بايدن وتآكل قدرة الردع.. بقلم: تحسين الحلبي

ذكرت وسائل الإعلام الأميركية في الخامس من شهر آذار الجاري وخاصة الموقع الإلكتروني لقناة «إن بي سي» الأميركية أن الرئيس الأميركي جو بايدن ألغى غارة جوية وأصدر أمراً بتنفيذها ضد هدف يزعم أنه داخل الأراضي السورية ويخص مجموعة تدعمها إيران رداً على إطلاق عدد من الصواريخ على قاعدة عين الأسد الأميركية داخل الأراضي العراقية، وذكر البيت الأبيض أن سبب إلغائه هذه الغارة هو رؤية الطيار الأميركي لامرأة وطفل قرب الهدف المطلوب إصابته فاضطر بايدن إلى إعطاء الأمر بإلغاء الغارة لكي يتجنب قتل مدنيين.
هذا المشهد الذي نشرته وسائل الإعلام الأميركية يشبه أفلام هوليوود، فبايدن يكرر هنا حين يقال إنه ألغى القصف ما كان سلفه الرئيس دونالد ترامب قد لجأ إليه في عام 2020 حين ردت الجمهورية الإسلامية الإيرانية على قصف جوي أميركي بعشرين صاروخاً على قاعدة عين الأسد رداً على قصف جوي أميركي قرب مطار بغداد قتلت فيه الجنرال سليماني وقائد الحشد الشعبي المهندس، ففي أعقاب تهديد ترامب بالرد ثم امتناعه عن الرد، أعلن أنه لم يرد بضربة جوية لأن الطيارين أبلغوه أن الغارة ستتسبب بقتل عدد من المدنيين ولذلك قرر إلغاءها.
سبب كهذا لا يصدقه كل من تابع ما كان القصف الجوي الأميركي يحصده من أرواح المدنيين منذ ابتكار طائرات القصف الحربية الأميركية، بل في بعض الأحيان كانت وزارة الدفاع الأميركية نفسها تجبر على الاعتراف بعد فترة بمقتل عدد قليل ممن قتلته الطائرات الأميركية من مدنيين أثناء غزوها للدول الأخرى.
في 25 نيسان 2019 نشر الموقع الإلكتروني لـ«منظمة العفو الدولية – أمنستي» وموقع «مفاعيل غارات الحروب الجوية – Airwars launch interactive» وهما منظمتان غربيتان، أن طائرات التحالف الدولي الأميركية والبريطانية والفرنسية قتلت في قصفها على الأراضي السورية منذ شهر حزيران 2017 حتى شهر تشرين أول من العام نفسه أكثر من 1600، بقصفها المباشر في منطقة شمال سورية في حربها المزعومة ضد مجموعات داعش، واضطرت وزارة الدفاع بعد فترة إلى الاعتراف بـ10 بالمئة من هذا العدد وقال ناطق باسمها إنه «يأسف لمقتل 167 من المدنيين بسبب الغارات الجوية الأميركية» فهل يدل سجل آلة الحرب الوحشية الأميركية على حرص بايدن على عدم التسبب بمقتل اثنين من المدنيين؟!
وإذا كان ترامب قد ألغى توجيه ضربة مباشرة ضد إيران في عام 2020 لأن قدرة الردع الأميركية أصيبت بضعف أمام قوة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحتمية الرد على أي عدوان وليس بسبب تعرض مدنيين للقتل، فإن بايدن الذي خلفه، جرب أول مرة فرد بقصف ضد مجموعة فوق الأراضي السورية فتلقى رداً بقصف قاعدة عين الأسد الأميركية، ثم وجد أن دوامة القصف الأميركي والرد المضاد له، لن يحقق كما بدا، الردع المطلوب فالعلة تكمن بمدى قدرة الردع وبمدى رغبة واشنطن بتجنب توسيع أو تصعيد دائرة حربها وهي التي لم تستطع تحقيق أي نسبة من الردع في أفغانستان بعد عشرين عاماً من احتلالها مع قوات الأطلسي للبلاد وبرغم وجود نظام أفغاني يدعم حربها فوق أراضيه ويشارك مع القوات الأميركية بالحرب على المجموعات المسلحة هناك.
يبدو أن بايدن لم يدرك بعد أمام هذه المنطقة الممتدة من سورية إلى العراق إلى إيران، أن قدرة الردع الأميركية تآكلت منذ إجبار قوات الاحتلال الأميركي على الانسحاب من العراق في عام 2012، وتزايد وحدة وقدرة قوى المقاومة المناهضة للهيمنة الأميركية في المنطقة على حماية سيادة واستقلال دولها وشعوبها.
يبدو أن أول انتكاسات الإدارة الأميركية الجديدة خلال أول شهرين من استلامها للحكم بدأت تتشكل بمظاهر ضعف ورثتها عن فترة إدارة ترامب الماضية، فمن لم يستطع تحقيق أهدافه بعد حرب عشرين عاماً في أفغانستان وحرب تسع سنوات في العراق وحرب عشر سنوات ضد سورية وحلفائها في محور المقاومة، لن يكون بمقدوره تحقيق أي هدف من الحرب التي تعدها إدارة بايدن ضد الصين لا على المدى القريب ولا على المدى البعيد فقد جربت ثلاث إدارات أميركية منذ عام 2011 شن كل أشكال الحروب على سورية ومحور المقاومة من قصف وحصار وعقوبات وتقديم كل السلاح والدعم لمئات الآلاف من الإرهابيين من دون توقف ولم تحقق أهدافها بكسر إرادة شعوب وجيوش وقادة محور المقاومة ولا فرض هيمنتها على مقدراتها ومستقبلها.
ولذلك يرجح معظم المحللين في واشنطن وأوروبا أن تفرض الكفة الراجحة لميزان القوى الإقليمية والدولية التي حققتها قوى محور المقاومة وحلفاؤها في الساحة الدولية، دورها المؤكد والمتصاعد على حساب النظام العالمي الأميركي المتهالك يوماً تلو آخر.
 

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2021