الأخبار |
بصور جريئة مستلقية على المكتب البيضاوي.. باريس هيلتون تعلن ترشحها لانتخابات الرئاسة الأمريكية  لأول مرة.. الولايات المتحدة تسجل 60 ألف إصابة بكورونا خلال يوم  دولة خليجية تعين قاضيات للمرة الأولى في تاريخها  سورية وإيران توقعان اتفاقية عسكرية شاملة لتعزيز التعاون العسكري والأمني في شتى مجالات عمل القوات المسلحة  مسؤول أمريكي يعتذر عن حضور عشاء مع الرئيس المكسيكي بعد تأكيد إصابته بكورونا  الرئيس العراقي: الانتهاكات العسكرية التركية تجاوز على أراضينا  لعبة أردوغان الخطرة.. بقلم: نورا المطيري  “كورونا” يهزم ترامب .. والرئاسة طارت ..!!.. بقلم: صالح الراشد  انتهاء امتحانات شهادة التعليم الأساسي.. أسئلة اللغة الإنكليزية واضحة وشاملة  الصحة المصرية: تسجيل 1025 إصابة جديدة بكورونا و75 حالة وفاة  علماء البيرو يطورون جهازا للتنفس الاصطناعي يعمل بالتحكم عن بعد  عن سيناريوهات الانهيار الأميركي المحتمل  ارتفاع ضحايا كورونا إلى نحو 550 ألف وفاة وأكثر من 12 مليون مصاب حول العالم  الدفاع الروسية: هيئة تحرير الشام تخطط لاستفزازات في إدلب واتهام الحكومة باستخدام أسلحة كيميائية  المكسيك تسجل حصيلة يومية قياسية في إصابات كورونا  “كوفيد – 19” يقترب من مليونيته الثانية عشر.. الكمامة أفضل سبل الوقاية  روسيا تتدخّل مجدّداً لمنع المواجهة المصرية ــ التركية  الأسرة بحاجة إلى 270 ألف ليرة لتأكل فقط.. و202 ألف إذا قررت أن تكون نباتية !  فرنسا.. حكومة جان كاستيكس: ماكرون «زعيم اليمين» الجديد؟  نجمة تونس الأولى نادرة لملوم: الصدق والوضوح هما مفتاح قلبي وهذه هي خطوطي الحمراء     

ثقافــــة

2018-07-10 03:53:10  |  الأرشيف

كمن يحملُ قلبه بين أصابعه.. غفران سليمان في «عيون تنتظر الفجر»

