لحظة أمريكية حرجة.. بقلم: مفتاح شعيب

ربما لم يشهد تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية حالة ترقب وقلق على موعد انتخابي رئاسي، مثلما هو حال استحقاق الثالث من نوفمبر المقبل، فالاستعدادات مرتبكة والإجراءات غير واضحة، والمواقف متضاربة بين الرئيس دونالد ترامب الذي يتمنى تأجيلها، وبين الديمقراطيين وقطاع من الأمريكيين الذين يتمسكون بموعدها، وبعضه يرجو لو تكون سابقة لأوانها.
كل المؤشرات تشير إلى أن الاقتراع سيكون في وقته، لكن الإطار السياسي العام مختلف بسبب الأوضاع الحرجة التي تمر بها الولايات المتحدة. وبسبب جائحة فيروس كورونا، تعيش البلاد شللاً غير مسبوق على الصعد كافة، فيما تستمر منذ أشهر التظاهرات المناهضة للعنصرية احتجاجاً على مقتل الشاب الأسود جورج فلويد خنقاً تحت ركبة شرطي أبيض، وهناك نذر لتطورات سيئة، لا يستبعد بعض الخبراء أن تتحول إلى عنف دام بين فرقاء مختلفين، في ظل مواقف رئيس مزاجي يريد البقاء لولاية ثانية بأي ثمن، ويعيش في أزمة نفسية حادة تصور له أن «مؤامرة» تحاك ضده وأن منافسه جو بايدن «النعسان» سيختطف منه البيت الأبيض ويلقيه بين أنياب الصحافة لتنهش فيه بعدما راكمت له ملفات تضم فضائح مدوية وستفتحها تباعاً لسنوات إذا فشل في الانتخابات وجاء الرئيس الأمريكي السادس والأربعون.
من وقت مبكر قبل إجراء الاقتراع، يبدي ترامب نيته أنه يمكن ألا يعترف بالنتائج، خصوصاً في ظل إعلان ولايات عدة أنها ستجري انتخاباتها عبر البريد، ضمن إجراءات وقائية لحماية مواطنيها من الإصابة بفيروس كورونا جراء الانتخابات. والتصويت عبر البريد هو الكابوس الذي يزعج ترامب، وهو الذريعة المرشحة لخلق ما يشبه الأزمة الدستورية إذا جرت النتائج بما لا يشتهي مرشح الحزب الجمهوري. واستعداداً لهذه الأزمة المحتملة بدأ الطرفان يتجهزان. وبعدما ألمح ترامب إلى أنه يمكن ألا يغادر موقع السلطة إذا لحقته هزيمة يطعن فيها، قالت رئيسة مجلس النواب والقيادية الديمقراطية نانسي بيلوسي، إن الديمقراطيين يعرفون كيف يخرجونه من البيت الأبيض إذا تمرد على إرادة القرار الانتخابي، لكن المشكلة التي يمكن أن تطرح مع تلك الفرضية أن يتم اللجوء إلى القضاء، ما يعني أن القضية قد تستمر شهوراً، وبموازاتها ستستعر حرب إعلامية شرسة بين الطرفين، وإذا نزلت إلى الخصومة إلى الشارع، فليس هناك ما يمنع من حدوث أعمال عنف يقودها البيض المتعصبون لترامب، وبدأت نذرها في الاعتداءات التي استهدفت التظاهرات المناهضة للعنصرية.
وضع الولايات المتحدة المتردي سيواجه لحظة حرجة إذا أضيف له أزمة دستورية تضاف إلى الوضع الاقتصادي المتدهور جراء جائحة فيروس كورونا، والانتفاضة المستمرة على التمييز، وصول إلى الانهيار الواسع الذي أصاب السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وحين تتجمع كل هذه العوامل فستصنع واقعاً أمريكياً غير مسبوق، ولا يمكن التنبؤ بمآلاته، رغم الإيمان القاطع بأن الولايات المتحدة دولة مؤسسات عريقة وذات تقاليد في ممارسة السلطة وإدارة الأزمات، ولكن ذلك يشترط التعقل وسيادة خطاب مسؤول يعترف بمشكلات الواقع، وليس القفز عليه والسقوط في المجهول.
 

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2021