دمشق    24 / 07 / 2017
جولة أردوغان الخليجية: نافذة الحل مغلقة  تركيا تغلق كافة المعابر مع سورية بعد سيطرة جبهة النصرة على كامل المنافذ الحدودية  إذا قال الخليج لا.. لأميركا !!.. بقلم: نبيه البرجي  واشنطن تتخلى عن تل أبيب.. موسكو أقوى!..بقلم: إيفلين دوبا  سورية.. وتوازن المصالح الدولية.. بقلم: رفعت البدوي  توقعات بتعديلات حكومية تطال محافظين ومدراء عامين..ووزراء أيضاً!  هكذا يرى أمراء السعودية "تجريد" بن نايف من صلاحياته  الاتحاد الاوروبي: لن نقبل بفرض عقوبات أمريكية ضد روسيا تنتهك مصالحنا  الجيش العراقي: لن نتدخل في حال قيام دولة كردية  استشهاد أردني وإصابة اسرائيلي بإطلاق نار داخل سفارة كيان الاحتلال في عمان  طيران “التحالف الأمريكي” يرتكب مجزرة جديدة راح ضحيتها عشرات الشهداء والجرحى في مدينة الميادين بريف دير الزور الشرقي  بأمر ملكي خادم الحرمين ينيب ولي العهد مكانه  لزيادة الفاتورة ..مشفى خاص تبقي شخص متوفي في العناية المشددة لمدة أربعة أيام  قيادة عمليات مقاتلي حزب الله: المعركة مع "جبهة النصرة" أشرفت على النهاية  مؤامرة لإغراق الجزائر بـ6 ملايين إفريقي  مؤتمر دولي نقابي ضد الإرهاب في دمشق أيلول المقبل بمشاركة أكثر من 100 منظمة دولية  ماذا عن تيلرسون.. هل قرّر الاستقالة؟  الصراع الوجودي بين "النصرة" و"أحرار الشام": الواقع، الحقائق والخلفيات!  "عاصفة القلمون" تقترب من ساعة الحسم  الانتهاء من إعداد سيناريو عزل الملك السعودي وتنصيب نجله  

نجم الأسبوع

2016-10-17 02:54:55  |  الأرشيف

فاروق شوشة

سوسن صيداوي

شجرة الحياة مليئة بالأوراق التي تنمو بأعمارنا وتسافر في حيواتنا، كي تسقط بعدما يصعب على شريان الحياة أن يجد إليها سبيلا، وهكذا بسقوط الورقة الخاصة بنا، فهذا يعني أن حياتنا انتهت، هذا أمر طبيعي في سنة الحياة وفي قانونها الذي لا يمكن ولا حتى التفكير في طريقة تغييرهما أو نقضهما، فلكل شيء نهاية مثلما له بداية، ونهاية البداية كانت بسقوط ورقة حياة الشاعر المصري فاروق شوشة عن عمر يناهز ثمانين عاما، غادر حياتنا بعد أن أغناها بطيب الكلمة العربية الجميلة، وبأعذب شعور غلّف قصائده التي وصلت إلى قلوب الملايين الذين حذوا حذو كلماته الراقية، مقتدين به لكونه عرّابا للثقافة الحقيقية، في وقت ساد فيه زيف الثقافة وأصبح الأكثر انتشارا، فاروق شوشة اختار أن يكون فارس اللغة العربية، مساهما بميراثه الفكري في إغناء الحياة والإعلام الثقافي في مصر على الخصوص والوطن العربي على العموم، ناشرا عبر موجاته الصوتية التي أضاءت في قلوب الملايين فراغ سنين، مذكراً من خلالها عن حب دفين طافيا في أحلام رحبة لا يمكن للعيون أن تتجاهلها مهما بلغت من الغفو:
سأذكر بارقة من حنين
أضاءت بقلبي فراغ السنين
وأذكر موجة حب دفين
تداعب أحلامنا كل حين
وتطفو على صفحات العيون
سأذكر ما عشت.. هل تذكرين

مولده ونشأته
ولد فاروق شوشة عام 1936 في قرية الشعراء في محافظة دمياط، وكان نجلاً لرجل من رجال التربية والتعليم، وابناً لشاعر قدير اختار أن يسمي كل أبنائه بحرف الفاء، أكبرهم كان فاروق ثم فخري، فيصل، فواز، فؤاد، فيكتوريا، فريدة، فريال، فدوى، وفاتن.
حفظ فاروق القرآن منذ نعومة أظافره، الأمر الذي أدخل اللغة العربية إلى قلبه محتلةً مكاناً مهماً، أتمّ دراسته في دمياط وتخرّج في كلية دار العلوم عام 1956، وفي كلية التربية جامعة عين شمس عام 1957. عاش «عندليب اللغة» فاروق شوشة، حسب وصف الإعلامي يسري فودة، في محراب الشعر ثمانين عاماً، قضاها مغازلاً اللغة العربية ومهدهداً لحروف أبجديتها غازلاً منها الكثير من القصائد المشابهة لقلبه الهادئ.

