الأخبار |
بصور جريئة مستلقية على المكتب البيضاوي.. باريس هيلتون تعلن ترشحها لانتخابات الرئاسة الأمريكية  لأول مرة.. الولايات المتحدة تسجل 60 ألف إصابة بكورونا خلال يوم  دولة خليجية تعين قاضيات للمرة الأولى في تاريخها  مسؤول أمريكي يعتذر عن حضور عشاء مع الرئيس المكسيكي بعد تأكيد إصابته بكورونا  الرئيس العراقي: الانتهاكات العسكرية التركية تجاوز على أراضينا  الأردن.. توقعات ببدء العام الدراسي في أغسطس المقبل  لعبة أردوغان الخطرة.. بقلم: نورا المطيري  “كورونا” يهزم ترامب .. والرئاسة طارت ..!!.. بقلم: صالح الراشد  انتهاء امتحانات شهادة التعليم الأساسي.. أسئلة اللغة الإنكليزية واضحة وشاملة  الصحة المصرية: تسجيل 1025 إصابة جديدة بكورونا و75 حالة وفاة  علماء البيرو يطورون جهازا للتنفس الاصطناعي يعمل بالتحكم عن بعد  ارتفاع ضحايا كورونا إلى نحو 550 ألف وفاة وأكثر من 12 مليون مصاب حول العالم  الدفاع الروسية: هيئة تحرير الشام تخطط لاستفزازات في إدلب واتهام الحكومة باستخدام أسلحة كيميائية  المكسيك تسجل حصيلة يومية قياسية في إصابات كورونا  “كوفيد – 19” يقترب من مليونيته الثانية عشر.. الكمامة أفضل سبل الوقاية  عشرات آلاف العمال الأمريكيين يضربون ضد العنصرية في 20 الجاري  وفاة عامل وإصابة اثنين جراء انهيار منزل في حي كرم القاطرجي بحلب  الرئيس الأسد يستقبل رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الايرانية اللواء محمد باقري والوفد المرافق له  روسيا تتدخّل مجدّداً لمنع المواجهة المصرية ــ التركية  الأسرة بحاجة إلى 270 ألف ليرة لتأكل فقط.. و202 ألف إذا قررت أن تكون نباتية !     

