الأخبار |
مصطفى الكاظمي: اختبار النجاح... فالبقاء!  المعلم “الملقّن” لم يعد ينفع.. مدارسنا بحاجة لمدرسين بمهارات عالية!  ما هي خطة ضم الضفة الغربية ووادي الأردن.. وما هي السيناريوهات المحتملة؟  قتل شقيقته ذبحاً بالسكين بعد أن اغتصبها.. والأب متورط بالقتل!  ماكرون يستبدل فيليب بكاستيكس: إصلاحٌ صوَري تمهيداً لانتخابات 2022  هل تعود السياحة في البلدان العربية إلى ما كانت عليه قبل كورونا؟  في مواجهة الحصار: فتّش عن الدعم الزراعي والصناعي  أنت جيّد وهم أنانيون!.. بقلم: عائشة سلطان  لمن ينتظرون فوز "بايدن" برئاسة الولايات المتحدة!!  تركيا تُغرق الاسواق بمليارَي دولار: التهريب يكمل ما بدأته العقوبات  البرلمان التونسي يرفض تصنيف "الإخوان المسلمين" تنظيما إرهابيا  حالات الإصابة الجديدة بكورونا في أمريكا تتجاوز 53 ألف حالة  لبنان يفتح حدوده البرية مع سورية الثلاثاء والأربعاء القادمين  الدوري الممتاز لكرة القدم… فوز حطين والوثبة والفتوة يشعل المنافسة على الصدارة والهبوط  ماذا يحدث على الحدود السودانية-الإثيوبية.. اشتباك مسلح يتصاعد بين البلدين فمن يقف خلفه؟  شكراً (كورونا )؟!!…بقلم: خالد الشويكي  عالم تنبأ بـ"كوفيد-19" يحذر من وباء أكثر فتكا في غضون 5 سنوات  إصابات وشفاء ووفاة واحدة.. تطورات "كورونا" في سورية  رجل ينتحر وسط بيروت ويترك على صدره رسالة “أنا مش كافر”!  شركة أمريكية تحصل على إذن المغرب لاقتناء مصنع للطائرات     

شعوب وعادات

2019-06-06 05:13:36  |  الأرشيف

يستضيفونها في يومياتهم فرحة العيد.. عزيمة تصنع الأمل ومحاولات للتغلب على التحديات الاقتصادية

يعيش السوريون في كل مناسبة حالة التناقض في المشاعر والأحاسيس، وأصبحت الابتسامة المرسومة على الوجه ترافقها دموع تغص بها العيون التي حرمتها يد الإرهاب الغادرة من رؤية أحبتها الذين كانوا يملؤون المكان، وبعد أن سالت دماء السوريين الطاهرة، يأتي عيد الفطر اليوم ليكون مناسبة نلقي فيها التحية والسلام على أرواح الأبرار الذين قضوا في سبيل أن تبقى الأرض، ومع الأمل الذي يولد من رحم المعاناة، ومن إيمان بغد أفضل، يحيي السوريون هذه المناسبة المباركة بعدما أدركوا هدف الحرب المسعورة المتمثّلة بسرقة هويتهم وتراثهم بما يملكونه في رسالة تحد وانتصار ومقاومة، ولإحياء المحبة والألفة من جديد، فكيف هي تحضيرات السوريين؟ وما هي أمنياتهم؟.
 