في الإذاعة والتلفزيون والإعلام
رفض الشاعر أن يكون سجين قاعة تدريس ضيقة، يجلس فيها طوال النهار كي يلقن طلابه معلومات عن الصرف والنحو، وموقفه هذا لأنه كان مؤمناً بأن رسالته لا يمكن لحدود قاعات جامعيّة من أن تحدّها، لهذا التحق بالإذاعة في عام 1958 كمصّحح لغوي، إلى أن تبناه إذاعيّا في ذلك الوقت عبد الحميد الحديدي مدير الإذاعة المصرية، وزوّجه من ابنته الإذاعية هالة الحديدي، التي أنجب منها ابنتان «يارا ورنا».
وكان اتخذ «ابن دمياط» من الإذاعة بوابة دخول حقيقية إلى قلوب وآذان الجماهيرالذين اختاروا أن يكونوا أسيري اللغة العربية طواعية، عبر صوته العذب وأشعاره المميزة، مقدماً عدداً من البرامج أبرزها «لغتنا الجميلة»، بعدها أخذ يتدرّج في وظائف الإذاعة حتى أصبح رئيساً لها في عام 1994. وكان أطلَّ شوشة على جمهور التلفزيون في عام 1977، عبر برنامج «أمسية ثقافية»، وهنا بات وجهاً مألوفاً لدى الملايين من المشاهدين الذين رافقوا صوته لسنوات طويلة عبر برامجه الإذاعية.
وعن دور الإعلام في مصر، أكد «فاروق شوشة» أن الإعلام أصبح مهنة غير مشرّفة، والتلفزيون المصري يحاول أن ينهض، ولكنه لا يملك الأجهزة والأجنحة التي تساعده على التحليق، ولذلك هو في منافسة غير متكافئة مع إعلام القطاع الخاص الذي يملك المال وفرض الرأي الذي يريده صاحب القناة، واصفا الإعلام الخاص بـ«هو بعض تجليات الجمع بين المال والسلطة، والمال والسياسة»، مؤكداً أن شأن هذا الجمع أدى إلى ما نحن فيه.

أعمال ومشاركات
ظلت حماية اللغة العربية الهاجس الأكبر للشاعر فاروق شوشة الذي عمل أستاذاً للأدب العربي في الجامعة الأميركية في القاهرة، وعضواً في مجمع اللغة العربية في مصر، وعضو لجنة الشعر في المجلس الأعلى للثقافة، ورئيس لجنة المؤلفين والملحنين، ورئيس لجنتي النصوص في الإذاعة والتلفزيون، كما عُيّن في منصب رئيس اتحاد الكتاب المصريين، وكان عضواً في مجلس أمناء بيت الشعر في القاهرة، وعضواً في لجنة الشعر في المجلس الأعلى المصري للثقافة.

