اليمن بين الحرب العبثية و«عبثية الردود»: ماذا عن الرواية الثالثة؟!

رحمَ اللـه ذاك اليوم الذي كانَ فيهِ العرب يتابعونَ عن كثبٍ، بمشاعرِ الحزنِ والغضَب مجازرَ الاحتلال الإسرائيلي في لبنان وفلسطين، كجنين وقانا وغيرها، يتوعدون فيهِ المحتل بالمظاهراتِ والهتافات، على الأقل هذا ما يقدرون عليه، لكن منذُ الغزو الأميركي للعراق بدا واضحاً بأن فكرةَ تعويم المجازر لتصبحَ أشبهَ بفيلم سهرةٍ أميركي هو الهدف، تحويل من جاؤوا على ظهرِ دبابةٍ أميركية إلى مقاومين ومناضلين ورموزٍ لا تُمس وهم أساساً كانوا ألعوبة بيدِ من دمرَ بلدهم، كان هدفه تعويم أمثال هؤلاء في فكرنا وحاضرنا.
اليوم بعدَ عقودٍ من هذا العرض المتواصل يجلس الأميركي والإسرائيلي ليتابعَا ودموع التماسيح في عينيهِما ما يرتكبه العرب بحقِّ بعضهم البعض من مجازر وقتلٍ وتدمير وإرهاب، لكن انتبهوا إياكم أن توهنوا عزيمةَ الأمة بمنشورٍ يستصرخُ الحال الذي وصلنا إليهِ، دعوا الأمة في غيبوبتها، وتذكروا بأن «التضامن العربي» و«الأمن العربي» خطٌّ أحمر، وإياكم أن تحاولوا إيقاظها لأنكم بأيِّ لغةٍ تستخدمونها ستجدون من يخوَّنكم، ستجدون من يردَّكم إلى مسٍّ من الجنون وكأن هناك جنوناً يعيشه العربي أكثر من هذا الجنون، وعلى الجهة المقابلة إيَّاكَ أن تسأل عن اسمِ العاصمة العربية التالية التي سيمر منها طريق القدس، هذا السؤال سيحولك فوراً إلى شخصٍ لا يعي مفاهيم الصراع ولا يدرك بأن الانهيار الأميركي قابَ قوسين أو أدنى، لدرجةٍ بتنا فيها أسرى للتشاؤم من أي تهديدٍ بإزالةِ إسرائيل فينتهي بتدمير عاصمة عربية جديدة.
إن سألتَ عربياً صفَّق قبلَ أيام لقصفِ الإمارات مثلاً، لماذا حولت أحلامك من الحصول على دفءِ الشتاء أو كسرة خبزٍ إلى تمني انهيار أبراج خليفة؟ أو لماذا تهاجم التطبيع الإماراتي الإسرائيلي وتعيده إلى سبب ما تحمله في قلبكَ من أمنيات عودة هذه الدولة أو تلك إلى زمن الصحراء، بينما لا نراكَ تكتب حرفاً واحداً عن سفارة الكيان الموجودة في عاصمتك منذ عقود، سيكون الجواب حكماً عكسَ ما تتوقع، لا أجوبة مقنعة جميعها تدور حول الدفاع عن الحق والمظلومية، ومشكلتنا بأن الجميع في هذه الأمة يرى نفسه حامل لواء الدفاع عن الحق والمظلومية لدرجةٍ بتنا فيها على هامشِ التاريخ، أما من يأخذكَ بعيداً نحو عباراتٍ باتت أشبهَ بالنكتة السمجة كصراعِ المحاور وتقدم محورٍ على حساب الآخر فهو من دون أن يدري يُدخل الشعب اليمني الطيب بصراعٍ لا نهايةَ له، بل إنَّ زج الشعب اليمني بهذه المحرقة المسماة صراع المحاور، هو أكبر تبرير للطرف الآخر للقيام بما يقوم به، على قاعدةِ بأن من حق أي دولة الدفاع عن مصالحها!
على المقلبِ الآخر، إن سألتَ من يتجاهل مظلوميةَ الشعب في اليمن ألا تستفزك صور الضحايا؟ على الأقل إما أن تدين أي اعتداء يؤدي إلى الدمارِ والخراب أو لا يمكنك أن ترى فقط الصورة التي تريدها، وإن قلتَ لهُ بأن هذهِ الحرب عبثية ولا توصيف آخر لها أدق لأنها لن تأتي بنتيجة، فستكون الإجابة كما العادة: هؤلاء ميليشيا إيرانية يمثلون مشيئة إيران في المنطقة!
إن مقاربة كل هذا الدمار والخراب بفرضيةٍ مستنسخة عن تجربة حزب اللـه اللبناني فإنكم بذلك تكررون الخطأ ذاته، بل حسب المنطق الذي تدافعونَ عنه فإن استمرار هذهِ الحرب هو أكبر خدمة تقدمونها لإيران، فالمنطق العقلاني يقول بأن إغلاق الباب أمام مايسمونه «تمدد» الطموحات الإيرانية هو بإغلاق باب الفوضى، تحديداً أن التجارب التاريخية علمتنا بأن الفوضى هي وليمة دسمة تتقاسمَها كل الدول التي لديها مشاريع خارج سياق حدودها، إن كنتم ترون بأن هناك من يتاجر بالحرب اليمنية ليصطاد بوحول شعار «طريق القدس يمر بصنعاء»، أعيدوا الأمن لصنعاء وما حولها على الأقل ستسحبون ذريعة قد تسهم بإنهاء الأمر ببساطة، ماذا لو تحولت الأموال المدفوعة لشراء السلاح لقصف اليمنيين إلى برامج تنموية تُعيد إلى هذا البلد الأمن والأمان، هل سيبقى لما تسمونهُ «التغلغل الإيراني» مكاناً؟!
