دمشق    23 / 02 / 2018
المشكلة لاتكمن فقط في آلية التسوية ورعايتها ..!!  مجلس الأمن الدولي يصوت اليوم الجمعة على مشروع قرار خاص بهدنة إنسانية في سورية  عقوبات مضاعفة وأخرى جديدة.. التجارة الداخلية: تطوير القانون 14 في نهاياته  من عفرين إلى الغوطة صخب العدوان... والردّ السوري  سلامٌ على دمشق.. 60 عاماً على الوحدة المصرية ــ السورية  البنتاغون يعلق على ظهور مقاتلات "سو-57" الروسية في سورية  مناورات إسرائيلية أمريكية تحاكي حربا شاملة وهجوما بالصواريخ من جميع الجهات  واشنطن تهدد بضرب الجيش السوري مجددا  واشنطن تُرسِلُ دُفعةً جديدةً من التعزيزاتِ العسكريّةِ لقوّات "قسد"  عباس يؤكد أن نتائج فحوصاته في أمريكا مطمئنة  الغوطة الشرقية والتحريض بالدم.. بقلم: حسن عبد الله  النصر يلوح من الغوطة.. سيناريو حلب بانتظاركم  قيد التحقيق الحكومي.. سيارات فخمة حديثة في شوارع دمشق؟!  كازاخستان تطالب خلال جلسة مجلس الأمن حول سورية بتطبيق اتفاقات أستانا بدقة  مصرع وإصابة 50 من قوات التحالف في نجران  وزير الخارجية التركي: على روسيا وإيران إبداء الحرص على وقف إطلاق النار  المركز الروسي للمصالحة: إطلاق 83 قذيفة من الغوطة الشرقية على المناطق السكنية في دمشق  المعارضة التركية قلقة من مقترحات لتعديل قانون الانتخابات  اختتام الأولمبياد: فرصة «جديدة» للقاء واشنطن وبيونغ يانغ؟  

مال واعمال

2016-11-24 03:00:14  |  الأرشيف

في لعبة الأصفار النقدية أجزاء العملة “الفراطة ” تنزع للبقاء في حضانة التداول الدافئ..

ورقة من فئة الخمسمئة ليرة سورية، كانت أجرة توصيل لمسافة لم تتجاوز ثلاثة كيلومترات، يمسك السائق بالعملة الورقية المقدّمة له، يدسها في جيبه، ويعتذر عن عدم وجود “الفراطة” ثم يبتسم، ويقول ممازحاً: “خمسين ليرة أستاذ خمسين ليرة”، في إشارة منه إلى القيمة الفعلية التي قدّرها لتلك الفئة النقدية في ظل الظروف الحالية، ومقارنتها بما كانت عليه في السابق، واليوم لا يبدو سائق التكسي وحده من بات ملماً، ومدركاً لتبعات التضخم الاقتصادي الذي آلت إليه البلاد في خضم الحرب المستمرة، ومعادلة الليرة- دولار التي أصبحت على لسان كل الفعاليات الاقتصادية والتجار والمحاسبين وأصحاب المهن والمحلات، وحتى المستهلكين أنفسهم.  الحديث نفسه يتكرر في أماكن كثيرة، والجميع يحذف الصفر تلقائياً، ويعيد قيمة العملة إلى ما كانت عليه في فترات الاستقرار الاقتصادي السابقة ليستطيع استيعاب ضخامة الأرقام التي يدفعها، أو ليبرر عدم جدواها في التعاملات المحلية، والتي فُقِدت في خضمها، وضاعت نكهة الأجزاء الصغيرة من العملة، وباتت لا تعني الشيء الكثير عند البعض حين تسقط من حساباتهم في التعاملات اليومية.

د. محمود زنبوعة:
ما زالت قيمة العملة في الحدود المقبولة اقتصادياً من ناحية التداول والطرح
د. حسن حجازي:
رفع وحدات النقود الورقية يقلل من قيمة الأجزاء النقدية الصغيرة ويبطل التعامل بها فينبغي الحذر وألّا نتجاوز حدود الألف ليرة كورقة نقدية واحدة

