الأخبار |
بريطانيا تستأنف تصدير الأسلحة إلى السعودية  بصور جريئة مستلقية على المكتب البيضاوي.. باريس هيلتون تعلن ترشحها لانتخابات الرئاسة الأمريكية  لأول مرة.. الولايات المتحدة تسجل 60 ألف إصابة بكورونا خلال يوم  دولة خليجية تعين قاضيات للمرة الأولى في تاريخها  سورية وإيران توقعان اتفاقية عسكرية شاملة لتعزيز التعاون العسكري والأمني في شتى مجالات عمل القوات المسلحة  مسؤول أمريكي يعتذر عن حضور عشاء مع الرئيس المكسيكي بعد تأكيد إصابته بكورونا  الرئيس العراقي: الانتهاكات العسكرية التركية تجاوز على أراضينا  لعبة أردوغان الخطرة.. بقلم: نورا المطيري  “كورونا” يهزم ترامب .. والرئاسة طارت ..!!.. بقلم: صالح الراشد  انتهاء امتحانات شهادة التعليم الأساسي.. أسئلة اللغة الإنكليزية واضحة وشاملة  الصحة المصرية: تسجيل 1025 إصابة جديدة بكورونا و75 حالة وفاة  علماء البيرو يطورون جهازا للتنفس الاصطناعي يعمل بالتحكم عن بعد  المكسيك تسجل حصيلة يومية قياسية في إصابات كورونا  مجلس الأمن يرفض مشروع القرار الروسي حول إيصال المساعدات الإنسانية إلى سورية  روسيا تتدخّل مجدّداً لمنع المواجهة المصرية ــ التركية  شعبية ترامب وأوراق بايدن.. بقلم: د. أيمن سمير  الصين تفرض رقابة على الإنترنت... وأميركا تدرس حظر تطبيقات صينيّة  الأسرة بحاجة إلى 270 ألف ليرة لتأكل فقط.. و202 ألف إذا قررت أن تكون نباتية !  فرنسا.. حكومة جان كاستيكس: ماكرون «زعيم اليمين» الجديد؟  نجمة تونس الأولى نادرة لملوم: الصدق والوضوح هما مفتاح قلبي وهذه هي خطوطي الحمراء     

الأزمنة

2016-02-01 03:02:12  |  الأرشيف

اسمها ارتبط بحلب.. سوق صابون الغار الحلبي ..لم تسلم من الفساد والغش أيضاً..!!

