الأخبار |
ترامب يخفف عقوبة روجر ستون المدان بالكذب على الكونغرس  ولاية كاليفورنيا الأمريكية تفرج عن 8 آلاف سجين في إطار مكافحة كورونا  أمريكا تسجل أكثر من 55 ألف إصابة بكورونا لليوم الثالث على التوالي  بيونغ يانغ: لا يمكننا أن نتخلص من النووي  هل ستضمن منظومة باتريوت أمن أمريكا في العراق؟  بكين ترفض المشاركة... وواشنطن تهدّد بالانسحاب: معاهدة «نيو ستارت» تلفظ أنفاسها  قصة عمرها 15 قرناً… آيا صوفيا هويّتان دينيّتان ومصير مُتنازع عليه  البنتاغون: علاقتنا وثيقة مع "قسد" ونحن على اطلاع بلقاءاتهم مع مسؤولين روس  كوكب بحجم الأرض يدور حول أقرب نجم يثير فضول العلماء  المحكمة الخاصة بلبنان تحدد موعد النطق بالحكم في جريمة اغتيال الحريري  يدخلن حوامل ويخرجن على محفات الموت.. ماذا يحدث في مشفى التوليد “التخصصي” بدمشق!؟  تقرير أمريكي: الإمارات عرقلت الأسبوع الماضي اتفاقا ينهي الأزمة الخليجية مع قطر  الصحة: تسجيل 22 إصابة جديدة بفيروس كورونا ووفاة حالتين  فيتو مزدوج روسي صيني ضد مشروع قرار يتيح تمديد آلية إدخال مساعدات إلى سورية دون التنسيق مع حكومتها  إلزام العائدين بتصريف 100$: نحو إقرار استثناءات؟  البرلماني السينمائي!!.. بقلم: وصال سلوم  تفكيك مفهوم العظَمة الأمريكية.. بقلم: د. نسيم الخوري  المحكمة الأوربية ترفض دعوى رجل أعمال سوري لرفع اسمه من قائمة العقوبات.. من يكون؟  صناعة الموت في اليمن.. بريطانيا والسعوديّة في خندق واحد  هل نحن على أعتاب “القرن الآسيوي” وأفول “الأمريكي”.. “كورونا” غير شكل العالم     