أجزاء مباركة
ومع استقرار نسبي، وثبات حالي شهده سعر صرف الليرة السورية في الأشهر الماضية، تتأكد المعادلة الجديدة في تعاملات معظم المواطنين رغم سوء أوضاعهم الاقتصادية، وتردي معيشتهم، فتصبح الأجزاء الصغيرة من فئات العملة (5-10-25-50) ذات قيمة وفعالية محدودة جداً، مع الإشارة إلى قلة توفرها بحسب شهادات الكثير من المتعاملين فيها كأصحاب المحلات وسائقي سيارات الأجرة والتكاسي، إذ بيّنوا محدودية تداول تلك الأجزاء في ظل ندرتها، وعدم جدواها في معاملات البيع والشراء لديهم، ليقتصر استخدامها على بعض وسائط النقل العامة، وسيارات الميكرو باص، والتي يشتكي أصحابها أيضاً من قلة توفر هذه الفئات، وفي المقابل تختفي تماماً الأجزاء السابقة من العملة كالليرة والليرتين مثلاً التي تعيد ذاكرتنا إلى بدايات الأزمة السورية، وما حملته من دعوات على لسان وزير الاقتصاد السابق محمد نضال الشعار حين طالب المواطنين  آنذاك بالتعامل مع الأجزاء الصغيرة للعملة السورية، وإعادة النظر في الفئات النقدية التي لم يعد أحد يرغب في تداولها كالليرة وأجزاء الليرة، وأهمية هذا الإجراء بإعادة الثقة بالعملة المحلية كوحدة نقدية للتعامل في ظل الارتفاع المستمر للأسعار، ومؤشرات التضخم التي كانت بدايته الدراماتيكية، حينها تمنّى الشعار أن تبادر وزارة النقل لتركيب آلات لقطع التذاكر في وسائط النقل الداخلي، حيث يتناسب سعر هذه التذاكر مع المسافات التي يستقلها الراكب للاستفادة من معظم أجزاء الليرة، وأكد كذلك القوة الاقتصادية الهائلة والكامنة في المجموعة التي تحصل على أجورها بالليرة السورية، وما يمكن أن تُساهم فيه من ضبط تضخم الأسعار، محذراً من محاولة معظم فئات الدخل المحدود إيجاد دخل إضافي لهم يكون مقيماً على سعر الصرف، وبالتالي يقل اعتمادهم على العملة المحلية، ويتزامن هذا الأمر مع عملية التسعير بالدولار، ما يؤدي إلى انخفاض الطلب على العملة المحلية، وبالتالي تدهور سعر صرفها، وهو ما يبدو أنه حدث فعلاً.

احذف صفراً
وإذا كان حذف صفر من العملة حديثاً تهكمياً، يتعاطى معه بعض المواطنين، أو معظمهم في عمليات البيع والشراء، ليعكسوا حالة الإحباط من تدني العملة، وفقدان الشعور بقيمة أجزائها، يبدو في المقابل أنه إجراء اقتصادي فعلي تلجأ إليه بعض الدول في حالات الحروب، أو التضخم الاقتصادي لإعادة الروح للأجزاء الصغيرة من عملتها، وإدخالها مجدداً في حسابات التعاملات اليومية للمواطنين، لكن ما هي الجدوى الفعلية من إجراء كهذا، وهل هو مفيد فعلاً في الحالة السورية، يؤكد الدكتور محمود زنبوعة، اختصاصي في الاقتصاد العام، ومدرّس في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، أن إلغاء أصفار من العملة هو إجراء اقتصادي، قد تلجأ إليه بعض الدول في فترات الحروب، فتلغي صفراً أو صفرين من العملة، حيث يمكن استخدام الوحدات الصغيرة منها، وهذا الإجراء تم مثلاً في تركيا بفترة من الفترات، حيث خفضوا، وحذفوا أصفاراً من العملة من أجل رفع القوة الشرائية للوحدة النقدية لعملتهم في التداول المحلي، وليس أمام العملات الأخرى، وكان هذا الإجراء ناجحاً إلى حد ما، باعتبار أن المواطنين كانوا سيلجؤون بشكل دائم لحمل نقود كثيرة والوحدات النقدية سترتفع قيمتها.

مبكر جداً
بالتالي فإن الإجراء الاقتصادي المتعلق بحذف صفر من العملة، هو بحسب د.زنبوعة مفيد نظرياً في رفع قيمة العملة كوحدات بالتعامل المحلي فقط، إذ يزيد القوة الشرائية للعملة محلياً، والوحدات الصغيرة يصبح لها قيمة أكبر، ويسهّل عملية الحساب، لكن في الحالة السورية، فهذا الإجراء يحتاج لبحث مطوّل، ويتطلب تكلفة عالية من ناحية قيمة العملة الجديدة، وتكلفة طباعتها، واسترجاع العملة القديمة، ويمكن أن يؤدي لحدوث بعض الخلل في فترة مؤقتة أو انتقالية في الأسعار، وبالتالي فهو إجراء غير صالح حالياً في ظل الأحداث التي تشهدها سورية وغير مناسب، فالقروض يمكن أن تتأثر، وسينبغي إعادة تقييمها منذ البداية، ويمكن أن يسبب عدم استقرار السوق لفترة انتقالية حتى يتم الاعتياد على الأسعار الجديدة بما يناسب قيمة التخفيض في قيمة العملة.
ويختم د. زنبوعة: رغم التضخم الحاصل ما زالت قيمة العملة في الحدود المقبولة اقتصادياً من ناحية التداول والطرح، ومن المبكر جداً الحديث عن هكذا إجراء، مع التأكيد أن تحسن الوضع الأمني، ولاحقاً الاقتصادي سينعكس حتماً على ارتفاع القوة الشرائية، وبالتالي على استخدام أجزاء العملة.

