الأخبار |
ترامب يخفف عقوبة روجر ستون المدان بالكذب على الكونغرس  ولاية كاليفورنيا الأمريكية تفرج عن 8 آلاف سجين في إطار مكافحة كورونا  أمريكا تسجل أكثر من 55 ألف إصابة بكورونا لليوم الثالث على التوالي  بيونغ يانغ: لا يمكننا أن نتخلص من النووي  هل ستضمن منظومة باتريوت أمن أمريكا في العراق؟  بكين ترفض المشاركة... وواشنطن تهدّد بالانسحاب: معاهدة «نيو ستارت» تلفظ أنفاسها  قصة عمرها 15 قرناً… آيا صوفيا هويّتان دينيّتان ومصير مُتنازع عليه  البنتاغون: علاقتنا وثيقة مع "قسد" ونحن على اطلاع بلقاءاتهم مع مسؤولين روس  كوكب بحجم الأرض يدور حول أقرب نجم يثير فضول العلماء  المحكمة الخاصة بلبنان تحدد موعد النطق بالحكم في جريمة اغتيال الحريري  يدخلن حوامل ويخرجن على محفات الموت.. ماذا يحدث في مشفى التوليد “التخصصي” بدمشق!؟  تقرير أمريكي: الإمارات عرقلت الأسبوع الماضي اتفاقا ينهي الأزمة الخليجية مع قطر  الصحة: تسجيل 22 إصابة جديدة بفيروس كورونا ووفاة حالتين  فيتو مزدوج روسي صيني ضد مشروع قرار يتيح تمديد آلية إدخال مساعدات إلى سورية دون التنسيق مع حكومتها  إلزام العائدين بتصريف 100$: نحو إقرار استثناءات؟  البرلماني السينمائي!!.. بقلم: وصال سلوم  تفكيك مفهوم العظَمة الأمريكية.. بقلم: د. نسيم الخوري  المحكمة الأوربية ترفض دعوى رجل أعمال سوري لرفع اسمه من قائمة العقوبات.. من يكون؟  صناعة الموت في اليمن.. بريطانيا والسعوديّة في خندق واحد  هل نحن على أعتاب “القرن الآسيوي” وأفول “الأمريكي”.. “كورونا” غير شكل العالم     

الأزمنة

2015-12-22 03:22:14  |  الأرشيف

مبادرات فردية إنسانية روت ظمأ العطشى..حفر الآبار لتخفيف أزمة المياه مالها وما عليها

 الأزمنة| مصطفى رستم
أخذت الطفلة "غادة " تراقب بعيونها نزول آخر قطرات الماء المتدفقة من صنبور الماء قبل أن يتوقف نهائياً عن التدفق وهي ممسكة بوعاء صغير بالكاد جسدها الغض يستطيع حمله، هي تعيش كفرد من عائلة مؤلفة من سبعة أفراد، الطفلة غادة التي فقدت والدتها ووالدها بالحرب، تركتها الحياة تنازع حتى لتأمين كوب ماء ولا يهم إن كان يصلح للشرب أم لا، فهي بعمر عشر سنوات ولا تعلم عن المدرسة والصف والكتاب والدفتر المدرسي أي شيء بألم وحسرة وبانكسار شديدين التقطت ما استطاعت تعبئته لتخرج منكسرة الخاطر وسط زحمة الناس المتجمهرين لتعبئة المياه أمام عدد من الصنابير، ستعود إلى منزل عمها من دون ماء هذه المرة.
تمشي متثاقلة الخطا لبيتها، ورغم قسوة الحياة وما تسلبها منها إلا أن براءة الطفولة أبت إلا أن تكون بادية على محياها، ورغم يأسها إلا أن الأمل يأبى إلا أن يكون له مكان، وللون الأبيض مساحته مهما اتسعت رقعة السواد، غادة غيرت طريق منزلها ولم تضيعه بل أخذت طريقها لأقرب بئر حفر حديثاً في الحي التي تقطن فيه، وركضت هي وأخواها الصغيران اللذان أتيا ليساعداها في نقل الماء، وأمسكا بيديها راكضين جميعا للبحث عن بئر آخر.
