دمشق    14 / 12 / 2017
اعتقالات استباقية في الضفة... وصواريخ غزة مستمرة  الإعلام السعودي منبراً لإسرائيل: المقاومة خراب... وإعلان ترامب «تحصيل حاصل»  بغداد ــ أربيل: لا حلّ في الأفق  مانشستر سيتي والوحش الكاتالوني المطوّر  ألاباما حصن الجمهوريين في أيدي الديموقراطيين  الكرملين: لن نعيد جميع عسكريينا من سورية وتحضيرات «سوتشي» جارية  صفعات واشنطن لم توقظ المعارضة من سباتها.. و«أستانا 8» في 22 المقبل … «جنيف 8» لا يزال بلا دخان أبيض  مسلحو القلمون الشرقي يعرقلون مفاوضات المصالحة  الحشد العراقي: 60 بالمئة من الحدود مع سورية بقبضتنا  لمن الأولوية للرقة أم لإدلب؟.. بقلم: محمود الصالح  مليون كيلو متر خسارة «اتصالات حلب» من الكوابل بسبب الإرهاب  لماذا التفاوض.. وحول ماذا؟  الجهات المختصة تحبط عملية إرهابية بسيارة مفخخة على طريق المتحلق الجنوبي على أطراف دمشق  طيران “التحالف الدولي” يرتكب مجزرة جديدة راح ضحيتها 23 مدنيا في قرية “الجرذي شرقي” بريف دير الزور  الإعلام على موعد مع بوتين في واحد من أهم مؤتمراته السنوية  موسكو: المعارضة السورية تشترط وترفض الشروط المسبقة في آن معا  طرد مساعدة ترامب المقالة من البيت الأبيض بعد محاولتها دخول شقة الرئيس  بوتين: لن نتوقف عن تطوير جيشنا وأسطولنا  الحكومة الفلسطينية تطالب المجتمع الدولي بتوفير حماية للفلسطينيين  جماعة أنصار الله تفرج عن مراسل سبوتنيك في صنعاء  

نجم الأسبوع

2017-09-24 04:53:25  |  الأرشيف

وجيه البارودي

سوسن صيداوي

مهما كانت المهنة، فلابد من موهبة كي تتقد شعلة الإبداع.. إذاً المهنة ليست بعائق ولطالما عرفت المجتمعات أصحاب مهن متنوعة، نجحوا في مجالات فنية وإبداعية، منها استبصروا الواقع، وغاصوا في الأغوار وكشفوا عن خفايا الذات من أحاسيس ومشاعر، تتفاعل مع محرضاتها من الظروف المحيطة، منتجة وبحسب المجالات المتنوعة ومنها الشعر، كلمات وأحاسيس، تصل إلى الآخر وتتفاعل معه سواء من حيث الفكرة أو الشعور. إذاً فالشعر ليس مهنة يكسب منها المرء قوته ويقتصر نشاطه عليها ولاسيما في عصرنا الحديث، والأسماء تكثر في مجتمعنا العربي قديمه وحديثه منهم ابن سينا وابن زهر وشاكر مطلق، وأيضاً في عصرنا كثرت أسماء الشعراء الذين يزاولون مهناً أخرى ولكنهم وظفوا موهبتهم الشعرية في خدمة قضايا العامة منهم إبراهيم ناجي وعلي ناصر ووجيه البارودي، الأخير الذي تتماهى عنده شخصية الطبيب في شخصية الشاعر العاشق والثائر على الجهل والفقر، هذه الخصوصية وغيرها من الإشكاليات كانت من محاور الندوة التي حملت اسم الشاعر «وجيه البارودي… طبيباً وشاعراً وإنساناً»، أقيمت برعاية وزارة الثقافة في مكتبة الأسد الوطنية بدمشق.

وجيه البارودي بين الطب والشعر

ولد وجيه البارودي في عام 1906 في حماة، في كنف عائلة ميسورة كانت تعيش في ظل مجتمع تقليدي منغلق تحكمه العادات والتقاليد الموروثة ذات الطابع الديني والإقطاعي، وعلى عادة الأسر الغنية آنذاك أرسل وجيه إلى (الكتّاب) كي يتتالى بالمراحل العمرية والدراسية بعدها متابعاً تعلّمه، وبسبب الظروف، في الجامعة الأميركية في لبنان، وحول نشأته وأمور أخرى تحدث في الندوة الدكتور نزار بريك هنيدي: «بدأت موهبة وجيه البارودي بالتفتح مع مواهب زملائه في جمعية (دار الندوة) هؤلاء الزملاء الذين أصبحوا علامات بارزة في الشعر العربي الحديث… في هذه المرحلة فوجئ شاعرنا بظروف غيرت وضعه الاجتماعي وأعادت صياغة علاقته مع عائلته ذات اللقب العريق، فقد فُجع بوفاة أمه وقام أبوه بالزواج سريعاً مرة أخرى، وقام بحرمان وجيه وإخوته الأربعة من الرعاية المالية ولاسيما بعد أن أفلست تجارة الأسرة…. ولاشك أن ذلك ترك بالغ الأثر في تكوين شخصية شاعرنا الذي أقام عداوة بينه وبين المال، وبالتالي مال الشاعر البارودي إلى الفقراء الذين فيهم الحب الأصيل والأخوة النبيلة، وعزم أن يوقف علمه وطبه على خدمة الفقراء، وأن ينشئ بين الطب والفقر ألفة تنصره على الجشع والظلم والغدر». متابعاً د. هنيدي في مكان آخر: «ذلك أن وجيه كان يدرك أن رسالته الطبية لا تقتصر على معالجة الأمراض التي يصاب بها أبناء مدينته وريفها، بل لابد له من أن يعمل على نشر الوعي الصحي ومحاربة الخرافة والتدجيل، وتعزيز ثقة الناس بالطب القائم على العلم والتجارب الحديثة وإرشادهم إلى أساليب الوقاية والحد من انتشار الأوبئة، ربما هذا ما دفعه إلى كتابة مجموعة من المقالات الطبية ونشرها في مجلة (النواعير) التي كانت تصدر في حماة وذلك بعد وصول أفواج النازحين من فلسطين في أعقاب النكبة عام 1948».