أخطاء كبيرة
بدوره يقدم الخبير الاقتصادي، ووزير العمل السابق الدكتور حسن حجازي، جملة أسباب تفسر تراجع التعامل بأجزاء الليرة والوحدات النقدية الصغيرة، أهمها  التضخم الذي حصل خلال الأزمة، ما خفض قيمة العملة المحلية، وبالتالي أصبحت الوحدات النقدية الصغيرة لا تمثل قوة شرائية فعلية، وخرجت بشكل تدريجي من التعامل، كذلك فإن استخدام وحدات الوزن الإلكترونية الحديثة المتوفرة عند معظم الباعة (الميزان الإلكتروني) والتي أصبح البائع يستخدمها لحساب الأرقام الصحيحة فقط ساهمت في عزل الوحدات الصغيرة وحجبها عن التعامل، وأيضاً كانت الأجزاء الصغيرة للعملة تستخدم بفعالية في أجور النقل والمواصلات، لكن بنتيجة ارتفاع أجور هذه الخدمات ضعف استخدام الوحدات النقدية الصغيرة (الخمس والعشر ليرات)، ويرى د. حجازي أن القيمة الفعلية لهذه الوحدات النقدية ستعود عندما يتراجع هذا التضخم الموجود حالياً، لكن يجب الانتباه من الأخطاء الكبيرة التي يمكن أن نقع فيها كلما رفعنا وحدات وفئات النقود الورقية المتعامل بها، فكلما حدث هذا الأمر كلما قللنا من قيمة الوحدات النقدية الصغيرة، لذلك هذا الموضوع يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار، ويجب ألا نتجاوز حدود الألف ليرة فقط كورقة نقدية واحدة، لأننا كلما رفعنا قيمة الوحدة النقدية كلما انخفضت العملة، ومثال هذا الأمر نلاحظه في الدولار الذي لا تتجاوز حدوده فئة الـ 100 دولار كورقة نقدية واحدة، كذلك اليورو، والكثير من العملات الخليجية التي لا تتجاوز حدود الـ 500.

زيادة وهمية
ويؤكد الدكتور حجازي أن جزءاً كبيراً من الارتفاع التضخمي الحاصل في الليرة السورية، والذي قلل قيمة الأجزاء وأسقطها من حسابات التعامل، هو ارتفاع وهمي ناتج عن طلب غير حقيقي للعملة الأجنبية والمضاربة على الليرة السورية، لكن بمجرد انفراج الوضع السياسي وبداية التعافي الاقتصادي سيصبح هناك عملة نقدية أجنبية واردة توازن بين العرض والطلب، وسنشاهد حتماً نخفاضات أخرى في سعر الصرف، ويرى حجازي أن الزيادة التي حدثت منذ سنتين تقريباً، وحتى الآن، هي زيادة وهمية نتجت عن تلاعب من القوى الخارجية للضغط على الاقتصاد السوري والمستوى المعيشي للمواطنين، وهذا الرأي يثبت صحته ويؤكده ما حدث في الأشهر الأخيرة، أنه وبمجرد حدوث نوع من الاستقرار الأمني توقف تصاعد الدولار وبدأ يراوح ارتفاعاً وانخفاضاً بمدى صغير جداً لا يتجاوز عشر ليرات، ومع ذلك فالدولار يمكن أن ينخفض مجدداً ويعود لقيمته الحقيقية، وهذا ما يفسر أيضاً اتجاه الناس حالياً للاستثمار بالعقارات، حيث بدأ تضخم أسعار العقارات بشكل غير منطقي، ولكن هذا خطأ كبير على المستوى الاقتصادي وله انعكاساته السلبية المؤذية للاقتصاد السوري ومعيشة المواطن، لأنه استثمار في أصول ثابتة، ونحن بحاجة ماسة لاستثمارات فعلية في مشاريع صناعية وزراعية لتشغيل اليد العاملة والمساهمة في توليد الدخل القومي.