بشكل طبيعي
لم ترحم الأسعار الكاوية جيوب المواطنين الذين تكتوي أرواحهم في كل يوم منذ حوالي تسع سنوات بحقد الإرهاب، وما خلّفه من دمار وخراب على كافة الأصعدة، ليزيد التجار أصحاب النفوس الضعيفة الطين بلّة، فيقف الأهل عاجزين عن تلبية متطلبات أطفالهم الذين يتشوقون للعيد، ويبدو ذلك ظاهراً على وجوههم، فهم ينتظرونه من عام لآخر لارتداء الملابس الجديدة، وللحصول على العيدية من الأقارب والأحبة، ولأكل السكاكر والشوكولا، وركوب الأراجيح التي تغص بها بعض ساحات دمشق المعروفة، وها هو أبو نبيل يعود أدراجه من السوق حاملاً خيبة الأمل بعدم قدرته على شراء ألبسة جديدة لأطفاله، فهو بالكاد يؤمن قوت يومه، وتتساءل ربا عن دور الرقابة في كبح جماح التجار ممن يستغلون حاجة المواطن، ويرفعون الأسعار، فحتى الحلويات أصبح شراؤها حلماً بالنسبة للأسر السورية من أصحاب الدخل المحدود، أما أم جمال، وهي مهجّرة من داريا رأت بقدوم العيد، بالرغم من عدم قدرتها على شراء مستلزماته فما رأته من ويلات جعلها تحمد الله ألف مرة على أنها بقيت على قيد الحياة، وتحيي مع السوريين هذه المناسبة المباركة، وتكفيها روح جديدة تمنحها الطاقة والعزيمة تستمدها من هذه المناسبة، ويؤكد مروان على أن أعظم هدية يمكن أن تقدم في هذا العيد هي مشاركة أمهات الشهداء فرحتهم وليس حزنهم بكل عريس قدمنه فداء للوطن، وتكاد الكلمات تعجز عن التعبير عن مكنونات ما يعتمر صدر مروان من ألم وحزن على دماء السوريين التي هدرت في السنوات  الماضية، وكان دم أخيه البطل الشهيد قد سال مع شلال الدماء الذي سال بفعل تدبير أيد خبيثة تريد بوطننا السوء، وكذلك كان لعبير كباقي السوريين الشرفاء أمنية هي أن يأتي العيد القادم وتكون سورية تعافت من وباء الإرهاب الذي نهش بها، ويعود أبناء الوطن ممن غادروه تحت ظرف قاهر إلى ربوعه ليبدؤوا مسيرة جديدة عنوانها بناء سورية وتعميرها لتعود أجمل من ذي قبل.
 
بدورها أم عبده، وهي موظفة، قالت: نحن نحاول أن نتغلب على آلامنا وهمومنا، وأن نمارس حياتنا بشكل طبيعي، والاحتفال بالعيد، لكن الواقع يصدمنا، فالأسعار مرتفعة جداً، ولا نستطيع مجاراتها برواتبنا التي لم ولن تصمد أمام استغلال البعض للأزمة، والمتاجرة بنا وبلقمة عيش أولادنا، فهؤلاء زادوا من معاناتنا، وغيّبوا ليس فرحة العيد فقط، بل أيضاً نغّصوا أيامنا بهموم لا تعد ولا تحصى.
 
وشاركتها منى الحديث لتقول: كنا في السابق نعمل على صناعة الحلويات في منازلنا، ولكن في هذه الأيام الصعبة بات الأمر شبه مستحيل وغير مجد، لا من الناحية الاقتصادية، ولا من الناحية الاجتماعية النفسية في ظل ارتفاع التكاليف، وحالة القلق القابضة على يوميات حياتنا، إضافة إلى الحزن الموجود في البيوت، حيث الشهداء الذين نترحّم على أرواحهم الطاهرة، فمن أين يأتي الفرح؟ ومن أين تأتي البهجة بالعيد، والأهل والجيران ونحن نعيش أسوأ الظروف، وقلوبنا مجروحة وتنزف ألماً على بلدنا وأولادنا الذين يستبسلون في الدفاع عن بلدهم وعن حياتنا، والذين نقول لهم: عشتم وعاش الوطن عزيزاً كريماً حراً أبياً، ونقول لأبطال جيشنا الباسل، ولشعبنا الصامد: كل عام وأنتم وبلدنا بألف خير.
 
واقع الأسواق
 
هذه الحوارات كانت جزءاً من اللوحة التي حاولنا رسمها حول واقع الأسواق التي كنا نعتقد أنها ستكون في قمة نشاطها، فقد توقعنا أن نجد، “كما في الأيام السابقة”، كل شيء نابضاً بالعيد، فالفرح والأمان وضحكات الأطفال كانت رغم التحديات في كل مكان، ولكن للأسف الصورة لا تخلو من المشاهد  المأساوية، فالآلام والأوجاع كانت حاضرة في كل بيت، وعلى كل وجه، والحياة تنزف بؤساً وحاجة، والأسواق تئن من وطأة الغلاء، وهجرة الأمان  والأحباء والأصدقاء، ورحيل الزبائن، فالشوارع والمحلات التي ازدحمت واجهاتها بكافة الأزياء والتنزيلات التي تدعو المارة للدخول والتسوق لم تكن كسابق عهدها بعد أن افتقدت لأهم مكوناتها، حيث غاب الزبائن في زحمة الحاجة، وإن وجدوا فهم يتجولون بجيوب خاوية تقرع فيها طبول الإفلاس، فكانوا كما يقولون: (العين بصيرة واليد قصيرة)!.
 
