وحـدة الـدولة

تتجول باستمرار ضمن هواجس الذاكرة والخيال والأمل، لأن تجارب السياسة والثقافة ووقوعها بين أفكار الانتماء، إلى اليمين أو إلى اليسار، وتمتع الأفراد بازدواجيه الفكر الديني والعلماني، في آن، يفقد أولاً وحدة الإنسان الوجودية، وهذه كافية لخلق تيارات جديدة من المقاومة الفكرية والسياسية، والابتعاد عن الانخراط في عملية التفاؤل الضروري لأية وحدة جغرافية تاريخية، وثانياً تقتل أي وحدة إنسانية اجتماعية، بحكم اتجاهها إلى التقوقع ضمن شكلها الفردي المناطقي أو الإثني أو الروحي..

إن أهم مكونات الحفاظ على وحدة الدولة تكمن في قوة فكرة الدولة، في بنائها الكياني وعملية الدعم الجماهيري والشعبي لها، مهما كان التنوع أو التعدد، أو امتلاكها تيارات روحية أو أيديولوجية، وطالما أننا نحيا في قلب الاضطرابات العميقة التي لم نتنبه لها، منذ الوصول إلى جلاء الانتداب الفرنسي، ولم نقدر على دمج المجتمع بلغة وحدة الدولة، فإننا سنبقى نعاني تبعات المناطقي والمذهبي والعقائدي، والسبب ضعف الانتماء للمكان الجامع والزمن المحرك، وعدم الإيمان بأهمية استمرار البناء، فإذا كنا نحيا بفترات هدوء تحدث بعضاً من رخاء، فإننا سرعان ما ننقض عليها لنهدم كل ما بنيناه، وصحيح أن ضريبة الاستقلال النهائي باهظة، وأن لحظات الهدوء ليست طويلة، إذ يتمثل فيها الانشغال الدائم بتدعيم منظومة الحكم الذي سرعان ما تشاغله القوى المحيطة أو الداخلية من جديد، والتي تبث مشاعر الضيق والتهكم والاستعداد لمقارعته أو مشاغلته، مما يولد خيبات أمل تتمثل في تراجع المسارات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

وحدة الدولة تتطلب سياسات جديدة ومتطورة تلبي الاحتياجات بواقعية تستهدف جميع الشرائح التي تحتاجها بشكل ملح، وتواكب التطور العالمي، عبر جدول أولويات حقيقي، لا خيال فيه ولا أمنيات، وعلى الرغم من مواجهة القوى الاستعمارية الهائلة، التي لا تسمح بقيام وحدة وطنية حقيقية في أية دولة، لأن أساسها الاستعماري قام على تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ، حتى وإن كان يحمل شكل دولة، والسبب ترك إمكانية الاستثمار فيه عند أي وقت يريده الفكر الاستثماري، ومشكلة الدول أنها تعلم ذلك، إلا أنها لم تعمل من أجل دحر أفكاره، بل ذهبت لتعزيز هذا الدور بعلم أو بجهل، وهذا يعني ترك الدول المستقلة حديثاً دون حلول، إلا إذا خضعت وآمنت بالتبعية، حتى هذا الإيمان المتوافر عند القوى الاستعمارية يجب ألا يدوم، بل ينبغي أن ينقلب عليه بين الفينة والأخرى، لأن تركه منفلتاً يعني قبول إحداث الفتن..

نجحت الدولة في وأد الفتن التي ظهرت عبر عقود طويلة، وأنهت أفكار الانقلابات الخفية، ومحاولات الانقضاض على الدولة من قبل الأخوانية السياسية، وضغوطات تغيير الدولة من قبل الدول المحيطة، واستخدام أدوات تحمل عقل الماضي، وقد كتبت مرة أن عقل ما يسمى بالثورات الذي كان يخرج من الأرياف، والذي دعمه الاستعمار ذاته، بقصد إنتاج استقلال بعد الانتهاء من إنجاز أطر قيام الدولة،  هذا الفكر لم يتطور حتى اللحظة، بسبب عدم الاشتغال عليه، وبقاء اعتماده على أفكار الثورة القديمة، واتخاذه من الأرياف ودور العبادة وأئمتها مراكز للانطلاق، مع دعم من قبل مجموعات علمية علمانية تنتمي إلى عالم الاستعمار القديم الحديث.

وأضيف: لطالما كانت المعضلات الرئيسية الناشئة والطارئة لدى جميع الدول تكمن في كيفية الحفاظ على وحدة الدولة مستقلة وذات سيادة، وفي القدرة أيضاً على توفير مستقبل لمواطنيها، مزدهر ومتكافئ، بعيداً عن الارتماء في أحضان الغير، أو الانتماء إليهم، وأيضاً دون الخضوع للأفكار الانتقامية، أو حتى مسايرتها، لذلك أرى أن نتحول من لحظة التأمل الحالية إلى البناء بكل أشكاله، رغم الظروف المحيطة، مع التوجيه للحفاظ على المثل العليا للدولة الاجتماعية، رغم عدم وضوح فكرة المساواة، كما يجب أن يحدث تطور نوعي في الخطاب والأداء، وأستطيع أن ألخصها بأن نحدث ثورة ضمن ما يسمونه ثورة، بهدف تهدئة الأجيال بتنوعاتهم وتخصصاتهم والمثقفين وميولهم، وبناء مجتمع ضمن تحالف نوعي موثوق يتحد فيه الريف بالمدينة، لأن ضغط الرأي العام، وإن كان غير واضح المعالم، إلا أنه دقيق في خفاياه، العالم يتغير بتسارع كبير، والدول تفكر في ذاتها، وإن التقت معنا، وهذا يعتبر ثانوياً بالنسبة لها، فشأنها هو الأهم، وهذا ما نشهده في محيطنا العربي، والخليجي منه بشكل خاص، والتركي والإيراني والروسي بشكل عام، فسلامة المجتمعات تبدأ بوحدة الدولة وتتطور من خلالها.       

د. نبيل طعمة

 


Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2023