعلنت أرمينيا من دون أي مقاومة جمهورية اشتراكية.

حسب القانون الدولي تعتبر تصرفات اللجنة الثورية- العسكرية الأرمنية والجيش الأحمر والإعلان عن انهيار السلطة في أرمينيا واتخاذ قرارات باسم العمال والفلاحين، من دون شك، عدواناً على سيادة دولة مستقلة، وكانت هذه اللجنة أداة في يد الحكومة الروسية والأذريين والأتراك لتوطيد السلطة السوفييتية في أرمينيا. وليس من المصادفة في اليوم نفسه استلام برقيات تهنئة من الجنرال كاظم قره بكير ورئيس اللجنة الثورية في أذربيجان ن. ناريمانوف بمناسبة توطيد السلطة السوفييتية في أرمينيا[24].

بعد هذه التطورات اقترح في 1 كانون الأول ممثل جمهورية روسيا الاشتراكية ليكران على رئيس مجلس الوزراء الجديد سيمون فراتسيان تقديم استقالة حكومته لمصلحة اللجنة الثورية- العسكرية الأرمنية. وفي اليوم نفسه، قرر المكتب السياسي لحزب الطاشناق وكتلة الطاشناق البرلمانية والحكومة قبول اقتراح موسكو.

ففي 2 كانون الأول عام 1920، تم توقيع اتفاق بين ممثل روسيا السوفييتية ليكران وممثلي حكومة جمهورية أرمينيا درو كانايان وديرديريان، ونصت الاتفاقية، التي كانت تحتوي على عدة نقاط، على انتقال السلطة سلمياً للجنة الثورية- العسكرية الأرمنية، وتنص النقطة الأولى على استقالة حكومة جمهورية أرمينيا، وتقوم بتسليم السلطة زمنياً إلى قيادة الجيش الأحمر برئاسة درو كانايان ومفوض روسيا سيلين لغاية وصول اللجنة الثورية- العسكرية إلى يريفان. ووفق الاتفاقية تألفت اللجنة الثورية من خمسة شيوعيين وشخصين من حزب الطاشناق- درو كانايان وسيمون فراتسيان، أما بقية بنود الاتفاقية فكانت تنص على التزامات روسيا واللجنة الثورية الأرمنية بعدم استخدام العنف ضد أعضاء الحكومة السابقين وأتباعهم وأعضاء حزب الطاشناق و....إلخ[25]. وعدا ذلك التزمت الحكومة السوفييتية بالتفاوض مع تركيا وحماية مصالح أرمينيا خلال ترسيم الحدود.

وعلى الرغم من أن الجانبين، حسب الاتفاقية المبرمة بينهما بشأن تسليم زمام الحكم للشيوعيين وتشكيل السلطة من عضوية شخصين من قادة الطاشناق (درو وفراتسيان)، تم تشكيل لجنة الطوارئ في أرمينيا من اللجنة الثورية الأرمنية. سرعان ما قررت هذه اللجنة ملاحقة واعتقال قيادات وأعضاء وأنصار حزب الطاشناق، وقامت بتنفيذ سياسة "الشيوعية العسكرية" من شهر شباط عام 1921، حيث تم اعتقال الكثير من قادة الجمهورية.

وهكذا، في نتيجة الصفقات بين السلطات السوفييتية والكماليين انهارت جمهورية أرمينيا الأولى التي قامت بإعادة الدولة الأرمنية، ووضعت أسساً متينة لجمهورية أرمينيا السوفييتية الاشتراكية على مساحة نحو 30 ألف كم مربع.

وبغض النظر أن حكومة روسيا السوفييتية التزمت بالدفاع عن مصالح أرمينيا خلال مفاوضاتها مع الجمهورية التركية، لكنها دائماً انطلقت من مصالح الاتحاد السوفييتي، وأحياناً نسيت وعودها.

