حرج أمريكي في أفغانستان.. بقلم: يونس السيد

بعد نحو 20 عاماً من التدخل الأمريكي الغربي في أفغانستان، على أثر أحداث 11 سبتمبر عام 2001، بدأ مشهد سيطرة مقاتلي حركة «طالبان» يفرض صورة مغايرة على الأجندة الداخلية والخارجية لكل الأطراف المرتبطة بالصراع الأفغاني، خصوصاً واشنطن التي أصيبت بالذهول لسرعة التقدم وباتت تشعر بالحرج جراء تمسكها بانسحاب قواتها ضمن المهلة المحددة مع أواخر الشهر الحالي.
منشأ الحرج الأمريكي لا يتوقف عند خروج القوات الأمريكية من أفغانستان كما دخلتها قبل 20 عاماً، أي من دون تحقيق شيء، إن كان على صعيد إحداث تغيير جذري في البلاد بالقضاء على حركة طالبان وتنظيم «القاعدة» الذي بات من المرجح أن يعود إلى قواعده السابقة، أو على صعيد تبرير إنفاق نحو ألف مليار دولار على بناء وتدريب بضعة مئات من الجنود الأفغان، خلال العقدين الماضيين، كما يقول الرئيس جو بايدن. بل الأسوأ، هو المخاوف الناجمة عن شبح هزيمة مذلة للولايات المتحدة على غرار ما حدث في «سايجون» عاصمة ما كان يعرف بفيتنام الجنوبية عام 1975، وما المسارعة إلى إتلاف الوثائق السرية في السفارة الأمريكية في كابول، وإرسال نحو 3000 جندي أمريكي لتأمين إجلاء الرعايا والموظفين الأمريكيين، ومن في حكمهم من الأفغان، سوى محاولة لتلافي فضيحة قد تنجم عن وقوع السفارة الأمريكية في قبضة «طالبان» التي تطرق الآن أبواب كابول، وربما تتمكن من دخولها قبل إتمام المهمة الأمريكية. صحيح أن إدارة بايدن تستند في قرار الانسحاب إلى الرأي العام الأمريكي والأغلبية الساحقة من الأمريكيين التي تدعم قرار الانسحاب، وصحيح أن الإدارة الحالية سعت إلى التوصل إلى اتفاق سلام بين «طالبان» والحكومة الأفغانية، واستكملت مفاوضات كانت إدارة ترامب السابقة قد بدأتها مع حركة «طالبان»، إلا أنها تتعرض لانتقادات واسعة أيضاً، سواء، في الداخل، من قبل الجمهوريين تحديداً، لاعتقادهم بإمكانية تأمين خروج أفضل، أو في الخارج من جانب حلفاء أمريكا الذين يعتقدون أن ارتدادات الانسحاب أثرت وستؤثر فيهم، وربما يجلب لاحقاً ما هو أسوأ من كلفة البقاء والعمل على إعادة ترتيب أوضاع البلاد بصورة مختلفة، خاصة وأن شبح «القاعدة» و«داعش» يلوحان في الأفق مع ما يجلبه ذلك من مخاطر على العالم الغربي. 
السؤال الجوهري، الآن، هو لماذا أخفقت واشنطن ومعها حلف «الناتو» في القضاء على «طالبان» وتطهير البلاد من مسلحيها وحلفائهم طوال عقدين من الزمن؟ ربما تتعلق الإجابة بشقين مهمين، الأول هو أن «طالبان»، بغض النظر عن أيديولوجيتها وسياساتها، جزء من النسيج الاجتماعي الأفغاني، ويتحدر أغلبية مقاتليها من القومية «البشتونية» التي تمثل نصف الشعب الأفغاني، فيما ينظر، ثانياً، إلى الحكومة المحلية التي رعتها واشنطن على أنها تابعة للولايات المتحدة التي «تسيطر» على البلاد، وأن مصيرها مرتبط ببقاء قواتها، وبالتالي فقد ثبت أن هذه الحركة لا تزال تلقى قبولاً لدى الأفغان، وهو ما يفسر سرعة سيطرتها على أكثر من نصف ولايات البلاد في غضون أيام قليلة.
 

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2022