الأزمنة| حلب - مصطفى رستم
بنفس عميق يشتم "ابو أحمد"  قطعة من صابون الغار أخذها من أحد الرفوف الموضوعة في دكانه الصغير المتوضع في سوق شعبي  من الاسواق، الحديث بعد نزوحه من سوق (المدينة القديمة)، يثبت نظارته جيداً ويتأمل قطعة الصابون الأخضر كخضار ورق الغار الشامخ فوق شجرة، يتناول قطعة أخرى من ذات الرف، وبحركة يخبرها جيدا أصحاب المهنة  (المعلمون، وشيوخ الكار) تحتك القطعتان ببعضهما  فتنبعث منهما رائحة  يشتمها كل  من كان جالسا، بل إن هذه الرائحة الزكية لابد أن تصل لأنوف كل من يدخل لهذا الدكان عنوة ومن دون استئذان.
"أبو أحمد" الخمسيني من العمر وهو صاحب حرفة (عتيق) في صناعة الصابون يرسم ابتسامة نصر تشبه  أكاليل الغار التي تتوج فوق رؤوس الابطال المنتصرين في المعارك، وبلهجته الحلبية وبلغة صارمة ممزوجة بفرحة عارمة  لا تنقصها الثقة العالية يصرخ قائلاً: (طبخة الصابون  أصلية مية بالمية ،، وعلى مسؤوليتي وهيّ السوق وأنا أبو أحمد )، كلامه في السوق يعتبر بمثابة (طابو أخضر) فيما يخص الصابون وخاصة جودته، فهو يفرق بين الصابون (الأصلي وبين المغشوش) يقول:
لم يعد سوق الصابون كما كان سابقاً هذا ما يعبر عنه كل حرفي والصناعي وأصحاب الكار، وحتى تجار صابون الغار الحلبي  تركوا المهنة وهاجروا ونسبة قليلة منهم بقيت في مدينة حلب، فندرة الصابون بالأسواق وان وجدت تعود لما تبقى في  المستودعات، والإنتاج تضاءل ويقتصر على  ورشات العمل (المصابن) التي تناقصت وتوضعت في أماكن مختلفة، وأغلب المصابن والورش  دمرت بفعل الحرب.
تضاؤل الانتاج كان له لها التأثير الكبير في  فقدان صابون الغار الحلبي الأصلي، وقلة انتاج الجيد منه  اضافة  لارتفاع أسعار المواد الأولية التي تستعمل وتدخل في صناعة الصابون ومنها الطبخة والتي تتألف من (زيت الزيتون، والغار وغيرهما)  والتي أثرت أيضا في ارتفاع اسعار الصابون ، ونما بالظل (مصابن) خفية تعمل على انتاج صابون غار بجودة متدنية.
غياب (المصابن):
فقط هم من يتألمون لما أل إليه سوق الصابون الحلبي (هم) اصحاب الكار الذين يصنعون قطع الصابون بأيد ماهرة ومتمرسة بعد أن تناقلوها من الاجداد وهم وحدهم يعلمون مدى ما اصاب سوق الصابون من عطب بعد أن افتخرت مدينة  حلب عبر السنين بصناعتها للصابون، ورغم كل ما تقاسيه حلب من ألام وأوجاع تركت آثارها على تجارتها وصناعتها، إلا ان ورشات الحرفة ومعامل الصابون لم تعد كما كانت، ومع ذلك  فإن الحياة تنبض برائحة الصابون الحلبي رغم ندرة إنتاجه حيث  يصل جزء كبير منه من خارج المدينة عدا  الصابون المنتشر في الأسواق والمخزن، يقول "محمود وحيد" احد الحرفيين في مهنة صناعة الصابون:
" الحرب دمرت ما دمرته من أسواق ومحال و مصابن، لكن سوق الصابون مازال ينبض بالحياة من خلال ما تنتجه المصابن، وأغلبها يتركز بريف حلب وأشهرها مدينة "عفرين" لتوافر مادة زيت الزيتون في تلك المدينة الغنية بأشجار الزيتون، والمعروفة بإنتاجها الضخم لمادة زيت الزيتون والذي يعتبر من المواد الأساسية التي  تدخل في صناعة الصابون مع ضعف كبير بالإنتاج".
(الطبخات) والأصناف:
اعتاد زوار حلب أثناء زيارتهم للمدينة على اقتناء ألواح صابون الغار والزعتر ،لتعبق فيما مضى أسواق حلب القديمة بروائح التوابل والصابون والزعتر هي روائح زكية لا حدود لها حتى إن رائحة الصابون الحلبي تعدّت سوقه القديم بفضل مهارة الحرفي وانتشرت رائحته في الاسواق العربية وحتى الأوروبية عبر تصدير كميات كبيرة منها للأسواق الخارجية  وهنا يفصل "محمود وحيد" والذي امتهن حرفة الصابون وفضل البقاء في مدينته ويعمل في الصابون وبشكل محدود على أن يسافر، يفصل ما بين (أنواع الصابون) ومستويات جودته  وبين (الغش في الصابون)  فلصابون الغار أنواع وأصناف، ويختلف كل صنف عن الآخر بما يسمى (الطبخات)  وهنا  تتنوع جودة المنتج من ألواح الصابون بعد الإنتاج.
