الاقتراض من الشعب

بعد أن اشتد الحصار بكل أشكاله على الوطن المستنزف الذي وصل إلى تحت الخطوط الحمراء، وتجاوز كل الإشارات، حتى الصديق غدت له شروطه على استمرار صداقته، وأحياناً وصلت إلى درجات القسوة، تفكر الحكومة عن مخارج نجدها أغلقت إلى حدٍّ كبيرٍ فكر جهابذتها في الحلول، فلم يجدوا سوى الاقتراض من الشعب، ولكنَّ الشعب أيضاً وصل إلى حدود الإفلاس، بل أفلس سواده باستثناء حفنة من مرتزقة الحرب الآثمة والأثرياء المختبئين بانتظار انتهاء الأزمة التي وقعت عليه وعلى بلده.
هكذا ومن دون سابق إنذار قررت الحكومة مرة ثانية أن تقترض من الشعب وأسواقه وتجاره الوطنيين والموظفين وصناعييه ومزارعيه، هؤلاء الذين يتوهون كل صباح بحثاً عن مصادر رزق لهم ولأسرهم والعاملين لديهم، كيف تفكر الحكومة في الاقتراض من مداخيل موظفيها وأبنائها؟ وما طبيعة القوانين والمراسيم التي تصدرها والتي تحمل في مضمونها فصولاً للضرائب والعقوبات المالية التي تصل حدود التجريم بدلاً من البحث عن تقديم بنود التحفيز والتشجيع وتسريع التصنيع ودعم المزارعين ومربي الحيوانات الصالحة للاستهلاك الغذائي.
عملت الحكومات المتتالية ضمن دائرة مفرغة، تشكل الثبات في المكان، تفرغ عبر استهلاكها الموجود، ولم يفكر أيٌّ منها كيف تكسر هذه الدائرة، وتنتقل إلى التطوير الإستراتيجي النوعي بما تعنيه كلمة «إستراتيجيا»، التي كان عامة الناس يؤمنون بها على بساطتهم: «خبِّ قرشك الأبيض ليومك الأسود» لتبقى عبر الأمنيات والوعود بإيجاد الحلول وعبر الضغط على الشعب المهدد بلقمة عيشه من الخارج والداخل.
إلى الحكومة نتجه، الشعب حريص على دولته ومكوناتها والمنجز فيها، ويخاف عليها، وانفطرت قلوبه لما حلَّ ويحلُّ بها وبه، وهو صادق فيما يشعر ويعمل، ولا يجوز أبداً أن تتعامل بهذه الطرق التي لا تغني ولا تقنع العقول والبطون، فالعدل والأمن والمواطن أهم مقومات الدولة بعيداً عن أي جدل سياسي قائم على النزاعات الدولية والمحيطية والداخلية للدولة الوطن والأرض والإنسان.
السيد الرئيس يبادر دائماً في مد يد العون للمواطنين من دون استثناء، لكونه يتابع تفاصيل حياة الوطن والمواطن على مدار الساعة، ويحضّ الجميع على المبادرة والإسراع في إيجاد الحلول والتخفيف من الأعباء عن المواطنين رغم صعوبة الظروف، فهل تدرك الحكومة أن الشعب يُستنزف وينزلق من دون أن يخبره أحد إلى أين؟ طبعاً نتفهم إلى حدّ كبير ما يوقف الحكومة التي تجهد لتأمين الرواتب والمواد الأساسية، ولكن إلى متى؟
في هذا الوطن نبقى عرضة للأزمات الطارئة والمديدة والمثل الشعبي يقول: «الغزالة الشاطرة تغزل على ذيل قطة»، وهذا يعني أن إدارة الموارد أهم من الموارد التي يجب أن يكون التخطيط الإستراتيجي عمادها، والاعتماد الدائم على القوانين الضريبية يؤدي إلى انتشار الفساد والتهام الموارد مع الضريبة، وصحيح أن القوانين تنظم العلاقة بين المواطن والدولة، والدول الناجحة تكون بفضل قوانينها الواضحة لا الملغَّمة ولا الملتوية منها، لأن البناء الإداري السليم وتحفيز المبادئ الأخلاقية وإيجاد التوازن بين الدخل والإنفاق، كلُّ هذا يؤدي لانتعاش اقتصادي حقيقي لا وهمي، ومنه تدور عجلة الإنتاج الصناعي والزراعي والتجاري والسياحي، وينصهر الجميع لحظة شعورهم بأن العدالة الاجتماعية قاربت التوازن في كل المناحي.
الأصدقاء والحلفاء.. كيف ننجح؟ هل سنبقى نلهث خلف القروض من الذين ظهرت منهم شروطٌ ربما وصلت إلى حدود التعجيزية نتاج وقوع العقوبات أيضاً عليهم؟ وهل هذا يعني الاتجاه للاقتراض من الشعب الذي وصل إلى حدود الإفلاس؟ والناس تبحث عن أي عمل يستر مسيرتها إضافة إلى ما تعمل، أو من خلال عمل جديد.
وطننا غنيٌّ بكل ما تحمله كلمة الغنى، ماؤه وخضرته ومواده المتنوعة، وأهم من كل ذلك إنسانه الخلاق وما يعانيه الآن هو نتاج ندرة الموارد مع المسيئين له، الذين أفرغوا ثرواته أو عملوا على تبديدها، ولم يعد الكثيرون يثقون بكثير من رجالات اقتصادنا في الداخل ولا في الخارج، لأنهم يسألون كيف سنستردها أولاً؟ وثانياً أين ستذهب في حال إعادتها؟ إلى جيوب المسيئين؟ أم إلى صناديق تساعد جيشنا العظيم وأسر شهدائه وجرحاه وأسرهم وموظفي الإدارات الشرفاء؟.
 د. نبيل طعمة
 

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2021