الأخبار |
ترامب يخفف عقوبة روجر ستون المدان بالكذب على الكونغرس  ولاية كاليفورنيا الأمريكية تفرج عن 8 آلاف سجين في إطار مكافحة كورونا  أمريكا تسجل أكثر من 55 ألف إصابة بكورونا لليوم الثالث على التوالي  بيونغ يانغ: لا يمكننا أن نتخلص من النووي  هل ستضمن منظومة باتريوت أمن أمريكا في العراق؟  بكين ترفض المشاركة... وواشنطن تهدّد بالانسحاب: معاهدة «نيو ستارت» تلفظ أنفاسها  قصة عمرها 15 قرناً… آيا صوفيا هويّتان دينيّتان ومصير مُتنازع عليه  البنتاغون: علاقتنا وثيقة مع "قسد" ونحن على اطلاع بلقاءاتهم مع مسؤولين روس  كوكب بحجم الأرض يدور حول أقرب نجم يثير فضول العلماء  المحكمة الخاصة بلبنان تحدد موعد النطق بالحكم في جريمة اغتيال الحريري  يدخلن حوامل ويخرجن على محفات الموت.. ماذا يحدث في مشفى التوليد “التخصصي” بدمشق!؟  تقرير أمريكي: الإمارات عرقلت الأسبوع الماضي اتفاقا ينهي الأزمة الخليجية مع قطر  الصحة: تسجيل 22 إصابة جديدة بفيروس كورونا ووفاة حالتين  فيتو مزدوج روسي صيني ضد مشروع قرار يتيح تمديد آلية إدخال مساعدات إلى سورية دون التنسيق مع حكومتها  إلزام العائدين بتصريف 100$: نحو إقرار استثناءات؟  البرلماني السينمائي!!.. بقلم: وصال سلوم  تفكيك مفهوم العظَمة الأمريكية.. بقلم: د. نسيم الخوري  المحكمة الأوربية ترفض دعوى رجل أعمال سوري لرفع اسمه من قائمة العقوبات.. من يكون؟  صناعة الموت في اليمن.. بريطانيا والسعوديّة في خندق واحد  هل نحن على أعتاب “القرن الآسيوي” وأفول “الأمريكي”.. “كورونا” غير شكل العالم     

نجم الأسبوع

2016-07-14 01:42:05  |  الأرشيف

بدوي الجبل.. أبجدية وطن ومدرسة شعرية خلاّقة

بدوي الجبل شاعر له تميز خاص، شكّلته الطبيعة من تنوع صلصالها، ولوّنت خياله بأقواس قزح وبثت في روحه جذوة الإبداع، عاش الحياة بقلب كبير، يفجره الضوء ويلّم عتمته، لايقرأ ما في الأبجديات فقد كانت له حروفه وأبجدياته، بدوي الجبل الشاعر الذي أخذ من نفسه كل ملامحه، ومن قلبه جمّع لغته ونشر أوردته طريقاً، وفي كفه حمل روحه لا يلوي إلا على حب. قدّم إبداعاً متفرداً، فكانت مسيرته الأدبية حافلة بالعطاء، شغف بالحياة وأحبها، فهو المبدع المتميز والمؤثر في كل ما خطّه قلمه، وقد كان صاحب مشروع أدبي وذا رؤية متكاملة ومنسجمة، وهذا دليل على صدق تجربته الإنسانية أولاً والأدبية ثانياً، رؤية حملت هموم الوطن والناس.
وكانت وزارة الثقافة ممثلة بالهيئة العامة للكتاب قد أعادت إصدار ديوانه “بدوي الجبل” بتوجيه من السيد رئيس الجمهورية كما جاء في تقديم الوزير للديوان في طبعة جديدة عملت وزارة الثقافة على تدقيقها وتنقيحها وفق التصويبات التي أوردها الشاعر العربي الكبير الراحل بخط يده على نسخة الطبعة الوحيدة الصادرة في بيروت عام 1978. تبعها مقدمة لذوي الشاعر جاء فيها: “نجزم أنه لو كان البدوي حياً، ورأى البطولات والتضحيات التي سطرها رجال الجيش العربي السوري، وأبناء شعبنا الأبي الذين ظلوا أوفياء لقيم الإباء الوطني والعزة القومية واستقلال سورية ووحدتها- هذه القيم التي بذل بدوي الجبل عمره منافحاً عنها- لما أهدى ديوانه إلا للشهداء الأبطال الذين يحصنون بدمهم النبيل كرامة سورية ورفعتها”.
يُعطي الشَّهيدُ فلا والله ما شَهِدَتْ
عينِي كإحْسَانِهِ في القوم إحْسَانا
وَغَايةُ الجُودِ أن يَسْقي الثَّرى دَمَهُ
عندَ الكِفاحِ ويَلْقَى اللّهَ ظَمْآنا
ومهد صديق الشاعر أكرم زعيتر للديوان بمقدمة من أهم القراءات التي قُدمت في شعر البدوي لقربه منه ومعرفته العميقة والحميمية به، ومن ثم جاء ترتيب قصائد الديوان مرتبة كما في الإصدار الأول بدءاً من قصيدة “الكعبة الزهراء” حتى آخر قصيدة في الديوان، ثم ملحق لقصيدتين تنشران لأول مرة الأولى هي تحية وفاء قدمها الشاعر إلى ميخائيل إليان، والقصيدة الثانية نظمها الشاعر في رثاء الشيخ عبد الله درويش.
كان “البدوي” يلتقط من مجلس والده كل ما يسمع من نظم ونثر يختزنه في صدره وعقله ليزهر أثره فيما بعد، درس نهج البلاغة والأغاني ومؤلفات الجاحظ وكتب التوحيدي وحفظ الكثير من أشعار كتب التراث الشعبي امرؤ القيس أبو تمام والحسن المكزون السنجاري. فقد نشأ في بيت علم ومعرفة وتصوف وهذه المسألة تركت أثراً عميقاً في تشكيل ثقافته ونتاجه الأدبي المتصف بالأصالة، وبناء على رغبته عندما كان يافعاً طلب من أسرته الانتقال إلى دمشق، وفعلاً لبت الأسرة طلبه ودرس في مكتب عنبر، المدرسة التي كانت تضم نخبة من رجالات سورية في مطلع القرن العشرين، في تلك الفترة كانت دمشق المحطة الأولى لانطلاق الثورة السورية الكبرى التي قادها الشريف حسين، وشهدت ولادة الحكومة العربية الأولى في العصر الحديث، هذه المسألة شحنت الشاعر بمشاعر قومية هائلة كان لها أثرها الكبير في تبنيه للفكر القومي، وفي إيمانه العميق بأمته وأصالتها، وضرورة أن تحقق شخصيتها على ساحة الحضارة العالمية، ويمكن أن ندرك مدى أهمية الشاعر من خلال الأصدقاء المحيطين ومعارفه في ذلك الوقت، كـ يوسف العظمة والثائر صالح العلي وكان على صداقة مع شكري القوتلي، وله بصمات واضحة في تاريخ سورية الحديث.