 
 
بفارغ الصبر
 
خلال جولتنا في الأسواق التقينا العديد من الأشخاص، منهم من كان يحمل أكياساً تحوي بعض مستلزمات العيد، حيث أكدوا أن جولتهم هذه هي تتويج لأشهر من الاقتصاد بالمصروف الضئيل، وتخزين الفائض المتواضع والإلزامي لمثل هذه الحالات في المطمورة التي تحفظ لهم ماء وجههم في المجتمع، وترسم البسمة على وجوه أطفالهم الذين ينتظرون العيد بفارغ الصبر، وقد تحوي هذه المطمورة ثمن بعض المصاغ الذهبي الذي تم بيعه للمساعدة في التغلب على ظروف الحياة، كما أشاروا إلى أن أسعار بعض المواد قد تكون مقبولة ومتناسبة مع التكلفة، إلا أنها لا تتناسب أبداً مع الحالة الاقتصادية والدخول، وخاصة في هذه الظروف الخانقة وأزمتها، ولفتوا إلى ارتفاع أسعار بعض المواد بشكل غير مقبول، واللافت في حديث هؤلاء تبريرهم لتصرف أصحاب المحلات الذين يحاولون تعويض ما فاتهم من أرباح خلال موسم العيد.
 
أما القسم الآخر فكانوا من المتفرجين الذين يتجولون في الأسواق بحثاً عن التسلية وتمضية الوقت في الوقوف طويلاً أمام الواجهات، وإطلاق الوعود لأنفسهم ولأطفالهم باقتراب الفرج، وموعد التسوق، فأم محمد التي اعتادت شراء الكثير من الأغراض للاحتفال بالعيد، تحاول الآن جاهدة تركيز اختيارها على الأمور الضرورية، فقد اختصرت جولتها التسويقية على بعض المواد الخاصة بالضيافة، أما خليل الذي كان يركض وراء أولاده الذين يتسابقون إلى المحلات لشراء ملابس العيد فقد أكد أنه اكتفى بشراء ما يسعد أطفاله فقط، واشتكى من الغلاء الفاحش، وارتفاع  الأسعار بشكل لا يصدق، فملابس الأطفال باتت خارج السيطرة، وتعيش حالة جنونية لم تشهدها السوق من قبل.
 
رسالة تحد
 
تفرض علينا الأحداث الدامية ضرورة المحافظة على مشاعر الآخرين ممن فقدوا عزيزاً أو غالياً، فمع اختلاف الظروف أصبح العيد يحمل معاني مختلفة، ومظاهر جديدة يحيي السوريون بها عيدهم كزيارة الجرحى والمهجّرين في مراكز الإيواء، وذوي الشهداء، والتواصل معهم، وتقديم أي نوع من أنواع المساعدة، مادية كانت أو معنوية، لأن النصر لا يكون إلا بالتكاتف، والإحساس بمعاناة الآخرين ومساعدتهم، طالما أن الإرهابيين ومن وراءهم يراهنون على إضعافنا وتفككنا، نهزمهم نحن بزيادة تلاحمنا، فلم تكن سورية، قيادة وشعباً، لتصمد لولا اتحادنا جميعاً، وثباتنا في أرض المعركة، والدفاع عن حقنا وكرامتنا، كلاً حسب موقعه، فالمدرّس، والطبيب، والمحامي، والصحفي، كلهم جنود لبّوا نداء الوطن، وتمسكوا بالأرض عندما تخلى عنها آخرون ممن باعوا أنفسهم بحفنة من الدولارات، وهؤلاء سينكرهم الوطن والتاريخ.
عدد القراءات : 6125

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245569
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020