ويرى "وحيد" أن  المستهلك  لا يمتلك المعرفة الجيدة والكافية للتفريق بين الأصناف الجيدة من الاصناف الأخرى التي تتراوح   بين الوسط أو الاقل جودة، وهنا يقول: كثير من الناس لا يستطيعون التمييز بين الأصناف ولا يمتلكون الخبرة في هذا المجال  فعدد من (الطبخات) أو الكميات التي يتم تداولها بالأسواق تباع على أنها صابون غار حلبي جيد وخاصة للاستحمام  إلا أنه توجد أصناف أخرى من الصابون والأقل جودة يباع  لغسيل اليدين وللتنظيف فقط وهذه الأصناف المتردية تؤثر على شعر الرأس وفروته  في حال استخدامها بسبب زيادة في نسب المواد الكيميائية (الكوستيك)، وما يحدث حاليا بسبب غياب رقابة الضمير ،والفوضى الحاصلة في الأسواق والمصابن، فالمصابن أخذت تستبدل مادة زيت المطراف بمادة المطراف فالمطراف له تأثير سلبي على فروة الرأس حيث يصيب الفروة  بـ(القمل ) لذا لابد من التأكّد بأن هذه الألواح، والقطع من الصابون صالحة للاستحمام  في الحمامات لأن أكثر المستهلكين الذين يطلبون صنف الغار يطلبونه بغية الاستحمام لكن الصابون الاقل جودة لا تصل للاستحمام سوى لتنظيف الجسم ولا تصلح  لفروة  الرأس".
كشف الغش:
يحضّ أصحاب الكار والحرفيون والعاملون في الصابون ممن يملكون الضمير والنزاهة في العمل، على ضرورة أن يفرق المستهلك  بين أنواع وأصناف الصابون فالمشتري عليه أن يكشف بنفسه  الغش، يدفعهم بذلك حرصهم للحفاظ على الشهرة التي وصل إليها الصابون الحلبي، وعدم التفريط بسمعة الصناعة والصناعيين، ورغبة منهم لكشف اولئك الغشاشين والمتلاعبين بالصناعة، أو البائعين الذين يبيعون الصابون المغشوش على أنه صابون حلبي ممتاز.
وهنا يفرق "محمود" الحرفي في مهنة الصابون بين ثلاثة أنواع من الصابون الحلبي (الجيد والجيد جداً والممتاز) ، فالصابون ذو النوع الممتاز يصبغ باللون الأخضر ويطغى عليه بشكل كبير، فيما تميل ألواح الصابون الجيد جداً إلى اللون البني الفاتح (البيج) ،وعن الصابون الجيد وهو الترتيب الاخير بتصنيف الجودة يميل لونه إلى اللون الأبيض.
وفيما يخص (طبخات) صابون الغار المغشوش لابد من الحذر من الصابون (المالح) والذي تتشكل فوقه طبقة مالحة كون هذا النوع من الألواح تكون نسبة المواد الكيماوية كبيرة وهي مادة (الكوستيك) ،وهذه الألواح لا تتناسب على الاطلاق مع حمام الرأس.
ويضيف: لقد ارتبطت سمعة الصابون الحلبي بأسماء عائلات حلبية تناقلت المهنة والصناعة وتوارثتها من الاجداد عبر فترات زمنية وعهود بعيدة تعود  لمئات السنين لتتحول إلى  ماركات مشهورة ومن ابرزها هي (فنصة، زنابيلي، الحلاق، قداح ..وغيرها ) حيث تعتمد في صناعة الصابون الغار الحلبي على زيت "العرجون " ويضاف إليها  محسنات (الغار)  ومن بعدها يتم تنشيفه ليكون جاهزاً للتسويق و الصابون الغار مصنف من أجود أصناف الصابون في العالم.
وعن طريقة معرفة الصابون الغار الصالح للاستخدام على الرأس من الصابون الذي يستخدم لاستعمال اليدين يقول: إنه إذا شققنا لوح الصابون إلى نصفين وأخذنا نشم رائحته  فإن كانت هذه الرائحة حادة وفيها حدودية، تدل تلك الرائحة على زيادة في مادة (الكوستيك) التي لا تريح الأنف فيجب أن تكون هذه المادة بنسبة 5 بالمئة  فيكون لوح الصابون غير صالح لغسيل الرأس بل يستخدم لغسيل اليدين أما إذا كانت الرائحة أخف حدودية فتستخدم لغسيل الرأس هذا وأضاف أنه توجد طريقة أخرى عن طريق المذاق فإذا قسمنا لوح الصابون إلى شقين وقمنا بتذوقه وكان حلو المذاق فهو صالح للاستخدام وغسيل الرأس.
مراحل صناعة الصابون:
يمكن اختصار عمليات تصنيع الصابون بجملة من المراحل  تبدأ بوضع زيت (لمطراف) أو زيت  (البيرين) ، وهي المادة الأساسية التي تدخل  في صناعة صابون الغار، وتوضع ضمن  ( قدر كبير)  ويوقد  تحت القدر النار، ويتم غلي زيت (البيرين)  لتصل لدرجة  غليان محددة، وبعدها يتم وضع الزيت على مدار يومين وتكون جاهزة للسكب  وبعد ساعات يتم تحريكه ويصب بعدها بساعات للتبريد، وتسمى هذه الساعات  ساعات التجمد، وبعد عمليات التجميد  يتم تقطيعها، ونشرها وتظل لمدة ستة أشهر في الهواء الطبيعي داخل أماكن مغلقة  يسمى ـ الهنغارـ  أوالمصبنة ،في حال  دخول الصيف في فصلي حزيران أو تموز وبهذه المرحلة تكون ألواح  الصابون المقطعة جاهزة  للدخول إلى الأسواق والتداول " في حين يطبخ الصابون بكميات في قدور كبيرة، قبل أن ينقل ليسطّح ويقسم ويضاف إليه نبات الغار وهو متوافر في منطقة السهل السوري وبشكل خاص في منطقة اللاذقية، ونقلاً عن أصحاب الخبرة تحدثوا لنا أنه (الصابون الغار)  يفضل ألا يتم  استعماله مباشرة بعد صناعته، وكلما جف أكثر زادت صلابته وجودته وفائدته لما يحتويه على مادة الغار.