ثقافــــة

2016-04-25 03:05:47  |  الأرشيف

الثوب الدائر يروي سيرة العطر

نجاح إبراهيم
مقدمة صغيرة لجلال المعشوقة:
قد تكون هناك بداية لحكاية تُروى؟
ولكن عطرها حين تسرَد الأحداثُ المشوقة، لا يقف عند نهاية.
وما العطر سوى العشق، وما السّارد سوى عابد، ينبثقُ من خيوط سجادته ألف سؤال، وكلّ سؤال يأخذ عُمراً، حيث يرمز إلى أنّ حياته في ضفاف معشوقته " الشآااام" لا يحدّها عمر. فمن يحيا بالشام يمتدّ عمره إلى ما لا نهاية، وثمّة عشاق لا ينتهون، ولا يصلون إلى حدّ الارتواء. وثمّة عطر يُغوي الرّيح، حدّ التواطؤ، لترسله إلى جهات لا أفق لها.
رقصُ العابد:
من أين أروي الحكاية؟ حكاية عشق لا توصف؟
أمن خلف نوافذ الشام، حيث يكون العابد، متأملاً، أم من أحد أبوابها، حيث أكونني؟ وهل كنتُ يوماً عابرة؟!
أم أترك العابد، العاشق، يرويها رقصاً؟
أظنني أميل إلى الخيار الثاني، لأدع صاحب الوجد الفريد، يسرد روايته.
إذاً.....
ثمّة حكاية ستروى رقصاً.
يؤديها مولوي، أرّث عشقه بنقاء الرّداء والقلب، والكفين المفتوحتين على مدى.
فكيف سيرويها؟
وهل يستطيع الرّقص؟! أم يقصر عن فصول السرد اللا تنتهي؟
وهل لأطراف الثوب الرّائحة في الاتجاهات الأربعة، أن تلهج بالحكاية، لأرض لا تشبه الحكايات؟!
تعال ندر حول المدى الأبيض الرّامح، نتبع الألق الصوفيّ والوجد، وروائح البخور الطالعة من الجوامع، والكنائس، وأضرحة الأولياء، وأحجار الطرق الغامقة، فيدور العابد أمامنا، وتدور الشآاام بالعابد.
وأدور وإياك خلفهما.
يا للجرار أين هي، لتحوي ما ينثرانه من عبق يتقاطر كما الندى؟!
يدعونا دكتور إسماعيل مروة [1]، في كتابه " شآم الروح- مولوية العشق" [2] لأن نمشي في حارات الشام، التي ستمنحنا الامتلاء بعد الفراغ، الملاذ بعد التعب، والوشم الذي لا يُمحى على جسد الرّغبة، ستكون عنوان الكبرياء للضائع.
فهل درتَ مثلي في أزقتها؟ إنْ فعلت، فارقب ضوء قناديلها، واسهرْ على الأرصفة، ارقبْ النافذة المفتوحة على اللون، المشرعة على الطهر، والمقفلة على سرّ البقاء.
هذه نوافذها يفتحها لك العابد، نافذة تلو الأخرى، فهيا اتبع أطراف ثوبه، أم تراك ستتبع حبره؟
كلاهما مقدسٌ ونقيٌّ.
أيّ طريق تتبع، ستكونه، ذلك المسوّر بالدّهشة، الذي وهبته الشام النشوة، ينقلها إليك المنتشي بالعشق، لتكون مثله، عاشقاً ذا صبوة ممنوحة، القابض بأهدابه على عصارة الشهد وسلافته.
 سيحرّرك من كلّ قيد، من خلال ملحمة عشقه للشام، بل يؤكد لك ،أنّ كلّ آلهة الجمال والعشق قد صيغت على أرض الشام. ثم يأخذ بيدك ليلج بك الشوارع، فتدلف في شارع مستقيم فيها، لتجد كنيسة، جامعاً، كاتدرائية، تقرأ بعينيك عراقة هنا، يسبّح لها الكون، وثمّة أيقونة تفوح بالشموخ.
