بايدن يهادن بوتين: «همُّ» الصين يكفينا

ركن الرئيسان الأميركي جو بايدن، والروسي فلاديمير بوتين، إلى هدنةٍ تصبُّ، خصوصاً، في مصلحة الولايات المتحدة الساعية، على ما يظهر، إلى الحدِّ من المناكفات «الجانبية» للتركيز على درء «الخطر» الصيني وما يمثّله صعود بكين من عائق أمام «العودة» المؤمّلة لتزعُّم أميركا عالم ما بعد خفوت الهيمنة. في ضوء ما سبق، حاول بايدن تصوير روسيا على أنها لسيت منافِساً مباشراً للولايات المتحدة، بل مجرّد لاعب ثانوي «يستميت ليظلّ قوّة كبرى»، في موازاة اشتغاله على وقف تدهور العلاقات بين البلدين ودرء خطر نشوب «صراع نووي».
 
لا انطباع واضحاً يمكن الخروج به من القمّة التي جمعت الرئيسَين الأميركي جو بايدن، والروسي فلاديمير بوتين، في جنيف، أوّل من أمس، سوى أنها سعت إلى ضبط بعض العناوين الخلافية بمحدّدات ترجئ استعارها إلى وقتٍ آخر مناسب، لا تكون فيه الولايات المتحدة منشغلة بمنافستها الأهمّ و«الأخطر»، الصين. لهذا، يصبح الحدّ من المناكفات «الجانبية»، بما يسهّل الالتفات نحو القضيّة الأبرز، في صلب المصلحة الأميركية، قبل الروسية. ولربّما كانت إشارة بايدن إلى أن جلّ المسألة «لا يتعلّق بالثقة، بل بالمصلحة الذاتية، والتحقُّق من المصلحة الذاتية» الأكثر دلالة في سياق محاولة فهم وجهة السياسة الخارجية للإدارة الجديدة، وما تبتغيه من تعزيزٍ لمصالحها على مستوى العالم في المرحلة المقبلة، تحت شعار «أميركا عادت».
 