جدلية الشرق والغرب في شعر البارودي
من جهته تحدث خلال الندوة د. راتب سكر عن نشأة البارودي في شعره، وأسباب ميوله نحو الغرب انسجامه معه من حيث التقدم الفكري والتكنولوجي وغيره، وبالوقت نفسه اصطدامه مع واقعه المعيش قائلاً: «تعد تجربة الدكتور وجيه البادرودي، الشعرية والطبية، من التجارب المهمة للدارسة الأدبية والبحث الجاد، ذلك أن هذه التجربة انطلقت في مطالع القرن العشرين عندما كان وجيه البارودي تلميذاً في الجامعة الأميركية، عندما كان اسمها الكلية الإنجيلية في بيروت، وكانت تدرّس حلقات التدريس الثانوية والإعدادية والابتدائية، وقد التحق في هذه الكلية وهو في الثانية عشرة من عمره، وبرز بين تلامذة الكلية تلميذاً نبيهاً، فأسس مع زملائه من طلبة الجامعة الأميركية في مراحل الثانوية الندوة الأدبية، وكان هؤلاء الزملاء بالمصادفة هم حافظ جميل من العراق، وإبراهيم طوقان من فلسطين وعمر فروخ من لبنان، هؤلاء الأربعة شكلوا الندوة الأدبية في الجامعة الأميركية، وهم من ألفوا ديواناً شعرياً متكاملاً فيه قصائد ألفها بعضهم بالمشاركة، ولاسيما أن تجربة إبراهيم طوقان الفلسطيني قد قاربت بروحها تجربة الشاعر البارودي، فكتب قصائد مشتركة متنوعة ثبّت قسماً منها الدكتور وجيه في مجموعاته، وعندما ألف كتاباً قبل سنوات عن رسائل متبادلة بين إبراهيم طوقان والأدباء العرب ثبتت رسائله بينها مع وجيه البارودي، هذه التجربة المبكرة لابد أن نضيف إليها تجربة صداقته مع بدر الدين الحامد ابن مدينته حماة، والذي كان يكبره بنحو ثماني سنوات، فكان ينشد كل منهما صديقه الشعر، ويتحاوران حول الشعر والأدب في الحياة، ولا يمكننا أن ننسى أن تجربة بدر الدين الحامد قريبة من تجربة إبراهيم طوقان، لأن بدر الدين ذهب للدراسة في الكلية العربية في القدس. البارودي في دراسته في بيروت انفتح على الثقافات الغربية وعلى صلة الثقافة العربية بالفكر التحرري العالمي، لذلك كان هناك شيء من الصدام بين تعلّق وجيه بما اطلع عليه في الكتاب بالمدارس الأولى في حماة، وما أطلعته عليه الجامعة الأميركية في بيروت، فكان هناك صراع في نفسه دائم وهذا الصراع استمر معه حتى رحيله، بين روح الغرب المتوثبة على دروب التقدم التقني والحضاري والفكري والمؤمنة بحقوق الإنسان في التحرر، ولاسيما حق المرأة في التحرر والحب والحياة، ومجتمع الشرق المكبل بالتقاليد والقسوة واستلاب الحرية والأذى، فهذه النقاط شغلت وجيه منذ تجاربه الشعرية المبكرة، واستمرت معه حتى السنوات الأخيرة في حياته، وظل يعذب بذلك ولكنه كان يواجهه بجرأة، وقسوة وعنف، حتى تم الاعتداء عليه شخصيا في الأربعينيات عندما هجم عليه مجموعة من الرعاع على منزله فلم يجدوه فحطموا باب منزله وذهبوا حيث أخبروهم أنه في المقهى، ولكن شاءت الظروف أن يفر من وجوههم ولا يقع في قبضتهم، لكنه هجاه بقصيدة مشهورة. ولكن خفف البارودي من حدة صراحته لذلك عندما طبع ديوانه الأول وأعاد طباعته كان قد حذف قصيدتين من الديوان، لأنه خشي من خصوم هاتين القصيدتين فكريا، فنجد أن وجيه بدأ يتراجع عن مواقفه السياسية والاجتماعية والفكرية المباشرة كي يفرد للغزل المساحة الأوسع، فجاء ديوانه الثالث وديوان «سيد العشاق» بأن موضوع الغزل يهيمن على ديوانه، ولكن علينا أن ننتبه أن غزل وجيه لم يكن راية استسلام بيضاء، ففي هذا الغزل بين سطوره حقيقة تمرده القديم، فهو عندما يتحدث عن المرأة إنما يتحدث عن القضايا الكبرى التي آمن بها، لذلك هو عندما يطالب بأن تكون المرأة أقرب إلى العقل والقيم فهو يريد لبلاده أن تكون الأقرب إلى العقل والأكثر حضارة.

