بايدن وملف الغاز في أوروبا.. بقلم: الحسين الزاوي

تسعى واشنطن عبر سياسة الترغيب والترهيب من أجل محاصرة مشروع أنبوب الغاز «سيل الشمال 2» الذي يربط روسيا بألمانيا بشكل مباشر عبر بحر البلطيق، وقد بذلت الرئاسة الأمريكية منذ أن كان بايدن نائباً للرئيس، جهوداً كبيرة لعرقلة هذا المشروع، كما عمل البرلمان الأمريكي أيضاً على الضغط من أجل دفع البيت الأبيض إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لتعطيله؛ وذلك لأسباب لا ترتبط فقط بالجوانب الجيوسياسية التي من شأنها أن توثق علاقات روسيا مع أوروبا، ولكن أيضاً لعوامل تتعلق بمصالح تجارية وربحية تقف وراءها شركات الطاقة وإنتاج الغاز الصخري في أمريكا، كما يوضح ذلك الخبير بيير رايمبير.
وتهدف هذه الضغوط الأمريكية إلى تحويل أوروبا إلى سوق مفتوحة لصادرات الغاز الأمريكي، لاسيما أن العديد من الدول الأوروبية المعتمدة في حماية أمنها على حلف «الناتو»، وفي مقدمتها بولونيا والدانمرك، تدعم هذه الضغوط لأسباب تتعلق بعداوتها لروسيا؛ وبالتالي فإنه ليس من باب الصدفة أن تستثمر واشنطن التوتر القائم بين روسيا وأوكرانيا لتصعيد الموقف، وتهييج الرأي العام الأوروبي ضد روسيا ومصالحها في القارة العجوز، وتعدّ تصريحات بايدن الأخيرة أبرز مثال على ذلك.
ويرى المراقبون أن التوتر الذي يسود العلاقات بين روسيا وأوروبا الغربية مند سنة 2014، يشير إلى أن هناك مناورات تقوم بها القوى الكبرى ذات صلة بملف الطاقة في أوروبا، والذي تتقاطع بشأنه الاستراتيجية الروسية والمطالب الأمريكية، فضلاً عن المصالح الألمانية التي تسعى من خلالها برلين، إلى المحافظة على زعامتها شبه المطلقة داخل الاتحاد الأوروبي وبخاصة بعد «البريكست» البريطاني. 
وهناك بموازاة ذلك قناعة راسخة داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بضرورة أن تظل أوروبا سوقاً مفتوحة لصادرات الطاقة العالمية، لاسيما الأمريكية منها؛ لذلك فقد أكد المسؤول الأوروبي السابق جونكر خلال زيارته لواشنطن في يوليو/تموز 2018، أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى استيراد كميات أكبر من الغاز الأمريكي من أجل تنويع مصادر التمويل بالطاقة.
ومن الواضح أن المنافسة الدولية حول سوق الطاقة في دول الاتحاد الأوروبي ستزداد شراسة خلال السنوات المقبلة، لاسيما أن أوروبا تعتبر أكبر مستورد للغاز في العالم، وتحاول كل الدول المنتجة وفي طليعتها الولايات المتحدة أن تدافع عن حصتها داخل السوق الأوروبية، وبخاصة إذا أخذنا في الحسبان أن التطور الذي يحصل على مستوى صناعة الغاز الطبيعي المسال وعلى مستوى وسائل النقل يؤدي بشكل تدريجي إلى تحرّر الدول المستهلكة من تبعيتها للدول المصدرة للغاز عبر الأنابيب، وهو ما يتجلى بوضوح من خلال الإحصائيات التي تشير إليها أرقام التصدير عبر الأنابيب وعبر سفن الشحن. فقد وصلت نسبة الصادرات العالمية للغاز عبر الأنابيب إلى 78%، مقابل 22% للصادرات عبر السفن سنة 2005، لتتقلص صادرات الأنابيب إلى 63% في المرحلة الراهنة.
ويدفع هذا التطور الحاصل في وسائل نقل الغاز، إدارة الرئيس بايدن، إلى بذل مزيد من الجهود للدفاع عن مصالح منتجي الغاز الأمريكي في السوق الأوروبية، وهذا ما حفّز الرئيس بايدن إلى الانتقال في سنة 2016 إلى استوكهولم، عندما كان نائباً للرئيس، ليؤكد معارضة بلاده لمشروع أنبوب «سيل الشمال 2»، كما صوّت مجلس الشيوخ الأمريكي في منتصف حزيران/يونيو 2017، على مشروع قانون يهدّد بفرض عقوبات مالية وقيود مصرفية وبحرمان كل الشركات الأوروبية التي تسهم في إنجاز أنبوب الغاز الروسي، من مشاريع الاستثمار في أمريكا.
ونستطيع أن نخلص في الأخير، إلى أن بادين يحرص على المحافظة على علاقات ودية مع حلفاء أمريكا في أوروبا، بعيداً عن سياسة العقوبات والابتزاز التي مارسها سلفه ترامب؛ إذ إن إدارته تحاول أن تتعامل مع أنبوب الغاز الروسي وفق مقاربة أقل عدوانية تجاه الحلفاء، وقد تضغط مستقبلاً من أجل ألا يصبح الأنبوب الروسي أنبوباً أوروبياً بالكامل، وألا يتم توسيعه من ألمانيا نحو باقي دول القارة، بالشكل الذي يقلّص من حصة روسيا في سوق الغاز الأوروبي، ويُبقي هامشاً أكبر للشركات الأمريكية، من أجل حماية مصالحها في هذه السوق الضخمة.
 

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2021