ربما تقديم وجهة نظرٍ مستقلة في قضايا كهذهِ لا تروق للطرفين، لكننا هنا لا نتحدث عن خلاف بوجهات النظر يكون فيها تفضيل فكرةٍ على فكرة أمراً ثانوياً، نحن نتحدث عن ضحايا ودمار وخراب ندفع ثمنهُ جميعاً بشكلٍ مباشر أو غيرِ مباشر ثم يجلس هناك من يصفق لانهيار مبنى ومحطة وقودٍ هنا أو ارتقاء عشرات الضحايا هناك!
هذه السلسلة من استسهالِ القتل التي أرادها أعداؤنا أن تصبح وجبة شبه يومية على موائدِ جراحنا لن تأتي بنتيجة، بل ستحولنا فعلياً إلى وحوش نراقب الموت كما تراقب الضباع مشاهدَ نهش بعضها البعض، هذه السلسلة من استسهالِ القتل لن تنتهي لا بنهايات «دينية» ينتظرها البعض وصدعَ رؤوسنا بربطِ أي حدثٍ في المنطقةِ بها، ولا بانكساراتٍ «عسكرية» بين طرفٍ وآخر.
هذه الحروب تأكلنا في حاضرنا ومستقلبنا ولا نزال نصفق لها بدل التفكير بمعنى أن يكون إعادة إشعالها فرصة جديدة لصب الزيت على النار والهدف هو الخليج العربي من دون استثناء، هل صحيح بأن قادة الإمارات وجهوا رسائل لدول «شقيقة» يؤكدونَ فيها عدم مسؤوليتهم عن المجزرة الأخيرة؟ معلومات قد تبدو جديرة بالاهتمام لأننا حُكماً سنكون أمام سلسلة من القصف والقصف المضاد، هل فعلاً يمتلك اليمنيون كل هذه التقنيات التي تصل حتى أطراف «كريات شمونة»!
كل الاحتمالات واردة، لكن دعونا ولو مرة نعطِ لفرضيةِ قيام طرف ثالث بإشعال النار كلما هدأ بركان الخليج العربي الاهتمام، تحديداً أن المستفيدين كثر بل لعل هذا الكلام يعود بنا إلى اليوم الذي تم فيهِ قصف «آرامكو» قبل سنوات، هل حقاً أن الصاروخ كانَ يمنياً؟!
ربما أن العقل العربي منذ الثورة العربية التي أطاحت بحكمِ دولة الإجرام العثمانية لم يعرف كل هذا التداخل والتضارب في الإستراتيجية السياسية والعسكرية التي حوَّلت هذا الشرق البائس من دون استثناء إلى ساحةٍ لتصفيةِ الحسابات، إلى حقل تجارب للأسلحة والتقنيات العسكرية الحديثة، لم يهددوا يوماً بأنهم سيدمروننا لكنهم فعلوا ما هو أقذر من التدمير، وما زلنا نردد شعارات تدميرهم! لذلك أن يكون التخبط والضياع هو سمة عامة يبدو الأمر منطقياً لكن اللامنطق أن نُلدغَ من الجحر ذاته ألف مرة!
هذه الحال لا يبدو بأنها سينتهي في القريبِ العاجل، هناك من يصفق للدمار والخراب، معذور فهو أقنع نفسه أن الطريق لتحرير القدس هو بزوال أنظمة دول الخليج العربي، ترى كم سننتظر؟ وبمعنى آخر لماذا عليّ أنا المواطن العربي أن أحمل راية تغيير الأنظمة وأنا رأيت وعشت ما جرَّته هذه الأكذوبة؟
بالسياق ذاته هناك من أقنعَ نفسه أن وقوفه بوجه أطماع دولة ما يكون بقصف وتدمير وتجويع دولة ثانية، هل مازلتم مقتنعين أن سلاح الجو قادر أن يقتلع شعباً من أرضهِ؟ هؤلاء ليسوا ميليشيا، هذا بلدهم لا علاقة لهم بمشاكلكم مع إيران أو غير إيران، أما من عاقلٍ يوقف كل هذا العبث؟
مازلنا نأمل ذلك، لكن الجنون عندما يضرب المنطقة لا يبدو بأن أحداً سيتم استثناؤه، حتى بعض السوريين الذي عاشوا ما عاشوه تناسوا ما يجري في الحسكة وما يعنيه قيام المحتل الأميركي بإعادة استنساخ داعش من جديد، وما قد يحمله الأمر من تطهيرٍ عرقي وجلس ليصفق لهذا الرد أو ذاك القصف، لماذا إصرار البقاءِ على هامشِ التاريخ!
 

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2022