وبرشاقة خطواته، وأناقة رقصه، ينقلك الكاتب مروة، إلى الشارع الذي خرج منه بولص، النور، الذي دخل من الطريق المستقيم، ومنه خرج الحق"ص44
ومن مدخل الجابية، يريك كيف دخل أبو عبيدة بن الجراح بلواء الإسلام، ليطرح في الشارع رسالة للعالمين، رسالة حبّ وإيمان وتضحية وفداء:
" وللعالم كله، أهدت الشام كتاباً وشريعة
إنجيلاً وقرآناً." ص36
وقد يسحبك من يدك، ويأخذك إلى المغاور المحيطة والوديان، والتلال المجاورة، لتتساءل بغبطة: من مرّ من هنا فتعطر المكان؟!
هي الرّائحة علقت بثوب الدّائر، وراحت تروي سيرة العطر القدسي، العشق الذي يتوالد من ذاته، ليصوغ اسم الشآم في قلب هذا الدمشقي المترف بالعشق حتى نهايات أصابعه، ثمّ يعيدك خطفاً إلى سيرة الابن، الذي أنجبته الشام، إلى سيرته الأولى، ليتماهى في كلّ من يرى الشام أمه:
" الكلّ يرى الشام شامته، وشام الرّوح تسعد، تضع رأس هذا في حجرها، تمسح رأس هذا، تشير شام بإصبعها، هنا حنانيا ولدي، وهناك السيدة، ذا عيد التجلي، وذاك ليسوع المولد، وهنا أبو الدرداء، الذي استقر بالشام، وطاب له المقام، لقد وجد الأمان بعد أن ضيعته الغربة، وها هو ابن عربي يلوذ بها بعد أن ضاقت الدنيا به، لم يسعه شرق ولا غرب، وكذا الفارابي المبدع الموسيقي، الذي كانت أوتاره طوق عشق، والشام أعطته سفحها، وأعطته مخدة من تراب، وعطراً من عرفان وحرية."ص40
تلكم السيرة..
يُحيل العاشق شآمه، إلى بوح لا يبتغي سواه.
فيستمر الدائر بثوبه في كشف أسماء من مرّ بها، ودخلها من أبوابها، فيطيل الوقوف عند بابها " الصغير" الذي يعد أوسع من مدن، والذي عبره الكثيرون، أمثال " يوسف العظمة، ورائحة عنفوانه تروي انكسار "غورو"، وثمّة منبر يعتليه فارس الخوري، والشاعر عمر أبي ريشة، وأبو خليل القباني، والبدوي، والبزم، والزركلي و...
ومن شدّة ولعه بالشام، نجده يجيّر – وهو على لهفة وعشق وحق- الأسطورة لأجلها، بل إنّ يد القدر ما نسجت غير شامه، حتى قال فيها:" هي إله ولكن..." ص98
فلأجلها سرق " بروميثيوس" النار المقدّسة، من أجل الأولمب، وقدّمها للإنسان، ولأجلها كانت المرأة " نيدوزا" فتحاً لطريق الخطيئة، لتبقى ربة البراءة " استرايا" شامة الطهر. و" بيرسفوني" التي غابت في الأرض وحزنت أمها " ديمتر" ولكن:
" حزنها أحاط بشام، فكانت شام الحبّ والألق والجمال." ص 111
بينما كان الصراع بين الآلهة لأجل احتضان الشام، والفوز بضفاف شفتيها وشاماتها."
 