في نتيجة توطيد السلطة السوفييتية في ما وراء القوقاس، أُهملت قضية ناغورني الجبلية من المؤسسات الدولية، وخرجت من جدول أعمالها، وأعطت الضوء الأخضر لقيادة جمهورية أذربيجان السوفييتية للاستيلاء على مقاطعة آرتساخ. وتزامن تعزيز النظام السوفييتي في القوقاس مع خلق أنظمة سياسية جديدة، وعرفت كاراباغ الجبلية، كما ذكرنا، من روسيا السوفييتية كأراض متنازع عليها بين أذربيجان وأرمينيا .

مباشرة بعد تولي النظام السوفييتي في أرمينيا في 30 تشرين الثاني عام 1920، أعلنت اللجنة الثورية في جمهورية أذربيجان (اللجنة الثورية وكانت أعلى سلطة في الفترة البلشفية) أن الأراضي المطالبة من أذربيجان سابقاً ؛ كاراباغ الجبلية وزانكيزور وناخيجيفان، بأنها جزء لا يتجزأ من أرمينيا، إن البيان الذي صدر في 30 تشرين الثاني 1920 كان على الشكل التالي:

إلى الجميع، إلى الجميع، إلى الجميع:

باسم جمهورية أذربيجان السوفييتية الاشتراكية نعلن للشعب الأرمني قرار اللجنة الثورية في أذربيجان المؤرخ في 30 تشرين الثاني:

"لقد استلمت حكومة أذربيجان العمالية والفلاحية بياناً حول إعلان جمهورية سوفييتية اشتراكية في أرمينيا بالنيابة عن الفلاحين المتمردين، فهي إذ ترحب بانتصار الشعب الشقيق، وابتداء من هذا اليوم، تلغى الحدود السابقة بين أرمينيا وأذربيجان، ويتم الاعتراف بكاراباغ الجبلية وزانكيزور وناخيتشيفان على أنها جزء لا يتجزأ من جمهورية أرمينيا السوفييتية الاشتراكية".

فلتحيا الأخوة والوحدة بين العمال والفلاحين في أرمينيا السوفييتية وأذربيجان السوفييتية.

 

رئيس اللجنة الثورية في أذربيجان، ناريمانوف

المفوض الشعبي للعلاقات الخارجية، حسينوف.

مجلة "الشيوعي"، في 7 كانون الأول 1920، يريفان (نشرة أرمنية)[26].

ورحب بهذا القرار شخصياً جوزيف ستالين الذي نشر في جريدة "البرافدا" في 2 كانون الأول عام 1920[27]، ثم أعلن المجلس الوطني لجمهورية أرمينيا السوفييتية بدوره في 12 حزيران عام 1921 كاراباغ الجبلية كجزء لا يتجزأ من أرمينيا السوفييتية، وذلك وفق الاتفاق الموقع بين اللجنة الثورية في أذربيجان وحكومتي جمهورية أذربيجان السوفييتية وجمهورية أرمينيا السوفييتية، بناء على إعلان أذربيجان السوفييتية حول التخلي عن مطامعها في كاراباغ الجبلية وزانكيزور وناخيجيفان.

وفي 19 حزيران عام 1921 أعلن رئيس مجلس اللجان الشعبية في أرمينيا الكسندر مياسنيكيان القرار التالي: "بناء على بيان اللجنة الثورية في جمهورية أذربيجان السوفييتية والاتفاقية الموقعة بين حكومتي جمهورية أذربيجان السوفييتية الاشتراكية وحكومة جمهورية أرمينيا السوفييتية الاشتراكية، تعتبر كاراباغ منذ هذه اللحظة جزءاً لا يتجزأ من جمهورية أرمينيا السوفييتية الاشتراكية"[28]. وأشار التقرير الموجه من اللجنة الشعبية للعلاقات الخارجية إلى مؤتمر السوفييت لعامي 1920-1921 عن مزاعم توقيع اتفاقية بين أرمينيا وأذربيجان بشأن انضمام آرتساخ إلى أرمينيا[29].