علي الرّاعي:
منذ بوابة العبور الأولى؛ تضعُ القاصة غفران سليمان؛ قارئ نصوصها في دائرة الانتباه والترّصد الذي يصل حدود القلق، وذلك بالتركيب الذي ستنتقيه عنواناً لمجموعتها القصصية «عيون تنتظر الفجر».
فهي، ومن خلال مشهدية لكائن لا تُفصحُ عن جنسه، إن كان رجلاً أم امرأة، كائن بدا من خلال ترتيب مُفردات العنوان (عيون تنتظر الفجر) قلقاً وحذراً ومُترقّباً، تذهب بنا لتعب وقلق شعراء العرب ما قبل الإسلام، شعراء كانوا أصحاب قضايا عظيمة، أو حتى أصحاب نوائب عظيمة، جعلت من حاملي تلك القضايا مهمومين وحزانى طوال الوقت، ومن ثم كانت لياليهم مهولة لفرط طولها، هنا الليل يُمسي كموج البحر، أو كأن نجومه شُدّت بحبال حتى لا تختفي ومن ثمّ لا صباح يلوح.
منها ما يذكره الشاعر امرؤ القيس في معلقته الشهيرة:
وليل كموج البحر أرخى سدوله
علي بأنواع الهموم ليبتلي
غفران سليمان، ومن دون أن تفصح عن طول ليلها أو ليل كائن قصصها مُباشرة، بل هي الأخرى تقيسُ على ما استخدمه قدامى الشعراء من كنايات واستعارات، لتوصل لنا مشهد ذلك الكائن الذي سيكون الشخصية المحورية لنصوصها، نصوص ستأخذ لها جنس «القصة القصيرة جداً» لتروي تحولات ذلك الكائن الحذر القلق الذي تبقى عيونه مفتوحة بانتظار فجرٍ ما، لعلّهُ يأتيه بفرج، ولذلك ستنوّع سرد حالاته، أو قل سرد محنته وسر قلقه، ومصادر ذلك القلق والمحن كلها، من هنا الأولى أن نصفه «الكائن في همومه» أو «الكائن في محنته».
كائن قصص غفران سليمان لن تعطيه اسماً، ربما إطلاق اسم عليه قد يؤطره ويُحدده بأبعاد، وهذه ميزة في نصوص القصة القصيرة جداً، التي شخصياتها ضمائر إما متصلة بأفعالها، وإما ضمائر – غالباً –هي غائبة، وقليلاً ما تُستخدم ضمائر المُتكلم أو المُخاطب، وهو الأمر الذي يوّسع من ملامح الشخصية لتكون «نحن» جميعاً بلا استثناء، وإن لم نكن ضمن هذه الـ «نحن»، فعلى الأغلب نحن قاب قوسين منها، أو أقل. ولذلك تكثر الأفعال في النصوص القصيرة، وفي نصوص سليمان تنسلُّ وتتناسل، وتأتي مُتلاحقة وتُفعم النص بالأفعال، أفعال مرةً تأتي من الماضي، ومرةً تتناوب وحتى تتساوق معها الأفعال الحاضرة، وهذا ما يُعطي الأحداث الكثير من الحركة والحيوية، وكأنّ الوقائع تجري الآن وهنا، وهو نص يتفوّق على النص المكوّن من الجمل الاسمية التي يغلب عليه الطابع الإخباري، وإن كان الإخبار هنا غاية من غايات القص والحكاية التي هو أحد شروط أو قواعد القصة القصيرة جداً حتى لا تُفارق القصة بشكلٍ عام القص إلى جنسٍ إبداعي آخر.
فهنا ثمة حكاية، وروي بأفعال تتناوب في وقوع أحداثها بين ماضٍ، أو حاضرٍ يُشبه ما مضى، وكأننا أمام «ستوب كادر» طويل جداً، أفعال تهرب من «فاعلين» ظاهرين إلى ضمائر غائبة أو مستترة، تقوم بأفعالها من دون أن نعرف لها ملامح وذلك بتغييب أسمائها الصريحة.. بل إن جل الفعالية الإبداعية لدى غفران سليمان يقوم على تقنية الإضمار والإخفاء، وأول ما تضمره الشخصيات التي تختزلها لضمائر.. فالقتيل في قصة «عائد» على سبيل المثال، لم نعرف كيف قُتل، ولا لماذا قتل، ولا في أي معركة ولا تُفصل لأجل أي غاية مات، ونعرف شيئاً عن هيئته، وذلك خلال عرض أحداث القصة، غير أن كلمة واحدة في بداية القصة ستكشف أن القتيل شهيد، ومعها تتوضح كل المعالم التي أضمرتها خلال سياق وقائع القصة، ذلك أنّ مفردة «عدو» أغنتها عن سرد عشرات الصفحات، ولأنّ القتيل شهيد، فإن الفقد سيكون بحجم وطن جريح، سيكون بحجم أم ثكلى.. إنه «القربان» الذي على النساء أن تُقدمه عند كل عدوان ابناً، أخاً، زوجاً، وصديقاً.. تأخذ القاصة حديث روح الشهيد لتكشف كل ما أضمرته بضربة مجاز.
«عائد»
أصابه العدو في مقتل، أفاق على قمة جبل، تنفس بسهولة، اقترب منه نسر ونقر في عينيه، لم تسل منه قطرة دم، حمله وطار به، أعاده إلى مسقط رأسه، استطاع أن يميز بكاء أمه، أيقن أنه الميت».
تتعدد شواغل النص القصير لدى سليمان، فرغم كل التكثيف والاختزال استطاعت، باستخدام البلاغة المُضادة القائمة على الانزياح وتجاور المتناقضات والمفارقة أن توسع فضاءات السرد في الحيز الضيق، وهو الأمر الذي أتاح لأن تُفعم الكتابة بالرموز والكثير، الحمولات الإنسانية، يُمكن أن يجد منها المُتلقي الكثير حتى في النص الواحد كما في قصة «جوع» على سبيل المثال، أو تبثها بغير نص.
«جوع»
دللت نفسي بوجبةٍ بعد تعب، وصوم، أحضرت رغيف إنسانية، وسكبْتُ صحنَ محبةٍ بصلصة عدلٍ، لكي أتحلى اخترْت قطعة تعاون كبيرة بعد أن أزلْتُ عنها قشرة الطائفية، وزينْت مائدتي بتشكيلة منشوراتٍ، ولم أنسَ كأسَ التسامحِ الذي أشتهي، بسكين رحمة، وشوكة أمل بدأْتُ وجبتي قبل أن أتذوقها هجمَتْ جرذان ملونة».
فعنوان القصة الذي تختزله سليمان بكلمة واحدة، ليس بوابة عبور لسرد النص أو تعريفاً به، وإنما هو جزء مُندغم بحيثيات النص وبتفاصيله، وقد يؤدي دور الشخصية المحورية فيه، تلك الشخصية التي لن تُعيد ذكرها خلال سرد وقائع القصة لثقتها أن العنوان الذي مرّ عليه القارئ لابد انسحب معه ليكون حاملاً وغاية النص وشاغله، ولنأخذ مثالاً أكثر القصص تكثيفاً وهي:
«أجنبي»
الزّي العربي، اللون، الشوارب، الانكسار، وشت بالضعف، تلذذ باستعبادنا..»
فرغم كل هذا الاختزال غير أنّ اختيار مُفردات بعينها، وتركيبها تماماً كما يفعل كيميائي في مُختبر، كانت الرؤية بهذا النص الذي يأتي كحكمة أو مثل في اكتمال مقولته، أما أجمل القصص التي وجدت متعة في قراءتها؛ فهي قصة «عودة» التي يُمكن أن تترك للقارئ خيار اكتشاف هوية العائد الذي شارك الأم غرفة نومها، والذي هو الأب الذي هاجر في شبابه خلف الرزق وعاد عجوزاً، الأب الذي لم يحفظ منه الأولاد غير صورة شبابه المُعلقة على الجدار.
«عودة»
طارده الجوع، هرب تاركاً ما وراءه من أفواه جائعة، أمسك القدر بيده، لم تتأخر غيومه، هطلت غيثاً وقويت جذورهم، احتفظوا بصورة شاب نحيل، أبيض، طويل، تأففوا من الضيف المنحني الظهر الذي شارك الأم غرفتها..»
النصوص اللافتة في مجموعة «عيون تنتظر الفجر» كثيرة ولاسيما في هذه المواربة في طرح القضايا التي هي بواعث السرد، وهنا تكمن القيم الجمالية للحكاية التي ترويها القاصة غفران سليمان بتقنية التراكيب التي تنسجها من كلمات تُزيحها من سياقاتها المعهودة، وتُحيكها لسرد سجاجيد القصة التي تُلبسها فساتين القول الإبداعي لتجمع هدفين معاً طرح القضية، ومتعة القراءة الإبداعية.
عدد القراءات : 5157

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245686
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020