شعارٌ تشتغل الإدارة الأميركية على ترسيخه، والتطبيع معه وكأنه واقع لا مناص منه في ظلّ تبدُّل الحُكم، وما حمله من «سقوط» لأجندة دونالد ترامب، «أميركا أوّلاً». لكن دون الشعارات الكثير من العقد التي باتت تحول دون استرجاع أميركا «زمنها الجميل»، منها خصوصاً تجاوُز العالم مرحلة الحرب الباردة، والريادة الأحادية، في ضوء صعود القوى المنافِسة، وعلى رأسها الصين وتالياً روسيا. إزاء ما سبق، تُفهَم محاولة الرئيس الأميركي، في أولى جولاته الخارجية، لتصوير موسكو على أنها ليست منافِساً مباشراً لواشنطن، بل مجرّد لاعب ثانوي «يستميت ليظلّ قوّة كبرى»، في عالم تنشغل فيه الولايات المتحدة أكثر بالصين، مكرِّراً بذلك نهج الرئيس الأسبق، باراك أوباما، الذي صوّر روسيا على أنها «قوّة إقليمية». «روسيا في وضع صعب للغاية الآن. الصين تُضيّق عليها بشدة... لكنّ الروس لا يريدون أن يوصفوا بأنهم، كما قال بعض المنتقدين، فولتا العليا بسلاح نووي»، على حدِّ تعبير بايدن الذي يريد، وفق ما يرى مراقبون، العمل توازياً على وقف تدهور العلاقات الأميركية - الروسية ودرء خطر نشوب صراع نووي، مع الاستمرار في التقليل من شأن روسيا. ويتّضح بعد القمة التي هوّن مسؤولو البلدين من فرص تحقيق انفراجة في خلالها، أن هؤلاء كانوا على حقّ، خصوصاً أن شيئاً لم يتحقَّق، سوى لجهة تعهُّد الزعيمَين بمواصلة العمل على الحدّ من التسلُّح، وأمن الإنترنت، والبحث عن مجالات للتعاون. ويرجِّح مسؤولو الإدارة الأميركية أن يؤتي نهج بايدن تجاه روسيا ثماره، ولا سيما أن توقيت اجتماعه ببوتين بدا مناسباً، لناحية أنه جاء مباشرةً بعد حشد الرئيس الأميركي تأييد حلفاء بلاده التقليديين لمفهوم التمسُّك بـ«نظام عالمي قائم على قواعد»، في اجتماعات «مجموعة السبع» في بريطانيا، وفي محادثاته مع دول «حلف شمال الأطلسي» في بروكسل، ولقائه مع قادة الاتحاد الأوروبي. وعلى رغم استمرار التباينات والثقل الذي أرخته رئاسة ترامب على العلاقات بين ضفتَي الأطلسي، تمكّن بايدن، في قمّته مع بوتين، من الركون إلى دعم حشد وازن من الحلفاء لتوجّهاته تجاه موسكو وبكين، من أبرز تعبيراته دخول «الناتو» على خط لجم الاندفاعة الصينية.
في الصورة العامّة، إذاً، كان لقاءً أوّل لا بأس به، التقط فيه الطرفان الأنفاس في انتظار مآل الاجتماعات التي ستتواصل بين البلدين. وبدا لافتاً أن الرئيسين لم يعقدا مؤتمراً صحافياً مشتركاً، إلّا أن الحوار من خلال مؤتمرَيْن صحافيَّيْن متتاليَيْن، اتّسم بتوازن أكبر. وقال الرئيس الروسي، متحدّثاً عن بايدن: «تحدَّث عن عائلته وما كانت تقوله له والدته... وهذا يكشف الكثير عن قيمه الأخلاقية وهذا مثير للاهتمام»، فيما لفت الرئيس الأميركي إلى أن اللقاء، الذي استمرّ أكثر من ثلاث ساعات، لم يتّخذ طابعاً رسمياً. وقد أعرب الطرفان عن ارتياحهما للمحادثات «الإيجابية» اللهجة بحسب بايدن، و«البنّاءة والخالية من العدائية» بحسب بوتين. ويرى الباحث في مركز «ويلسِن سنتر» للأبحاث، يوفال ويبر، أن أجواء اللقاء «كان يمكن أن تكون أسوأ بكثير. فكان بالإمكان أن يتبادلا الشتائم ويُملي أحدهما دروساً على الآخر أو أن يدور بينهما حوار طرشان». لكن هل سيفضي ذلك إلى تحسُّن فعلي في العلاقات؟ حتى الآن، يُسجَّل غياب شبه تام للنتائج الملموسة، على رغم إشارة بايدن إلى وجود «أفق فعلي لتحسين العلاقات بشكل كبير». من جهته، «لا أوهام» لدى الرئيس الروسي، إلّا أن هناك «بارقة أمل ببناء الثقة المتبادلة، والاتفاق لحلّ كلّ القضايا العالقة مع الولايات المتحدة»، مشيراً إلى أن «الجانبين أبديا رغبة في إيجاد سبل لتقريب المواقف». وفيما وصف بايدن بأنه «شريك بنّاء ومحنّك»، وقال إنهما تحدَّثا «باللغة ذاتها»، لكنه أكد أن القمّة التي خَلَتْ من أجواء الصداقة، كانت أقرب إلى حوار «براغماتي» عن مصالح البلدين.
وعلى رغم تطرّق أوّل قمَّة للرئيسين إلى طَيْف واسع من الملفات، إلّا أنّ البيان الختامي المشترك لم يتناول سوى قضايا الرقابة على الأسلحة الاستراتيجية والحدّ من مخاطر نشوب نزاع نووي. ولفت بوتين وبايدن، في بيانهما، إلى أن روسيا والولايات المتحدة، حتى في سنوات التوتّر، أظهرتا قدرتهما على تحقيق أهداف مشتركة لضمان الاستقرار الاستراتيجي. وجاء في نص البيان الذي نُشر على الموقع الرسمي للكرملين، مساء أوّل من أمس: «يدلّ التمديد الأخير لمعاهدة الحدّ من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية (ستارت 3) على انحيازنا إلى الرقابة على الأسلحة النووية»، مؤكداً انحياز موسكو إلى مبدأ عدم نشوب حرب نووية. وأضاف الرئيسان أنه من أجل ذلك تعتزم روسيا والولايات المتحدة بدء «الحوار الثنائي الشامل حول الاستقرار الاستراتيجي الذي سيكون موضوعياً ومكثّفاً».

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2021