الأزمنة

2015-11-21 04:34:52  |  الأرشيف

معادلة الإنسان والخبز منذ معرفة القمح

زهير جبور
صديق قديم شق طريقه في الحياة، وتمكن من جمع ثروة لا بأس بها، بعد أن عاد من إسبانيا مرغماً بسبب مد يده على خبزة من أحد الأفران وألقي القبض عليه من قبل الشرطة هناك بتهمة اللصوصية، وكان طالباً في السنة الثانية كلية الطب، وحكم القضاء عليه بالترحيل الفوري، والموضوع أن عمه الذي وعده بإرسال نفقات إقامته إلى حين تخرجه، أخلّ بالوعد، ليواجه الشاب جوعاً مدة ثلاثة أيام، فوجد الخبزة طازجة، متطاولة شهية، والجوع كافر، يفقد الإنسان توازنه، يشل تفكيره، ويقض على إرادته ويعميه، وحكاية الإنسان مع الخبز معروفة وهي ترمز إلى الإنسانية بأوجهها المختلفة، خسر الرجل مستقبله الطبي، وكان للحادثة أثر مباشر عليه ما دفعه للتعويض والعمل والنجاح، واعتاد من بعدها توزيع الخبز على الفقراء، والسخاء به، وعلمته الحياة أن الخطيئة قد تكون درساً وهي أن لم تقتل فينبغي الاتعاظ بحكمتها، وما من خطيئة إلا ومن ورائها حكمة والعارف هو من يستفيد منها، منذ بداية الأزمة السورية المؤسفة أعلنت الحكومة في تصريحات تكررت للمسؤولين أن مادة الخبز مصانة، وستزج كل إمكانياتها لتوفرها وبالأسعار المتناسبة مع دخل الفقراء وهي الركيزة الأساس في طعامهم، وهذه مسألة اعتيادية والخبز العنصر الرئيس في الوجبة ومن دونه يفقد الطعام أي نكهة، استسهلت إجراءات حصانة الخبز، وارتفعت أسعاره أكثر من مرة، وضربت الحكومة بوعدها عرض الحائط، هي ظروف الأزمة وعلى أكلة الخبز تقدير الوضع، وتدبير الحال، وكنا قديماً في زمن الرخاء ممن يهدرونه وهذا عيب فينا، وكتبنا عن ذلك كثيراً، وثمة حملات توعية للتراجع عن العادة السيئة، في البرغل والأرز والطبخ بشكل عام، وكانت كميات كبيرة توجد بالقمامة، والرخاء على مداه، والمرتب الشهري يكفي، ومع الأزمة ودخولها إلى مفاصل العيش وغلاء الأسعار المجنون، بدأ الإحساس بخطورة فقدان الخبز يكبر، وأصبح القلق كل شيء إلا هو، وثمة تطمينات أن الطحين متوافر، ولا خوف على مستودعاتنا، والكمية تكفينا لسنوات، حسب تصريحات إعلامية سابقة، وتم التقيد بعدم الهدر، والتخلص من العادة العيب وفكر النسوة بمطبخهن في تحضير الكمية التي تسد الحاجة ولا يبقى منها شيئاً، وصار التعامل مع الكهرباء المقطوعة باستمرار يشل عمل الثلاجات ويلغي دورها، وعليه فالظروف المنهكة فرضت جبروتها، وصديقنا خسر الطب من أجل خبزة واحدة، وتعلم درساً منذ ذلك الحين أن لا يهدر به، وكثيراً ما سمعنا عن ثروة طائلة كان مالكها يبيع الخبز اليابس، إنه الذهب لا يشد لمعانه إلا وقت الحاجة إليه.
•    الإنتاج حالياً
كثرت في اللاذقية منذ بداية العام الماضي أفران المعجنات و(البيتيفور) و(الكروسان) والصمون، وأدخل علينا الإخوة الوافدون من حلب أنواعاً لم نكن نعرفها، ومع الغلاء الذي التهم المواد بأسعارها الكاوية، وصل سعر كيلو الصمون إلى300 ل.س وهو بمعدل خمس صمونات يأكلها شخص في حال فتحت شهيته، لذلك وضحت السيدة أنها تشتري واحدة فقط من أجل سندويشة ابنتها التي ترافقها إلى المدرسة، وعبر أحدهم أنه لم يذق طعمه من سنوات، وأجاب آخر خلينا نؤمن الخبز العادي أولاً، وهكذا فقد سمعنا آراء كثيرة تصب بكاملها في المعاني إياها.
أما ما ينتج من الخبز فهو بحاجة لإعادة النظر ومراقبته، خاصة في أفران القطاع العام، حيث الرغيف الذي يخرج (معجناً) بأطرافه تطغى عليه نسبة النخالة، قابليته لليباس سريعة، ولا يمكن الاحتفاظ به، فبعد ساعات سيحتاج إلى إعادة التأهيل، والتسخين على الغاز، ولا يصلح لأن يكون (للسندويش) مع ملاحظة أن هذه الأفران سابقاً كانت معروفة بجودة ما تقدم، حريصة على المواصفات، ويظهر أن إمكانياتها المهنية لم تعد تستوعب الكثافة السكانية التي تضاعفت، وعلمنا أن السيد محافظ اللاذقية يقوم بجولات على الأفران ويراقب نوعية الخبز، وقيل من قبل المواطنين إن الإدارة الفرنية تحسن العجنة في حال توقعها أو إعلامها المسبق بذلك، فيظهر الرغيف أثناء حضوره عكس ما يقدم في الأيام العادية، وهذا