في الشعر
ينتمي الشاعر فاروق شوشة إلى جيل الستينيات في مصر، ويعتبره الكثير من النقاد والشعراء بأنه من الشعراء الذين اتسموا بالولاء لقيم قديمة، ومثَّل مع شعراء آخرين من أبناء جيله، ومن الجيل الذي سبقه، ما يشبه حائطاً كان متماسكاً وصادّاً بمواجهة التجديد الذي تجسّد وخصوصاً عبر تيار قصيدة النثر. وكان دائماً شوشة وبحسب رواد الشعر وصنّاعه، لم يكن الشعر عنده ساحة شعورية جمالية يظهر فيها عراقة اللغة العربية وجمالها فقط، بل رأى فيه «علاجاً»، حتى إنه راح يبحث عما يؤكد تلك الرؤية في الشعر العربي، منذ امرئ القيس، وحتى صلاح عبد الصبور، ومن هنا جاء كتابه «العلاج بالشعر»، وفيه قال شوشة عن جميل بثينة «نتعرف في شعره إلى أرقى نماذج الحب العذري وأصفاها وأصدقها وتراً وأشدها حرارة، وشعره يمتلئ بشكاوى النفس وما يلاقيه المحب المتيم من تباريح الوجد».
ألا ليت ريعان الشباب جديد
ودهراً تولى يا بثين يعود
فنبقى كما كنا نكون وأنتم
قريب وإذ ما تبذلين زهيد
هذا ويُعتبر الشاعر الكبير فاروق شوشة أحد أبرز شعراء الوطن العربي، فهو من قال الشعر بعد الشاعر صلاح عبد الصبور، وكان له العديد من الإسهامات الثقافية، وكانت قضيته الأولى والأخيرة الإعلام الثقافي، وتميزت نصوصه ببنائها المحكم ومباشرتها وأبنيتها ذات الطابع الكلاسيكي. وربما كان شوشة بين أكثر الشعراء العرب الذين تعاملوا ببالغ الحذر مع فكرة التحديث، وهنا تتعدد آراء كبار الأكاديميين المصريين، فالدكتور أحمد درويش مثلاً، يراه بإنشائية فارس جميل يطل على جمهوره من فوق صهوات جياده الشعرية، متنقلاً بينها في فتوة وخفة ورشاقة على فنون الفروسية، أما شيخ المحافظين الراحل عبداللطيف عبدالحليم «أبو همام» فقد رأى أن الثقافة الأصيلة لفاروق شوشة وتعمّقه الحصيف في الشعر العربي في نماذجه العليا، كانا وراء الكثير من شاعريته الباذخة، وهنا نذكر مقطعا من قصيدة أنا إليك:
أنا إليك
أنا إليك مبتدئي، حاضري ونهايتي
أشعلت أيامي فصارت نارها حقيقتي
فإن سألت عن هواي هذه حكايتي
ندية كوجهك المملوء بالطفولة
رخيمة كصوتك المنساب في سريرتي
عميقة كعطرك الزكي في حديقتي
حسبي على طول الزمان أنت حبيبتي
***
وفي رأي للناقد رجاء النقاش أن الأداء المتوازن والأخلاقي، وعدم التورط في أي من صراعات الثقافة والسياسة، جعلا من فاروق شوشة ذلك الرجل الذي لم يختلف معه أو عليه أحد.
وهناك رأي اعتبر أن البدايات المتأخرة لفاروق شوشة كانت من العوامل السالبة في تصنيفه ضمن رعيل جيل الريادة المصري، حيث صدر ديوانه الأول «إلى مسافرة» عام 1966، في حين صدر ديوان «مدينة بلا قلب» لأحمد عبد المعطي حجازي في العام 1958، وكذلك ديوان «الناس في بلادي» لصلاح عبد الصبور في العام 1957، وبسبب هذا التفاوت الزمني وغيره من الأسباب، أطلق كثرة من النقاد آراء تنتهي إلى القول إن مساحات التحديث في التجربة الشعرية لشوشة ليست كافية لتصنيفه ضمن قائمة شعراء الحداثة، الأمر الذي سبّب الكثير من المرارة للشاعر الراحل، ومع ذلك سيبقى بين دواوين فاروق شوشة الخمسة عشر ما يستحق الانتباه والقراءة بالمزيد من الاعتبار.
دواوين ومؤلفات
في عام 1966 نشر شوشة أول دواوينه الشعرية، الذي حمل عنوان «إلى مسافرة»، والذي مثّل طرقةً مدوية على باب الشعر، ثم قدّم عدداً من الدواوين الشعرية التي خلّدت اسمه بين الأدباء والشعراء ومن بينهم، ديوان «العيون المحترقة» في العام 1972، «لؤلؤة في القلب» 1973، «في انتظار ما لا يجيء» 1979، «الدائرة المحكمة» 1983، «الأعمال الشعرية» 1985، «لغة من دم العاشقين» 1986، «يقول الدم العربي» 1988، «جئت لك» 1992.
ومن ديوان أحبك حتى البكاء القصيدة التي حملت نفس العنوان وكان قال فيها:
أحبك حتى البكاء
وأعلم أن الذي بيننا
ليس نزواً
ولا هو محض اشتهاء
ولكن معناه فيك، ومنك
وفي لحظة جمعت تائهين
على رفرف من خيوط السديم
فكان انجذاب وكان ارتواء
من مؤلفاته أيضاً: «لغتنا الجميلة»، «أحلى 20 قصيدة حب في الشعر العربي»، «أحلى 20 قصيدة في الحب الإلهي»، «العلاج بالشعر»، «لغتنا الجميلة ومشكلات المعاصرة»، «مواجهة ثقافية»، «عذابات العمر الجميل» (سيرة شعرية).