في المتن:
يحار القارئ حين يكون في حضرة المولوي، وهو يدور بعشقه ،عابراً الأكوان بوجده، فيقف مذهولاً أمام ما سُرد.
ليس بإمكانه إلا أنْ ينتشي ،يثمل، لأنّ الكاتب /العاشق استخدم لغة موحية، شعرية، مختزلة. في عمقها بدت رسالتها، وهذه هي لغة التصوف، وكيف لا تكون كذلك وقد تماهى في مولوي، عابد، تقرّب كثيراً من الذات، حتى منحته الكشف، ورفع الحجاب، ومكنته من لغة عصية على السّاردين.
إنّ المفردات التي استخدمها، تجنح بكلّ قوة لتكوّن خطابه الصوفي، وذلك ليرتقي ويتعالى من عالم الحسّ، إلى عالم المعنى، الأسمى، والسير به الى عوالم الإيحاء والإشارة، وفتح ألف باب للتأويل.
رغبة الكاتب في تراتيله هذه، أن تحرّر فكرته من ربقة القيد والعرف، فكان له أن خرقهما بلغته، التي تشكلت نصّاً مغايراً، فخرج عن المألوف، وذلك في طريقة إيصال الفكرة بشكلها التعبيري، المختلف، المتأرجح بين شعر ونثر.
لقد خرج الكاتب عمّا اعتدناه في المزاوجة بين الجنسين، ومنحنا شيئاً جديداً،
فلا يعرف الناهل، إنْ كان يغرف من نبع عبقر أم من سرد؟!
كلاهما مترف بالرّموز والإشارات، وكذا التوتر الذي يتنابض في اللغة، يحيلها بشكل أو بآخر إلى رافض للسائد، ويخلق منها حاضناً للتفرد والجمال.
وما الجمال الذي يباغتنا في كلّ عبارة من عبارات " مولوية العشق" إلا تلك اللغة وشعريتها واختزالها، وما التفرد " إلا خرقاً للقواعد حيناً، ولجوء إلى ما ندر من الصيغ أحياناً."[3]
فأيّ لغة تليق بالآلهة، أو القداسة؟
وكيف تصبّ الفكرة ليصل طهرها للقارئ؟
وبعد..
ثمّة عنوان استوقفني في " مولوية العشق" هو " شآم باب للعابرين، ونوافذ للعابد."
سأترك الشطر الأول منه لأمضي إلى الثاني، لينفتح سؤال:
من العابد، وكيف هي نوافذه؟
إنه صنو الوطن، أو الوجه الآخر لعملة تحمل صورتيهما ،فـ "لا قيمة للوطن من دون العابد الذي يرهن عمره له، يلتقي بالكثيرين، يدخلون ويخرجون، ويبقى الوطن آلة موسيقية تئن إلى أن يتلقاها عازف ماهر للغاية، يصنع اللحون عليها.
" قد يعيش الوطن عشرة آلاف سنة، أو أكثر بانتظار أن يظهر ذلك العاشق، المدنف، والعابد، النابت من تراب الأرض ليقدّم روحه قرباناً لوطنه." ص94
فهذا العابد الذي يجري في عروقه عشق وطن، مختزلاً في الشام، إنما رهنَ الروح والحبر ليعزف بهما أجمل سيمفونية عشق، ممهورة على طرف ثوب مولوي، كلما دار ينثر اللحون، حتى إذا ما اقترب من الذات، منحته الكشف ومتوالية الأسرار. والحقيقة أن المولوي لا يقف عند كشف سرّ، وإنما في دورانه تتوالى الأسرار:
" من سرّ إلى سرّ، وبين كلّ سرّ وسرّ أتكوم بحثاً عن لحظة عشق." ص83
فأيّ عابد هذا؟
وأيّ وطن احتضنه؟
بل أيّ شآم هي، والتي لا تستطيع أن تتوه عنه، وإن فعلت قسراً، فقادرة أن تعتذر له :" لتضمّه من جديد، شلالاً من الحبّ، شلالاً من الغناء، وما بينهما يستمدّ حياة سرمدية."ص106
لهذا انبرى، وبشغف الدوران، أن يروي حكايات المبدعين والصوفيين، ويسرد قصص الأماكن كمغارة الدم في قاسيون، والجندي المجهول، الذي كان بالأمس معلوماً، فغدا مجهولاً اليوم، ومقام النبي يحيى أو الحسين، وسذاب الجوامع، وحمام المآذن، ونمنمات أيقونات الكنائس.
باب العابرين:
وإذا عدنا إلى الشطر الأول من العنوان اللافت، وهو الشآم باب العابرين، فعنده سأقف، وأستذكر كيف كانت بوابة لهؤلاء الذين تمخض عبورهم عن مقولة:
" من عرف دمشق، فقد عرف الشرق كله."[4] ففي القرن الثامن عشر مر بها الرحالة الفرنسي " الكونت دي فولناي" فكتب عنها ما جعل نابليون يندفع إليها غازياً.
كما زارها الشاعر " لامارتين" عام 1833 ليقف أمامها مسحوراً، قال:" تخترق المدينة أنهر سبعة، وجداول لا يحصيها عدد، يمتد على مدى النظر بين البساتين، والرياض المملوء بالزهور، لترسل أذرعها هنا وهناك..."[5]
إنّ دمشق، مدينة خطتها يد العناية على الأرض، وعاصمة خلقها القدر.."[6]
أما العابر الآخر فهو " الكاتب" دي فوكوي" مرّ بها عام 1875، وحين وقف على جبل قاسيون، راح يلملم السحر، ليضعه في روحه المندهشة فقال:" بقعة كبيرة من الحليب في فضاء أخضر فسيح، تحوطها أشجار المشمش والحور..."

أما العابرون بخيالهم، فهم كثر، فالشاعرة الفرنسية الأميرة " آنا دي نوايا " التي سمعت وقرأت عن دمشق، وعن روحانياتها، فقالت:" هل كتب عليّ ألا أشهد أبداً دمشق الخالدة؟ ولكن حين أغمض عيني، تنساب صورة دمشق إلى أعماق نفسي."
كثر هم العابرون، الذين فتحت لهم الشآم باباً.
فهل أنت عابد كإسماعيل مروة، أم عابر؟
إن كنت الأول فانسج ثوبك من بتلات ياسمينها، ودرْ بعشقك في حواريها، ودعنا نلاحق أطرافه الدائر.
وإن كنت الثاني، فاكتم شهقتك، وأرثها عبر حبرك.
 

عدد القراءات : 10189

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245711
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020