نزعة الأرقام المدورة
زاوية أخرى للموضوع حاولنا الإضاءة عليها وبحث أسبابها لمحاولة فهم الأسباب النفسية والاجتماعية التي أخرجت أجزاء العملة الصغيرة من حسابات المواطن السوري حتى في مراحل كانت سابقة للأزمة وأحداثها، إذ يرى الدكتور غسان منصور، أخصائي علم النفس المعرفي (عمليات عقلية) في كلية التربية بجامعة دمشق، أن هناك قانوناً نفسياً ثابتاً يؤكد نزعة الإنسان للتعامل مع الأرقام المدورة، أي التعامل مع الأرقام دون أجزاء أو فواصل أو أعشار، مثلاً حين نقول لأحد ما إن نسبة الربح أو العجز هي 70% فهنا نقدم رقماً مدوراً وهذه نزعة إنسانية، ويؤكد د. منصور أن فقدان الإحساس بأجزاء العملة ازداد في الفترة الحالية نتيجة فقدان القيمة الأساسية للمبلغ، وهو ما يفسر كيف بدأنا نتعامل مع الألف وكأنها مئة ليرة فقط، ومن الأسباب النفسية الأخرى التي يمكن أن نفهم من خلالها الموضوع هي نزعة التجميع المادي والاستفادة من البقايا دون رشوة، فحين يبلغ ثمن سلعة ما 950 ليرة على سبيل المثال يقول البائع أو المحاسب للزبون لا أملك “فراطة” مقابل السعي باتجاه ما يسمى عدم تضييع الوقت في المجادلة على الأشياء فاقدة القيمة بالنسبة للزبون فيكون سريعاً باتخاذ القرار (خليهم الك). كذلك من جملة الأسباب الإضافية التي ساهمت في خلق هذا الإحساس حسب د. منصور الشعور أن أجزاء العملة في ظل الظروف الحالية باتت قليلة أيضاً، وفقدت بمعظمها، ونجد الكثير من المتعاملين بها من محاسب أو صيدلاني أو بائع لا تتوفر لديهم، أيضاً فإن الإحساس بصعوبة المعيشة والعجز أمام متطلبات الحياة جعل المواطن يسعى بأي اتجاه فيما يعرف بمصطلح “انت وشطارتك” كسائق التكسي أو البائع الذي يتجرأ على القوانين ولا يمتثل لها مقابل إحساس بالعجز من قبل المواطن من عدم القدرة على الشكوى وعدم الفائدة منها، ويختم د. منصور، هذه الظاهرة أصبحت للأسف مرضاً اجتماعياً خطيراً، لكن القانون النفسي يقول: الخطأ الاجتماعي نظام حسب غريزة العدوى الانفعالية.

تربية ووعي
بدوره يرى الدكتور إبراهيم ملحم، أخصائي علم النفس الاجتماعي في كلية التربية بجامعة البعث، أن موضوع التعامل بالأجزاء والمطالبة بتحصيلها أو عدمه يتعلق بجانبين، الأول هو التربية والمستوى أو الحالة الاجتماعية، فغالباً ما نلاحظ أن الشخصية الخجولة مثلاً تجد أنه من  العيب أو من غير اللائق أو اللياقة المطالبة بالأجزاء الصغيرة، كذلك من هم في مستوى اجتماعي واقتصادي جيد أو يرغبون بالظهور بمظهر حضاري يكون من الواجب لديهم ترك شيء من الباقي، رغم كون هذه الأجزاء الصغيرة حقاً لهم، وهناك أيضاً موضوع الوعي بالحقوق حتى بأبسط الأجزاء من العملة، وهو ما نلاحظه في مجتمعات أخرى، كخدمة التاكسي التي تقدم إشعاراً بالعداد وتترك الخيار للزبون في ترك الباقي أو عدمه، ويرى د.ملحم أن حالة التضخم أنتجت حالة اجتماعية جعلت من المخجل أو المعيب بين المواطنين الحديث بأجزاء صغيرة “كالخمس والعشر ليرات” علماً أن هذا الأمر مختلف باختلاف المدن السورية والريف والمدينة، ويختم: للأسف معظم أفراد المجتمع لم تكتمل درجات الوعي لديهم بتمام معرفة الحقوق والواجبات، ونجد أننا مجتمع يغلب علينا العرف أكثر من القانون، وهو ما يؤكده المثل الشعبي “جري دم ولا تجري عادة”، لذلك فالفوضى عندما تعم تصبح العادات نظاماً متعاملاً فيه، وهو ما حدث في مجتمعنا.

محمد محمود
عدد القراءات : 4911

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *

اكتب الرقم : *
 

 
 
alazmenah.com - All rights reserved 2018
Powered by SyrianMonster - Web services Provider