الأمر يدفعنا للسؤال لماذا الشكوى إذا كان الرغيف مكتمل الأوصاف، الرأي نقله إلينا الكثيرون أثناء جولتنا على أفران الصليبة. دمسرخو. منهم من اكتفى بالقول (عم ندبر حالنا المهم أن يتوافر) مع ملاحظة أن الانتظار يطول، ويتراكض الأطفال إلى تقديمه تسهيلاً بسعر يحددونه هم أما في الأفران الخاصة فيختلف السعر حسب جودة المنتج، ولا بد من التلاعب وتجاوز السعر الرسمي المحدد، والحماية التي تميز فرناً عن آخر لا تشمل المواطن، والأسباب ليست بحاجة للشرح، يقوم السيد إبراهيم خضر السالم محافظ اللاذقية بجولات ميدانية ويوجه بحزم على ضرورة التقيد بالمواصفات والتسعيرة، ويتلقى أجوبة من المعنيين تؤكد الالتزام، ولكن هل يتمكن من المتابعة المستمرة وثمة ضمائر فقدت صلاحية استعمالها، ولم يعد لها أثر، وهنا المشكلة التي تعاني منها اللاذقية منذ عشرين سنة، وجاءت الأحداث لتقضي على ما كان يمكن إصلاحه.
السيد المحافظ يعمل ويجتهد، ويجد في الاستئصال، وحسب الذين عرفوه في سلوكه المهني أنه لا يقبل الخطأ ويساند الفقراء ويرفض استغلالهم، ولم ينسلخ عن بيئة قروية ترعرع وكبر فيها محباً للوطن ولأبناء الوطن الشرفاء المخلصين، ويعمل بهذه الأخلاق كما بينت أشهر تواجده في اللاذقية.
•    بائعة الخبز
يداهم الأطفال من سن 7 إلى 15 سنة العربات المتباطئة في سيرها، يعرضون الخبز على ركابها، ينتشرون على الأرصفة ذات الكثافة المرورية، يبيعونها للمستعجلين والذين لا يقفون في طابور الدور الممل على كوة الفرن، ظاهرة منتشرة في معظم الشوارع، وبين محاولة طمسها أو استمرارها ثمة أبعاد يمكن شملها تحت بند الإنسانية، ضرورتها لمساعدة المحتاجين الذين يدفعون أولادهم وهم في سن المدرسة إلى العمل وهؤلاء كثر جداً، وتحتاج الظاهرة دراسة دقيقة وأسبابها الأزمة اللعينة، من بين هؤلاء وجدتها طفلة بثوب نظيف، واضعة ربطات خبزها على زاوية شارع بورسعيد في حي الصليبة، دفعني وقوفها وعلى وجهها علائم الخجل لأحدثها، اسمها مايا في الصف السادس، اكتشفت بسرعة لطافتها ورقة إحساسها، فقالت: والدي مريض قلب، وظهرت في رأسه كتلة، كان يعمل سائقاً لتكسي عامة، أخوها عمر الأكبر منها بترت آلة مصنع المعكرونة ساعده، لم يتقاض أي تعويض، ومالك المعمل فرّ من البلاد، وهي الآن تخرج من المدرسة لتلتحق إلى جانب أخيها تساعده من أجل تأمين قوت الأسرة وعلاج والدها، هكذا تحدثت مايا بنباهة ملحوظة، وفي عينيها يبدو الحزن، وغصة فقر حرمتها طفولة سليمة، مددت لمايا المبلغ... سألتني كم ربطة تريد؟ قلت لا أريد شيئاً هذا لك، ردت أنا لا آخذ نقوداً من أحد إلا ثمن الخبز، بكبرياء طفولة مجروحة تدرك بعفوية أن موقعها ليس هنا، وفي سري المندهش بحثت متأملاً عن دور لمجتمع مدني يفتش عن مثل هذه المآسي، وعن جمعيات متبجحة إعلامياً، ولا تعكس منفعة مؤسسات حكومية للشؤون الاجتماعية، وعن مسؤولين يتواصلون مع الشعب بالأحياء والأزقة يتحدثون إليهم ويستمعون إلى مصائبهم بعيداً عن المكاتب والرسميات، وعن مخاتير لا عمل لها إلا طبع الختم على ورقة مقابل خمسمئة ليرة سورية لكل توقيع، واحتكار اسطوانات الغاز أثناء فقدانها، وصناديق مساعدات تظهر في سوق الجمعة وسواه إلى جانب بضائع أخرى منهوبة مجهولة المصدر.
بائعة الخبز هذه جعلتني أسترجع ما طرحه الأدب العالمي في تعبير يربط الإنسان بالقهر، وقد صورته السينما عبر نصوص كثيرة وعرضتها كحالة إنسانية وهي الآن ليست على شاشة بل في مسرح حي يمكن رؤيته لكل راغب بمن فيهم من يريد تقديم المساعدة والتأكد من الحقيقة.
 الخبز والإنسان معادلة العيش منذ أن عرف العجين والقمح والنار والطهي، منذ أن أطلقت بعفوية تامة جملة (لقمتنا مغمسة بالدم) من هم أولئك الذين يغمس الدم لقمتهم وخبزهم وحياتهم... إنها الأزمة الفاجرة. الدنيئة. المنحطة. التي جعلتنا نرى ما لم نكن نتوقع رؤيته، وكسرت أنفسنا لكنها لم تنل من كرامتنا مهما بلغت وحشيتها.
 
عدد القراءات : 11530

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245749
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020