الأخبار |
أمريكا تسجل أكثر من 55 ألف إصابة بكورونا لليوم الثالث على التوالي  بيونغ يانغ: لا يمكننا أن نتخلص من النووي  هونغ كونغ تغلق جميع المدارس بسبب ارتفاع حالات الإصابة بـ"كورونا"  هل ستضمن منظومة باتريوت أمن أمريكا في العراق؟  البنتاغون: علاقتنا وثيقة مع "قسد" ونحن على اطلاع بلقاءاتهم مع مسؤولين روس  غاز المتوسط.. العملاق الصيني يدخل من بوابة قبرص  الأردن.. توقعات ببدء العام الدراسي في أغسطس المقبل  تجار في طرطوس يتاجرون بلحوم الأبقار النافقة بسبب وباء الجدري ويبيعونها للمواطنين  ارتفاع ضحايا كورونا إلى نحو 550 ألف وفاة وأكثر من 12 مليون مصاب حول العالم  تقرير أمريكي: الإمارات عرقلت الأسبوع الماضي اتفاقا ينهي الأزمة الخليجية مع قطر  الصحة: تسجيل 22 إصابة جديدة بفيروس كورونا ووفاة حالتين  المكسيك تسجل حصيلة يومية قياسية في إصابات كورونا  “كوفيد – 19” يقترب من مليونيته الثانية عشر.. الكمامة أفضل سبل الوقاية  البرلماني السينمائي!!.. بقلم: وصال سلوم  المحكمة الأوربية ترفض دعوى رجل أعمال سوري لرفع اسمه من قائمة العقوبات.. من يكون؟  وفاة عامل وإصابة اثنين جراء انهيار منزل في حي كرم القاطرجي بحلب  الرئيس الأسد يستقبل رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الايرانية اللواء محمد باقري والوفد المرافق له  صراع «السيادة» على سوق الطاقة: أسعار من ثلاثة أرقام صارت ماضياً بعيداً!  روسيا تتدخّل مجدّداً لمنع المواجهة المصرية ــ التركية     

