دكتوراه في الوهم والخيال.. بقلم: أمينة خيري

لا نزال في خانة اكتشاف وانكشاف المزيد عن «المعضلة الاجتماعية»، أو «الوجه الأسود للحياة الرقمية». هي اكتشافات وانكشافات، لا تنال من قيمة وأهمية وضرورة الرقمنة في حياتنا، لا سيما في زمن الوباء. فإذا كانت الشبكة العنكبوتية وتطبيقاتها العديدة، ومناهلها التي لا تنضب، ساهمت في تقليص حجم الخسائر الناجم عن جائحة «كوفيد 19» في العمل والتعليم والصحة وغيرها، فإنها أيضاً ليست منزوعة المخاطر. الإفراط في الاعتماد على منصات التواصل الاجتماعي، والإغراق في الدردشات العنكبوتية، وفتح الأبواب على مصاريعها أمام الانضمام لمجموعات وصفحات على «فيسبوك» و«تويتر» و«واتس آب» وغيرها، كنوع من تعويض الخواء الناجم عن التباعد الاجتماعي في زمن الوباء، ألحق الكثير من الضرر النفسي بالبعض. إدمان الالتصاق بالشاشة، وعدم توقف ذبذبات وإشعارات وصول رسائل جديدة، ربما يستوجب بعضها الرد الآني 24/‏‏7، كفيل بالتسبب في الضغط النفسي والتوتر العصبي.
عجيب إذن أمر هذه المجموعات والصفحات التي تهدف في الأساس إلى انتزاعنا من وحدتنا، وتهوين تباعدنا، وتعويضنا عما نفتقده من تواصل بشري، ثم إذا بها تتحول إلى مصدر إضافي للقلق والتوتر. لماذا؟ لأننا لم نبادر إلى رسم الحدود، وتحديد القواعد التي تقينا شرور انقلاب الشيء إلى الضد. المؤكد أن عاماً وبضعة أسابيع من عمر الوباء، أدت إلى زيادة ملحوظة من قبل سكان الكوكب المتصلين بالإنترنت، للإسراع بالانضمام إلى جماعات عنبكوتية، علها تسندهم في الزمن الصعب. لكن المؤكد أيضاً، أن الهروب إلى أحضان التواصل الافتراضي ليس مأموناً مئة في المئة. هو هروب مفهوم ومقبول، لكن حتى يكون مأموناً، ينبغي أن نذكّر أنفسنا دائماً بالأهمية القصوى للاحتفاظ بالقدرة على الضغط على المكابح في الوقت المناسب.
وفي الوقت المناسب أيضاً، تتدخل الدول لحماية شعوبها من أخطار عنكبوتية تلوح في الأفق، وتتفاقم في زمن الوباء. قبل أيام، حذر قانونيون في الإمارات، من مخاطر الانصياع لدعوات التبرع عبر رسائل «واتس آب». وقد لوحظ في الأشهر القليلة الماضية، تزايد في رسائل يتم تداولها، يطالب أصحابها بمساعدات سريعة لغرض علاج مرضى، أو سداد مصروفات مدرسية، أو مساعدة أسر فقيرة. ولأن الخير سمة أهل الخير، فإن كثيرين يتجاوبون مع هذه الرسائل غير معروفة المصدر، ويتبرعون بحسن نية، وذلك دون التأكد من المطالب بالتبرع ومصير التبرعات.
ومن التبرعات إلى الاحتيال العنبكوتي أيضاً، والمزدهرين في زمن الوباء. العام الماضي، تقدم برلماني لمجلس النواب في مصر، بطلب إحاطة للحكومة المصرية، حول تعدد جرائم النصب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من قبل أشخاص أو عصابات تدعي أنها فرق طبية تجري تحاليل «كوفيد 19»، في البيت، في مقابل مبالغ أقل بكثير من كلفة التحليل العادية.
ولأن غياهب النصب العنكبوتي عميقة وكثيرة، فإن أصحاب الأدمغة الابتكارية الإجرامية، لا يكلون أو يملون من ابتداع وسائل نصب إلكتروني، ينجح بعضها في إقناع المستخدمين بجدواها. فمن بضائع مضروبة، إلى تبرعات وهمية، وخدمات خيالية، ودورات تدريبية تمنح درجات علمية، يصل بعضها إلى الدكتوراه، يقع البعض فريسة لقلة الوعي العنكبوتي، واستسهال الدق على زر «قبول»، أو ملء خانة المعلومات البنكية أو ما شابه. وقد وصل الأمر بالبعض، إلى حد تقمص صفة وزارة أو هيئة رسمية، لجمع معلومات شخصية عن الأفراد، ومطالبتهم بحوالات مالية، في مقابل إرسال مساعدات حكومية لهم. حتى رحلات العمرة والحج لم تسلم من ابتكارات النصب والنصابين.
ولا تخلو مواقع التواصل الاجتماعي هذه الأيام، من إعلانات وتنويهات عن شركات وهمية، تقول إنها توفر الآلاف من فرص العمل عن بُعد، مراعاة لظروف الوباء. وبعد سلسلة من الاختبارات الإلكترونية ومقابلات عنكبوتية، يتم قبول المتقدم، بعد سداد مبالغ تصل إلى بضع مئات من الدولارات «قيمة إنهاء إجراءات التوظيف»، وهي المرحلة التي تختفي بعدها الشركة، وتتبخر في أثير العنبكوت.
العنكبوت وشبكته ومنصاته وتطبيقاته، يسدي لنا خدمات أكثر من أن تعد أو تحصى. لكنه في الوقت نفسه، ليس «يوتوبيا» منزوعة الشرور. إنها سُنّة الحياة، بما فيها الحياة على الأثير. وشأنها شأن الحياة العادية، تحتاج الحياة على الأثير الرقمي إلى تنظيم وتعقُّل. ولا تستوي حياتنا عليها – لا سيما في ظل اعتمادنا المتعاظم عليها في زمن الوباء - إلا بجناحي التنظيم القانوني، حيث المراقبة والثواب والعقاب، والتعقل الفردي. والتعقل الفردي، قوامه ثقافة رقمية، ووعي بحقيقة مواقع التواصل الاجتماعي، دون تهويل أو تهوين. هذه الثقافة وذلك الوعي، يتيحان لنا كأفراد، أن نتنقل ونسبح ونغوص ونطفو على الأثير الرقمي، بأقل أضرار ممكنة.
الواقع الرقمي في حياتنا صار ضرورة حتمية. لكن الوقوع في براثن مزيد من الضغوط النفسية، أو وقوعنا ضحايا عمليات احتيال، أو الدق دون تعقل ليست ضرورة. دكتوراه النصب سهلة، لكن شهادة الوعي صعبة.
* كاتبة صحافية مصرية
 

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2021