هي إرادة الحياة "عزيزي القارئ " أن تدفع غادة وإخوتها للبحث عن الماء والبحث دون توقف عن مصدر الحياة، ،" الماء " وماء الشرب، فكم من طفلة تشبه "غادة " في حلب تلك المدينة التي يؤرقها أكثر المعضلات والمشكلات صعوبة دون حل جذري في مدينة حلب التي لا تعطش، وهي التي كان سكانها يشربون من نهر الفرات العذب.
تسقي العطاش:
ولكن.. البئر الذي خرج للنور حديثاً في الحي لم يُخرج الماء للأهالي فقط بل أخرج الناس من معاناة يومية ومن حالة اليأس إلى فرحة عارمة لم ترو ظمأهم فقط بل أثلجت قلوبهم، وخففت من عذابات أناس يلتقطون بأيديهم أوعية فارغة ويتنقلون من بئر ماء إلى بئر آخر لكي يحصلوا على قطرة ماء ترويهم.
قطرة الماء تلك كانت وما زالت حتى كتابة هذه السطور مشكلة تؤرق المواطنين بل وتستنزف مدخراتهم وأموالهم التي تذهب ثمن - صهاريج مياه -، هي بنفس الوقت جعلت جيوب تجار ومستغلي الأزمة أكثر تخمة، ولم يعد بمقدور الحلبي ذلك المواطن الذي أرهقته سنوات الحرب بقدرته أن يحتمل هذا الكم الكبير من الضغوط والاستغلال من تجار الأزمات فهو يدفع نفقات إضافية وتكاليف لم تكن بالحسبان من قبل حتى اعتادها، من تكاليف المولدات الكهربائية – الأمبير- الذي يتحكم به تجار الأزمة تقريباً – 5000- ليرة سورية كمعدل اشتراك شهري للأمبير الواحد، وصولاً لـصهريج الماء الذي وصل سعره في ظل هذه الظروف إلى 2000 ليرة سورية في الأيام العادية، ويرتفع السعر في أوقات الذروة والطلب الشديد، ليصل سعر الألف ليتر إلى ما يقارب (4000) ليرة سورية.
 أسعار صهاريج المياه أشبه ببورصة مسعورة، وسوق سوداء لبيع مياه غير صالحة للشرب، وماء مجهولة المصدر، وتعبأ من آبار من دون مراقبة، واستغلال بشع لمواطن مسكين واستغلال لحاجته، بالإضافة لمزاجية أصحاب وتجار المياه بأبشع صورة يعرفها جيداً أهالي حلب.
حال المواطن الحلبي كحال النبي – أيوب - بصبره وجلده على الأزمات والمصائب والكوارث المتلاحقة ونقص بالخدمات، في ظل حرب مستعرة الوطيس هذا ما يقوله أحد المواطنين الذي يقف بجانب صهريج مياه ولسان حاله "شويلي جابرك على المر"، ، "أبو قاسم" يردف قائلاً:
"الحياة بالنسبة إلينا قطرة ماء للشرب فقط لا نريد غير ذلك، ورغم ذلك لا تجدها، وإن وجدتها فعليك أن تدفع ثمنها لمستغلي الأزمة ومصاصي الماء والدماء، علي أن أدفع 4000 ليرة سورية لصاحب هذا الصهريج مقابل ألفي ليتر ماء بعد مراعاة هل من المعقول ذلك، هو يعبئ المياه من مناهل ماء وآبار بالمجان، ويضع تكاليف توصيل بسيطة وبأرخص الأثمان وعلينا أن ندفع من جيوبنا ثمن الماء الذي لا يكفينا لعائلة لأربعة أيام، متى ستنتهي أزمة المياه ؟؟؟!! وإن كانت الأزمة بعيدة عن الحل فلماذا لا تقوم المحافظة بحساب دقيق لسعر وتكاليف الصهريج وتحاسب كل من يرفع التسعيرة ؟!!).