ولكن نسيت أذربيجان وعودها وبدأت الصراع من أجل تلك المناطق المذكورة، وعلى رأسها كاراباغ. في نتيجة ذلك تدهور الوضع إلى أن قام الأرمن في آرتساخ في بداية عام 1921 بطلب المساعدة من المناضل الأرمني نجتيه؛ حاكم (سونيك ذاتية الحكم) المجاورة.

ولم تتأخر المؤازرة، ونجح الأرمن في آرتساخ بجهود الفصائل الأربعة التي أرسلها نجتيه في شباط 1921 في تطهير جنوب آرتساخ بكامله من البلشفيين، وبدا واضحاً أن الأرمن في آرتساخ لم يتقبلوا فكرة ضم المنطقة إلى أذربيجان.

استناداً إلى إعلان ناريمانوف أعلنت أرمينيا، كما ذكرنا، بمرسوم خاص في 12 حزيران 1921 أن كاراباغ الجبلية هي جزء لا يتجزأ منها، وتنفيذاً لذلك القرار، تم تعيين أ. أرافيان مندوب أرمينيا في كاراباغ[30].

من كتاب قضية ناغورني كاراباغ الجرح الـنـازف



[1]  مكردجيان ليفون، المصدر المذكور، ص 32-33.

[2]  المكان نفسه.

[3]  آفاكيان شاهين، المصدر المذكور، ص 13.

[4]  المكان نفسه.

[5]  المكان نفسه.

[6]  المكان نفسه، ص 13-14.

[7]  المكان نفسه، ص 14.

[8]  المكان نفسه.

[9] هراج داسنبيديان، القضية الأرمنية، بيروت، 1996، ص 39.

[10] آشوط ميلكونيان، ص 209.

[11] http://hy.wikipedia.org

[12] المكان نفسه.

[13] روبينا بيروميان، أرمينيا في مجال العلاقات حزب الطاشناق والبلشفيين في أعوام 1917-1921 (باللغة الأرمنية)، يريفان، 1997، ص 210-219.

[14] أشوط ميلكونيان، ص 210.

[15] هراج داسنبيديان، ص 39.

[16] فريدوف نانسن، أرمينيا والشرق الأوسط، في كتاب: آرشاك بولاديان، شهادات غربية عن الإبادة الأرمنية، دمشق، 2016. ص 278.

[17] هراج داسنبيديان، ص 39، آشوط ميلكونيان، ص 211-212، مروان المدور، ص 420، أحمد فؤاد رسلان، أرمينيا الأمة والدولة، القاهرة 1997، ص 76.

[18] مروان المدور، ص 420-421.

[19] هراج داسنبيديان، ص 39، آشوط ميلكونيان،ص 211-212، مروان المدور، ص 420، أحمد فؤاد رسلان، ص 76.

[20] انظر: روبينا بيروميان، ص 219-225.

[21] آشوط ميلكونيان، ص 213.

[22] المكان نفسه، ص 214. انظر أيضاً: هراج داسنبيديان، ص 39-42.

[23] المكان نفسه.

[24] المكان نفسه، ص 215.

[25] المكان نفسه.

[26]  Avakian Shahen, Nagorno Karabagh, Legal Aspects, Moscow, 2015, p66   انظر أيضاً: صالح زهر الدين، كاراباغ: بين تقرير المصير والمشروع الطوراني الصهيوني، بيروت، 1992، ص 12.

[27]  المكان نفسه.

[28]  آفاكيان شاهين، المصدر نفسه، ص 14-15.

[29]  المكان نفسه.

[30]  مكردجيان ليفون، ص 48.

 

عدد القراءات : 3867

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *

اكتب الرقم : *
 

 
 
التصويت
هل ستمنع إسرائيل أي اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن بشأن الملف النووي؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3544
العدد: 486
2018-08-06
 
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2021