لأخذ العلم:
ـ عرف صابون الغار في سورية وبالتحديد في مدينة حلب، إذ إنّها المدينة الأولى التي تمت صناعة صابون الغار فيها ويصنع من شجرة اسمها الغار، ويتكون صابون الغار من مجموعة من الزيوت وأهمها زيت الزيتون بالإضافة إلى زيت الحبة السوداء وزيت النخيل وزيت جوز الهند بذور القطن، حيث إنّ صابون الغار لا يحتوي على أي من المواد العطرية أو الصبغات المصنعة، ولا يوجد فيه أي من المواد الكيميائية أو الصناعية التي تؤذي البشرة والشعر.
ـ  تتحدث سجلات وإحصائيات أنه بلغ حجم تصدير صابون الغار الحلبي قبل الحرب اي قبل خمس سنوات  عشرات الأطنان سنوياً، ويبلغ الانتاج اليومي ألف  كيلو غرام يومياً.
عدد المنشأت المرخصة في مدينة حلب والريف قبل خمس سنوات كان  ما يقارب 200 منشأة، ويتجاوز عدد العاملين فيها ما يقارب 700 عامل اغلبهم توارثوا المهنة عن آبائهم وأجدادهم وأتقنوا هذه الحرفة  بشكل جيد وواكبوا كل التطورات الحديثة التي دخلت على تلك الصناعة، وأبدعوا فيها ، وابتعادهم عن الغش في تركيبة "الطبخات" العامل الرئيسي في شهرة صابون الغار في المدينة.
ـ  ويشير أحد المتابعين لصناعة الصابون والذي يعمل في هذه المهنة أن إحدى المصابن يعود عمرها تقريباً  إلى 500 سنة والتي بنيت في عصر (خاير بيك والي حلب المملوكي)  قبيل مجيء العثمانيين، وفي حلب مصابن مشهورة لعائلات ذكرنها سابقاً ارتبطت بها وأكسبتها الشهرة.

عدد القراءات : 13451

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245684
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020