قناعات الشعب

الضرورة تدعونا لتفحص مجريات الأمور الحادثة بين هنا وهناك، كي لا نستسلم للواقع، والوقائع تريدنا أن نبقى بين الوحي والجنون، أي من دون توجيه أشعة الفكر إلى الأحداث وما يرافقها، فنرى تنازعاً للعواطف وثورانات مزبدة متوعدة وحنق من الكثرة على الندرة وعلى بعضها، فكيف بالدولة وعقلها الكبير يوافق بين التطلعات والمتطلبات المحقة والجائرة، فالطرفان الحكومة والشعب وصلا إلى حدود التطرف برأي المراقب والمحلل المتابع، فهل غدونا من أصحاب الشخصيات المزدوجة؟ وهنا أشير إلى أن الحكومة التي تهمل قناعات شعبها يواجهها الشعب برفض التجاوب معها وإهمال طروحاتها، كما أن أي حكومة لا تحمل منشأً وطنياً ولا تكون أهدافها متصلة بأهداف أبنائها تكون في عزلة، ومهما بلغت من قوى تحميها أو تحمي أفرادها، وجميع المواقف السلبية التي تتخذها وتظهر منفصلة عن المواطنين تكون ناتجة عن عدة أمور، إما عن جهل بقدرات مواطنيها ومقدرات الوطن، أو قراءات خاطئة للواقع واحتياجاته، أو تنفيذ للمطلوب العالمي الذي يسعى جاهداً أن يبقي الحال في وضع السجال المستمر، وبه يحقق منع التطور والدخول من النوافذ واستثماره في حالة الوهن الناشئة عن ذلك، وتبقى بوجود ذلك الدولة والشعب من دون نتائج.
 هل الضغط وحده يكفي، وتطبيق القوانين والنظم المنفذة لها يفيد؟ أم إن إنجاز التوزان بين الدخل والإنفاق بين المنطق وضده وبالشكل المعقول يؤدي إلى تحقيق المراد على طريق النهوض.
 ما مشاعر الطرف الآخر؛ أي الشعب؟ ألا يتحدث المثل الشعبي بأن تكون ضربة على الحافر وضربة على النافر في حال وجود التنافر؟ والمراد ما نشير إليه أن نورث الحب، وبه وحده يتم نفي الأحقاد، وننهي الضغائن، فالشعب جاد، لا يعرف إلا الأحنّ عليه، ولا يلقي بالاً إلى الصغائر من الأمور، لأنه يجري لبناء الروابط الحياتية التي تجعله مستمراً، وهو المضي قدماً فيها، يريدها تذكرة وللقائمين على شؤونه، والذكرى تنفع المؤمنين بالوطن والحياة، وتشحذ العزائم والهمم، إنه يريد نهضة وطنية، لا يريد اجترار الذكريات الواقعة بين المأساة والملهاة، ها هو نجده، أي الشعب، يحب الحب، فللحب المقام الأكبر في الحياة وفي كل حياة، لأنه وحده الذي يخلق الحياة، ويحوّل كل أشكال القسوة والبشاعة إلى لين وجمال ونهوض وإبداع، ونحن البشر أدركنا في اللاوعي والوعي أنه الشيء الوحيد الجميل الذي نحيا، أو يجب أن نحيا لأجله، فالحب دائماً يسعى للاتصال مع كل الأجناس، وهو وحده الحقيقة الوجودية التي لا سبيل لنكرانها، ومن دونها يكون الانكسار.
معنى الوصول لمراكز إدارات الوطن هذه الممهورة بالعمل بإخلاص، إخلاص للدولة ولقائد الدولة وللسمعة العامة والخاصة، إخلاص لتحقيق مصالح الشعب وتعزيز وجوده وانتمائه، وفي الوقت ذاته فقدان للحرية الشخصية من أجل الحرية العامة والاستقلال الذاتي والكارثة الكبرى في تضخم الأنا، واعتبار الصفة شخصية، والطامة الكبرى تكمن في أولئك المتوسلين بالخبث، بالوصول إلى الإدارات، ولأولئك المسارعين المستخفين بالكرامة الوطنية، ولكن لا كرامة لهم، وإذا أصبح الإنسان على ما غير عليه، من دون جهد أو علم، فلا معنى لوجوده، مثلهم مثل من يعني لهم الجنس لقاءً مادياً بين جسدين، من دون فهم لحاجاته، وأنه قيمة حياتية، ومفهوم بناء تسكنه نواة الحياة الأولى والتكوين الدائم فيها، كما يجب ألا تكون العلاقة بين الشعب والحكومة قائمة على التشابه مع الجنس، لأنها أسمى من الجنس وأبعد من الحب بحكم علاقتها بالقوانين التنفيذية الوضعية والروحية وضرورة قيامها بضبط الخلل وعدم الاكتفاء بذلك بل علاجه، والحقيقة الفريدة التي تؤسس لحضور أي ثقافة، ومعه تتشكل القوة الاجتماعية البناءة، فهو ليس عملية عابرة بين ذكر وأنثى، ولا علاقة جسدية صرفة بين كرسي ومؤخرة تجلس عليه، إنه نموذج يجب أن يأخذ بالطرفين إلى التكامل مع الوطن والمواطن، بين الإنسان والجغرافية وأدواتها، والشعب مع حكوماته المتعاقبة وقيادته الإستراتيجية.