وجيه البارودي والدخول في الإشكال
على حين توقف مدير الندوة د. إسماعيل مروة في مداخلته للحديث عن الإشكال في شعر وجيه البارودي، مشيراً إلى أن الإشكال له قسمان، متابعا: «عندما كنا طلابا في الجامعة، كان لنا صديق في الجامعة اسمه أحمد طعمة، فعندما سألته عن وجيه البارودي، قال لي: (نحن لا نحبه في حماة، لأنه هجا حماة). وفعلا جاء أحمد طعمة بنسخة من ديوان الشاعر وأهداني إياها. وعندما قرأت، جاءني استغراب شديد اللهجة، بأن يقال عن وجيه البارودي بأنه شتم حماة، وهنا نأتي على قضية العادات والتقاليد، فكثير من الناس كانوا يقولون إن وجيه البارودي كان ضد الدين، وكان ضد حماة. هذه القضية يجب أن نقف عندها، وجيه البارودي عندما تحدث عن حماة- بالفعل هذه النصوص بحاجة إلى دراسة- هو لم يتناول حماة المدينة، ولم يتناول العادات بوصفها تقليدا دينا، وإنما تناولها بوصفها عرفا اجتماعيا، فمن منا ليس ضد السحر والشغوذة، ومن منا ليس ضد الجهل، فإلى اليوم تفوز بالنيابة شعوذات، فهل هذا يعني إن قلنا… بأننا ضد مدننا؟. حورب البارودي على أنه هجا حماة وهذا كلام غير صحيح، لأن من يهجو بلداً لا يسكنه. وهذا الرجل جاء وعاش في حماة، وداوى المرضى، وكان يعاين الفقراء من دون أن يأخذ أجراً وحتى كان يعطي الدواء لهم، ورغم كل احتوائه لأهل مدينته-بحسب قوله- في الانتخابات لم يفز إلا بصوته، ولم يحصل على أي من أصوات أهل حماة. أليس من حقه أن يتحدث عن هذه البنية الاجتماعية المتهتكة التي لا تقدّر العلم، وإذا تحدث هل نقول إنه ناكر لحماة وناكر لمدينته، وهنا لابد من التأكيد أن الشعر خطابي وتصل رسالته مباشرة، وحتى في ديوانه الأخير «سيد العشاق» هناك قصيدة لحماة، هو لم يهجها بل يريد أن تكون حماة عظيمة، وهذا الإشكال يجب ألا نتناوله بالحمية وبالغضب. أما الإشكال الثاني الذي نتوقف عنده هو المرأة، فعندما تسأله يقول: (نزار قباني شاعر الحب وأنا شاعر العشق)، فسألته (ما الفرق بينهما؟)، فقال (قصيدة نزار قباني لكل امرأة، في حين قصائدي لامرأة واحدة هي امرأة وجيه). فالإشكال بأننا نجده في كل القصائد وحتى بالاسم، فشعر الحب لديه هو شعر مغامرة خاص وهو لا يكتب إلا عن مغامرته».

جمل أربع
في ختام الندوة تقدم د. محمد إياد الشطي وزير الصحة الأسبق، بمداخلة صغيرة أوجز فيها عمق محبته وتقديره لقامة الدكتور والشاعر وجيه البارودي، قائلاً: «نحتاج لجرأة كبيرة بأن نتمكن من الكلام، بعد ما سمعناه من طيب الكلام ودقة الكلام، لذا أحاول أن أستعين بذاكرتي لأذكر أربعة أو خمسة أسطر، في حفل تكريم الكبير الراحل البارودي، والتكريم كان بعد أن مضى عليه تسعة وخمسون عاماً من الممارسة الطبية وليس ستين عاما، إذ إنه أصيب في ذاك الشتاء بنزلة ذات رئة حادة جدا، فخفت أن يأخذ اللـه أمانته، لهذا تم تكريمه. أحاول أن أتذكر، يعتقد بعض اللغويين أنهم قادرون على أن يختزلوا اللغة العربية بجمل أربع، فهل أستطيع أن أختزل هذه القامة بأربع جمل: ياسيدي أنت قصيدة عشق، وباقة ورد، ومِسمع حكيم، وأياد بيضاء من زمن المرسلين الأنبياء».
الوطن

عدد القراءات : 1030

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *

اكتب الرقم : *
 

 
 
alazmenah.com - All rights reserved 2017
Powered by SyrianMonster - Web services Provider