مبادرات فردية:
دوام الحال من المحال بهذه المقولة بدأ الحاج"محمد خواتمي" من أهالي سكان مدينة حلب وأحد الأشخاص الذين بادروا لحفر بئر في هذه الأزمة على نفقته ووضعه تحت تصرف المواطنين ليحصلوا منه على الماء، وبلهجة مملوءة بالتفاؤل ولا تخلو من الحزن والأسى لما آلت إليه أوضاع الناس في مدينة لم تعطش على مر الأزمان والعصور بل إن الفرات يسقي أهلها تحدث هذا الرجل لنا قائلاً:
 استحوذت مشكلة نقص المياه ومعاناة أهل مدينتي حلب على تفكيري وبدأت بالتفكير بضرورة أن أجد حلاً لنفسي ولأهل حارتي التي أقطن فيها، فوجدت من الواجب علي الإسراع بحفر بئر ارتوازي خاصة أني أستطيع ذلك فأنا لدي الإمكانيات المادية لذلك شجعني ذلك قرار الحكومة ممثلة بالمحافظة التي أطلقت جملة قرارات من السيد المحافظ لتخفيف الأزمة، ومنها منح تراخيص لحفر الآبار وبالفعل كانت فرحتي عظيمة حينما خرجت أول قطرة ماء من البئر وانسكبت على الأرض كما كانت فرحة أهالي الحي أكبر، ووضعت عدداً من الخزانات بقرب من البئر لاستجرار المياه وتم عليها تركيب عدد من صنابير المياه لتصبح الخزانات المملوءة بالمياه مع ماء البئر بخدمة أهالي الحي في أي وقت كان.
مع الفرحة غصة الكهرباء:
لحل هذه المعضلة أزمة المياه في حلب توالت المبادرات الفردية بحفر آبار لاستجرار المياه ورغم كل الصعوبات التي كانت تواجه أصحاب هذه المبادرات إلا أن إرادة الحياة وإرادة فعل الخير كانت أكبر السيد " صادق سماقية " 50 عاماً من أصحاب هذه المبادرات الفردية التي أنتجت في نهايتها بئراً ظهر مؤخراً يتحدث عن مبادرته بفرح وأمل، لكن يبقى حسب قوله تبقى غصة، ولسان حاله وحال أهالي الحي يا فرحة ما تمت يقول:
بعد الكثير من المعاناة والعمل الشاق والمضني والإمكانيات المالية التي أنفقت على حفر البئر بمبادرة من- أهالي الخير- خرج الماء من البئر واستطعنا في وقتها أن نؤمن الماء لأهالي الحي، وحقق البئر الغاية المرجوة منه حتى إنه قطع الطريق على أصحاب الصهاريج ومستغلي أزمة المياه، وأخذت الناس بتعبئة المياه دون حاجة لشراء الماء منهم لكن هذا الأمر في الوقت الحالي أصبح صعباً جداً، فالبئر يعمل على الكهرباء لاستجرار المياه، وحلب دون كهرباء لأكثر من شهر، وأعطال المولدة كثيرة وتحتاج إلى مازوت ليبقى الاستجرار مستمراً ويغطي حاجة الناس، لكن ورغم كل هذه الصعوبات إلا أننا نعمل على تركيب خزانات مياه كبيرة لتجميع المياه وتأمين تدفق واستجرار منتظم للمياه، مع الاضطرار لتخفيف أوقات تشغيل المولدة الكهربائية.
حفر عشوائي:
ورغم إيجابيات هذه المبادرات إن كانت من منظمات إنسانية متمثلة بالهلال أو من فاعلي خير أو من مبادرين يهتمون بتأمين المياه للناس وأهالي مدينتهم، بالإضافة للآبار التي حفرت من قبل الدولة إلا أن مشكلة تؤرق المختصين في علم الأرض والجيولوجيا تكمن في مستقبل هذا الاستخراج أو الاستجرار الجائر، لا بد من التوقف عندها والتفكر بها.