الأزمنة

2015-08-23 03:33:13  |  الأرشيف

تواصل الأجيال مع التاريخ

زهير جبور
طرأت عدة تسميات مختلفة على شوارع وأزقة ومواقع كانت الذاكرة الشعبية قد احتفظت بالاسم الذي أطلق عليها بسبب أحداث شهدتها، واللافت أنها بقيت متداولة بين الناس الذين لا يعرفون عنها شيئاً سوى الاسم، وذلك لأن الجهات المحلية التي أدارت شؤون المدن لم تراعِ هذه الحالات، إما لجهل منها أو لعدم تقديرها لرمزية المكان المعني تاريخياً، لتظل الذاكرة أكثر تفاعلاً مع الأمكنة، ولترصد الخارطة مواقع بأسمائها المتنوعة، وفي اللاذقية كانوا قلائل أولئك الذين أرّخوا ووضعوا الإرث في مكانه وهو ما مكن من عدم طمسه وأرشد المهتمين لاحقاً إلى تفاصيله، وعمل في الميدان الأوغاريتي الباحث المرحوم جبرائيل سعادة ويعود الفضل له في الحفاظ على هذا المكتشف منذ عام 1929 من القرن الماضي، مع مجموعة المتعاونين المهتمين راؤل فيتالي. زياد عجان. محمود عجان. هاشم عثمان. والمفكر الباحث الذي وافته المنية في الشهر الماضي وديع بشور، الرجل الذي خدم التاريخ وقدم للمكتبة العربية البحوث المهمة، وسلط الضوء على جوانب كانت مجهولة، متعمقاً في بحوثه التي لقيت سمعة عالمية، وفي رحيله خسر الوطن باحثاً ومفكراً وطبيباً قدّم لأبناء شعبه، وكان يعمل بصمت ولا يميل إلى أضواء الإعلام، مكتفياً بما نشره من كتب مهمة جداً، كان من الأجدر أن تؤخذ بأهمية خاصة، وتدرس وتتبناها الجامعات وتتواصل معها الأجيال، وعمل ضمن قناعاته الفكرية التي حملها، وعلمت من مصادر مديرية الثقافة أنهم يجهزون الآن لإقامة حفل تأبيني يشارك به مجموعة من الباحثين وأصدقاء الفقيد الذين عرفوه عن قرب، مع ملاحظة كنا قد كررناها كثيراً وطالبنا بها.. وهي ضرورة الانتباه الرسمي للمبدعين الذين خدموا الوطن وألا يغيب تاريخ نضالهم، ومع رحيلهم يطوى زمنهم ولا يذكرون من بعد، وفي هذا التقصير سوء ائتمان لتاريخ الأفراد الذي لا ينفصل عن الجماعة، ويساهم في تشكيله، ونجزم هنا أنه لولا الراحل جبرائيل سعادة الذي عاصر أوغاريت لحظة اكتشافها لكان ذكرها قد غاب، وخاصة أن الاحتلال الفرنسي وقتذاك وضع يده على المكتشف، وتمكن من تهريب لقى وأثريات قيمة وهي معروضة في المتاحف الفرنسية، ولولا تصدي سعادة لهذا النهب المبرمج في وقته لبقيت أوغاريت الآن مجرد حجارة دون أبجدية وموسيقا وقوانين وملاحم وشعر، رجال عظماء هؤلاء الذين واجهوا وأسسوا وأبرزوا الحقائق وبتروا ادعاءات الزيف التي أطلقها أصحاب المصلحة الاستعمارية وعلى رأسهم الصهيونية وهي تجير تاريخها وتسخره لصهيونيتها، وما بذلوه في أنهم تمكنوا من تطويق الادعاء والتلاعب على التاريخ جبرائيل سعادة. وديع بشور. هاشم عثمان. والجيل الذي حل بعدهم، د. بسام جاموس. د. جمال حيدر. ومجموعة أخرى تعمل حالياً في قسم التاريخ بجامعة تشرين وكان من الممكن أن تساهم الجامعة في إنشاء معهد خاص بالعلوم الأوغاريتية، وهو السعي الذي جدّ به الجيل السابق ومن حل مكانه لكن ثمة صعوبات فنية وإدارية ومهنية واقتصادية حالت دون ذلك، وجاءت ظروف البلاد المؤسفة المحزنة لتوقف المشاريع بكاملها، وكذلك عمليات التنقيب وغيرها، ونجد أنه من المثمر أن تصب الجهود القادمة في خلق حالة تواصل بين الأجيال وأمكنة تبدلت عليها الأسماء، لكنها احتفظت شعبياً بقيمة التاريخ الذي حملته، وننوه إلى أن أبناء اللاذقية جميعهم يرددون اليوم اسم القديسة (مارتقلا) وهناك حي بالكامل محاذياً لكورنيش البحر باسمها، وكذلك أكثر من كنيسة ممتدة على طول الساحل حتى إنطاكية ومعلولا وصيدنايا، وحين سألت مجموعة فتيات من الحي عنها كانت إجاباتهم أنها حضرت إلى اللاذقية وعاشت فيها من دون معرفة أي شيء آخر سوى أنها قديسة، وهذا يفسر انفصال الشباب عن تاريخهم بسبب الإهمال المتعمد، وعدم تحفيز الفضول المعرفي الذي انعدم بسبب خيبات ألمت بهم ومصدرها التاريخ، والموضوع يتطلب بحثاً مختصاً يرتبط بالواقع الثقافي والتربوي والاجتماعي واهتمام الشباب الذين تواصلوا مع كل تسليات (الإنترنت) المتوافرة ولم يبد أي اهتمام بالعودة إلى أسماء مواقع يسكنون ويعيشون فيها وهذا معيب في الواقع.