متى يتدحرج الرخاء على مواطني هذه الجغرافية، وينتهي الظلام الذي لا يلفه وحده، إنما يغطي الكون من أقصاه إلى أقصاه، بغاية تحرير الإنسان من الظلمات الفكرية، التي تسيطر عليها الأنا؟ مؤكد إنها مسؤولية الحكومات، فإذا لم تصارح شعوبها تتحمل مسؤولية انحدار التجاوب معها، وهدف القائد الرئيس في هذا الوطن تحرير مواطنيه من الجور اللاحق بهم من الندرة المستفزة لهم والضاغطة عليهم وإيصالهم إلى قناعات وطنية تريحهم، ولو بالحد المقبول، من دون تمييز في الدين أو المذهب أو العقيدة، إنه يسعى لتحريرهم من أرباب قناصي قوتهم من البغاة الوالعين في الدماء؛ دماء البشر والحيوان والنبات والتراب، وبهذا ربما نجيب على ظن الكثيرين من أبناء وطننا عندما يحاولون تفسير متناقضات حياتهم العامة والخاصة أمام كثرة الخلل المنتشر بين ما يحيونه، والواقع الذي يدركه الندرة، ولا تصل إليه الكثرة بسبب الشروخ الاقتصادية ومفاهيم الطرفين، فإذا انعدمت الروابط، فالفكر يطرح الحلول الإنسانية، ويشير إلى ضرورة الوصول إلى العقلانية المقنعة، والسياسة العليا تساعد دائماً على تنظيم العلاقة بين مفاصل الدولة التي تدعو إلى الانتظام البشري والانضمام لسلطة القانون، بينما الواقع يقول: لا بد من وجود الفساد والخلل والجرائم والسجون ودور العبادة ومواخير الدعارة ومخططي الحروب والأوبئة والنجاح والفشل والحب والكراهية، ولكن بشكل نسبي يسمح للدولة بمراقبته والسيطرة عليه، لأنه جزء مهم من فلسفة استمرار الحكومات وحقيقته الكونية المختصة بالبشر، فحالنا يتشابه في كثير من مفاصله مع الواقع العالمي، الذي يؤكد أن الكثير يتملكه الحيرة بسبب وجودِ كمٍّ من الأسرار التي لم تقدر حياتنا الاجتماعية وحكوماتنا الاقتصادية على تفسيرها، فهل علينا التمسك في الرفض، ونحن نرى الخلل يهيمن على مقدرات الحياة، ويتسع ويتمدد؟ أم علينا الوقوف بوجهه ومحاربته مع تذوق الحياة والتقاط الجمال والتعامل معه على أنه الحياة والشوق الدائم للتعلق بها، فالعالم يشبه حظيرة مسورة، والقفز خارجها يعني الدخول في المجهول الذي يوصف نتائج أفعال الخير والشر في عالم الآخرة، فهل هناك من منتظر للوصول إليها؟ إنه الحياة بكل ما فيها، ولكل فيها سعيه وسعادته وشقاؤه، فلسفته الاستمرار بالأثر لا بالجسد.
هل تستطيع الحكومات تغيير قناعات شعوبها وتوجيهها نحو الإدراك الوطني الواقعي والإستراتيجي بعيداً من الارتجال اللحظي الذي تمر به أثناء الأزمات، والذي يولد الهوات، ويزيد من شرخ العلاقة فيما بينها؟ إنه ممكن وتقدر، إن مارست الشفافية، واستندت إلى أسس وقواعد بناء المجتمعات الواقعة بين الممكن تحقيقه، وغير الممكن يمكن تأجيله، والمستحيل الذي لا يمكن تحويله إلى ممكن إلا بتوافر الإمكانات.
قناعات الشعب تؤمن بسياسة وحكمة قائده الرئيس، مستمرة معه، تدعم توجهاته في الإصلاح ومكافحة الفساد وإبراء مفاصل الدولة الخاصة والعامة من المتسلقين والمتملقين، الذين جثموا على حركته ومنع تطوره، وباعتقادهم أنهم محجوبون غير منظورين، وإذا كانت الظروف خدمت وجودهم، فهذا لا يعني أن متابعتهم لم تكن دقيقة، وإرادة قائد هذا الشعب إنهاء هذه الحقبة التي تراكمت فيها الخطيئة إلى حدٍّ كبير، ودخول عام الحادي والعشرين دخولاً مهماً لبناء وتحقيق بداية أكثر من واضحة، تعتمد المعايير والأسس العلمية والروحية والإيديولوجية، هذه التي يجب أن تنصهر في بوتقة بناء الوطن والإنسان، يُمنع فيها إحداث الخلل أو ارتكاب الخطايا.
قناعات الشعب موجودة لديه، كما لدى شعوب العالم أجمع، تشترك في أحلامها وآلامها، لا مطلب لها سوى إنصافها ضمن المسموح والمعقول، وغير ذلك يعني استمرار الانتهاكات، واستمرار الخلل فيما بينها وبين حكوماتها. 
 

د. نبيل طعمة


Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2020