الدكتور مصطفى العلي الأستاذ في كلية الهندسة المدنية أبدى تضامناً مع هذه المبادرات لأنها تحقق غاية إنسانية ونبيلة بتأمين المياه لأهالي المدينة، لكن في الوقت ذاته أخذ يتحسس بيده ناقوساً خشي أن نقرعه في المستقبل البعيد إن بقي هذا الحال على وضعه ألا وهو الاستجرار الجائر، والدكتور العلي أبدى قلقه مرتكزاً على حقيقة علمية واضحة تتعلق ببنية الأرض فقال:
حفر الآبار حل من الحلول البديلة المهمة لأن الإنسان بحاجة للماء لكي يحيا لكن من المهم عدة نقاط يجب الانتباه لها، منها أهمية مراقبة هذه الآبار والإشراف عليها أثناء الحفر، خاصة تموضع أماكن الآبار، وتوزعها، حتى لا نقع في مطب الحفر العشوائي، ولكي يكون الاستجرار المائي من قاع الأرض متوازناً.. وفي سياق حديث حول مخاوف الخبراء وأصحاب الاختصاص في الشأن الجيولوجي من حفر الآبار وأسباب ذلك قال الدكتور العلي:
لا توجد في الوقت الحالي مخاوف من الاستجرار وإلى الآن الأمور تجري بشكل طبيعي لأن الناس بحاجة ماسة إلى الماء، وهذه الآبار تحقق فائدة إنسانية بالطبع، لكن إن بقي الوضع القائم كما هو عليه لوقت طويل مع استجرار غير مدروس، ومع كثرة حفر الآبار يجب أن نعلم أننا أمام مشكلة يجب النظر إليها والتحقق منها عبر لجان هندسية تهتم بالتدقيق والبحث، وهي كميات المياه الهائلة المستخرجة، ستؤثر بشكل سلبي، لأن كميات المياه المستخرجة ستترك فراغاً مكانها، وبهذا الشكل سيخل في التوازن الحاصل في عمق الأرض، وهذا الفراغ سيؤثر بلا شك، ومن مخاطر الفراغ في حال حدوث اهتزازات أرضية سيكون الضرر مضاعفاً، ولهذا لابد من حل مشكلة المياه وعودتها بشكل طبيعي، مع ضرورة العمل على حملات توعية للتقنين وأن يكون لدى المواطنين دافع ذاتي بعدم الإسراف بالمياه حفاظاً على هذه الثروة المائية.
خزانات مياه للعموم:
ومع مخاوف حفر الآبار واتساع رقعتها على المدى البعيد تقوم المحافظة بالإشراف الدقيق والمدروس بتوزيع الآبار للتقليل من كل هذه المخاطر، سعياً منها لإيجاد حلول بديلة، ومن المبادرات الإنسانية التي يجب التوقف عندها فيما يخص الآبار واستجرار المياه مبادرة منظمة الهلال الأحمر السوري بحلب الذي أخذ على عاتقه المساعدة الإنسانية:
في هذا الجانب ذكر لنا مصدر من الهلال أن المنظمة قامت بتأهيل 101 بئر ويقول المصدر: عملية التأهيل للبئر يتم بشكل كامل ومنها إنزال الغطاس، تزويد بمولدة وبناء مناهل مع كل الاحتياجات اللازمة، وهذه الآبار هي الآبار التي تتبع لمؤسسة الموارد المائية والآبار ذات الأعماق الكبيرة.
ويقوم الهلال الأحمر السوري على إنشاء خزانات كبيرة مجهزة بصنابير للآبار التي يتم حفرها من قبل أشخاص لتكون في متناول العموم كمبادرة إنسانية تحقق الفائدة للجميع.




عدد القراءات : 11505

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245755
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020