•    أماكن منسية
لا يختلف الرأي في وجود أماكن يعود عمرها إلى أكثر من ألفي عام، ولم تذكر في البحوث، ومنها في اللاذقية عمود السندكس والفاروس، والكنيسة المعلقة، وقد وردت في بعض البحوث المتفرقة من دون تفاصيل، واللافت أن أمكنتها موجودة، ولنتعرف على القديسة مارتقلا، تطلب الأمر العودة إلى ملفات إنطاكية القديمة، وكذلك جبال القلمون، والقديسة تلميذة بولس الرسول، وأولى شهيدات المسيحية، وأكد الراحل جبرائيل سعادة أنها كانت من الجميلات جداً واعتنقت المسيحية، وألقيت في النار من قبل الحاكم، فتقدمت بشجاعة ورمت نفسها وفجأة انهمر المطر في المكان وانطفأت النار، ومع بولس الرسول وصلت إلى إنطاكية وهناك حاول أحد المتنفذين اغتصابها، فقاومت وحكم أن ترمى عارية للوحوش، وأطلقوا عليها لبوة جائعة حين اقتربت منها ركعت عند قدميها ولم تمسها، ومن ثم ربطوها إلى زوج من الثيران وأطلقوها وأفلت الثيران من دون أن تصاب، وألقوها في بؤرة ملأى بالثعابين ولم تمسها، فأطلقوا أنها ساحرة، مشعوذة، وأجابت: أنا تقلا أمة الله وخادمته وهو الذي أنقذني، ومن بعدها تركت إنطاكية إلى اللاذقية وأقامت فيها بمكان الحي القائم حالياً وفيه اكتشفت كنيسة المارتقلا التي كانت مطمورة بسبب حفريات ردمتها، لتغادر إلى القلمون، أما موقع (السندلكس) كما يطلق عليه حالياً فهو يعود للقديس (سانت إليكسي) الذي ولد في روما، وأمه (أغلانيس) من سلالة الملوك الرومان، وتخلى القديس عن الجاه والسلطة وحضر عبر سفينة إلى اللاذقية وعاش في المكان وهو في طرف المدينة نقطة نهاية شارع بغداد، وكانت توجد به عين ماء يدخل إليها عبر درجات، وتتجمع الماء في عمق متر ونصف المتر، ويروى أنها كانت شافية من الأمراض، وشوهد في المكان تابوت من رخام أبيض هو الأول من نوعه في سورية، كما يذكر الباحث هاشم عثمان، وله وصف يطول شرحه لكن المغارة أزيلت عندما تم إنشاء الخط الحديدي الواصل إلى محافظة حلب وهذا في سبعينيات القرن الماضي، ولم ترصد الدراسة أهمية المكان وتاريخه فدمرته، كما حدث مع الكثير من الأماكن التي التهمها الحفر التوسعي، والمشاريع المختلفة، تحتفظ الذاكرة الشعبية بالأسماء القديمة وهي لم تتعامل مع التسميات التي دخلت لاحقاً، وكانت الجهات المسؤولة تسمح بالهدم وفي الثمانينات من القرن الماضي وقف المهتمون بالتاريخ والأماكن ضد هذه العشوائية مجتمعين على التراخيص التي تجرد المدينة من عراقتها، ووصل صوتهم إلى أعلة سلطة في البلاد بعد أن دمر مشروع توسع الميناء الذاكرة اللاذقانية وأزيل الكورنيش بما فيه من تاريخ، وشكلت لجنة حماية المدينة القديمة ليتراجع منح التراخيص وتستمر الاعتداءات بلا توقف إلى اليوم، والأحداث التي جرت في البلاد بكل أسف وأسى عرضت الكثير من المواقع للدمار والنهب، كما حصل في مصيف كسب، والآن نجد أنه من الضرورة أن تسارع الجهات المحلية لتشكيل ورشة تاريخية تضم الخبراء وأصحاب الاختصاص وتبدأ بصياغة تاريخ اللاذقية وما فيه استكمالاً لما قدمه الباحثون والمؤرخون الذين بذلوا جهودهم الفردية والعمل بحاجة للتنظيم والتخطيط، والأهم هو تواصل الأجيال مع تاريخها السوري، خاصة في المناطق التي دخلتها العصابات ودمرت فيها، وعلى رأسها مدينة تدمر، وجعل تاريخها متداولاً بين الأجيال وإن لم نفعل ذلك فسوف تبقى صورة المستقبل الذي ننشده غير متكاملة.
عدد القراءات : 11008

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245721
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020