وجهة نظر في المثقفين
لم يكن شوشة راضياً عن الوضع الثقافي المصري الحالي، وهذا ما تجلّى في قصيدة «خدم.. خدم»، التي ألقاها العام الماضي خلال تكريمه ضمن فعاليات معرض الشارقة للكتاب في دورته الـ34، ، وهاجم فيها المثقفين ووصفهم بـ«خدم الحكام». إلا أنه أوضح في تصريحات صحفية أنه كتب تلك القصيدة قبل عشرين عاماً، وأن تعبيرها عن المشهد الحالي يعد من قبيل «المصادفة» التي تشير إلى أن الأوضاع الثقافية لم تتغير، بل تسير إلى الأسوأ، وأن مصر تحتاج إلى نهضة علمية تتبعها نهضة ثقافية. وقال في السياق ذاته: «تجديد الخطاب الديني يعني تجديد العقل. ليس هناك شيء مجرد اسمه الخطاب، الخطاب هو ما يتوجه به العقل إلى الآخرين، إذا كنتُ أنا جاهلاً فسيكون خطابي خطابَ جهلٍ».
وكانت أثارت قصيدة «خدم.. خدم» جدلاً واسعًا وقال فيها:
خدم‏… ‏ خدم
وإن تباهوا أنهم
أهل الكتاب والقلم
وأنهم في حلكة الليل البهيم
صانعو النور
وكاشفو الظلم
وأنهم ـ دونهم ـ
لا تصلح الدنيا
ولا تفاخر الأمم
ولا يعاد خلق الكون كله
من العدم‏!‏
‏لكنهم خدم
***
لهم‏، ‏ إذا تحركوا‏‏
في كل موقع صنم
يكبرون أو يهللون حوله‏، ‏
يسبحون باسمه‏، ، ويقسمون
يسجدون‏، ‏ يركعون
يمعنون في رياء زائف
وفى ولاء متهم
وفى قلوبهم‏.. ‏
أمراض هذا العصر
من هشاشة
ومن وضاعة
ومن صغار في التدني
واختلاط في القيم‏!

جوائز وتكريمات
نجح الشاعر الراحل قبل بضعة أشهر، في اقتناص «جائزة النيل للآداب»، أكبر جائزة مصرية، من بين أنياب جابر عصفور، الذي بدا منافساً وحيداً لا يُقاوَم وسط حشود تعج بها وزارة الثقافة المصرية، وخصوصاً أن شوشة قبل أن يكون شاعراً ذائع الصيت، هو إعلامي كبير قدم عدداً من البرامج الثقافية ذات العمق النافذ في الإذاعة والتلفزيون، وكان قال لـ«الأهرام» في حواره بعد الجائزة: «إن الوطن لا ينسى من فيه من المبدعين على الرغم من انشغاله في قضاياه، وهي أيضاً لحظة فارقة في تحديد من هم الأصدقاء الحقيقيون ومن هم الزائفون الذين يحاولون أن يظهروا بمظهر الأصدقاء، إنها لحظة مراجعة للنفس ومحطة لابد من التوقف عندها والسؤال ماذا صنعت، وماذا أنجزت من المشروع الذي صنعته لحياتي في بداية المشوار الثقافي»، هذا وقد حصل على العديد من الجوائز ومنها جائزة الدولة في الشعر 1986، وجائزة محمد حسن الفقي 1994، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب 1997.

شهادات محبة
عبّر الشاعر الكبير محمد إبراهيم أبو سنة عن حزنه الشديد لرحيل الشاعر فاروق شوشة، وقال: «أنا تعيس جداً جداً وفى غاية الحزن لرحيل أعز أصدقائي طوال 50 عاماً». مضيفاً «مَن شاء بعدك فَلْيَمُتْ.. فَعَليك كنت أحاذِرُ».
عدد القراءات : 1768

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *

اكتب الرقم : *
 

 
 
alazmenah.com - All rights reserved 2017
Powered by SyrianMonster - Web services Provider