أبجدية الوطن
جاء شاعرنا من مدينة الأبجدية الأولى، من قرية ديفة في اللاذقية  إلى دمشق، كانت رحلته الطويلة، وكانت الشام لديه عشقاً وانتماء ووطنية وقومية، ويعتبرها  ملهمته في هذه الحياة.
“إن أشعاري تمليها عليّ دمشق أكثر من أي شيء آخر، حيث كانت حبه وهيامه حتى في الغربة، حيث بثها لوعته وأشواقه:
تطوحني الأسفار شرقاً ومغربا
لكن قلبي في الشآم مقيم
وفي قصيدة أخرى تمثل له الشام كل الأشياء الجميلة التي لايلام على حبها محبوها.
لاتلمـــــــــــــــــه إذا أحــــــــب الشــــــــآم
طابت الشآم مربعاً ومقاما
مارأينا الشآم إلا رأينا
منـــــزلاً طيباً وأهلاً كراما
نبض الوطن العروبي
إنه سنديانة الشعر ونبض الوطن، قال عنه سعيد عقل: “بدوي الجبل أحد قلائد الشعر في الدنيا”.
وقال عنه نزار قباني: “بدوي الجبل السيف اليماني الوحيد المعلّق على جدار الشعر العربي، في حنجرته ألف لبيد وألف شريف رضي وألف أبي تمام.عبقرية فذة ورمز الكبرياء، بدوي الجبل شاعر السيف والقلم”.
نقرأ البدوي في ضوء انتمائه للعروبة ليس الماضية بل القادمة إلى ماينبغي أن يتخيله الإنسان، إلى المستقبل، لذلك عندما تحدث عن ميسلون والجلاء لم يكن يتحدث عنا لأنها حدث تاريخي مضى، وإنما حدث تاريخي متجدد، فبعد معركة ميسلون مر الشاعر بدار الملك فرآها مقفرة فنظم قصيدة بعنوان “مرابع الأحباب” أهداها للشهيد يوسف العظمة نقتطف منها:
بَعُدَ الذين أُحبّهم والوجد يزكيه البُعاد
وَيْلَ الجيادِ فقد نأَتْ بأَحِبَّتي تلك الجياد
بَعثُوا خيالُهمُ وكيف به لمن حُرِم الرقاد
أَتُراهُمُ عَلِموا بمن أصفاهم صِدقُ الوداد

أكبر شاعر كلاسيكي معاصر
“بدوي الجبل علم الشعر العربي، هذا ماقاله فيه بشارة الخوري، أما الشاعر محمد الماغوط فقال: البدوي آخر جمرة في صقيع الشعر العربي”. بينما قال عنه أدونيس:  “بدوي الجبل أكبر شاعر كلاسيكي معاصر وواحد من كبار شعراء العربية في مختلف العصور”. أما الجواهري فقال: أكبر شاعر عُرف في هذا العصر، بدوي الجبل وشاعر آخر، وربما كان الجواهري يقصد نفسه بهذا الكلام.
تجلت في شعره أبرز معاني الوطنية والقومية، عانى الهم القومي وآمن برسالة الأديب ودوره في النضال ضد المستعمر وجسّد ذلك قولاً وفعلاً، كل ذلك أكسب التجربة الحياتية والإبداعية للشاعر الكثير من الغنى والأصالة لتؤهله لتلك المكانة الرفيعة التي بلغها في عالم الأدب والحياة معاً. وإذا عدنا إلى تفاصيل شعره التي تحمل قيماً عربية أصيلة، فالفخر والكبرياء والإباء بالنسبة إليه لم يكن شيئاً من العجرفة، بل كان يحس بالكرم وبنفسه، وهذا ما عبّر عنه في قصيدة الإباء والكبرياء التي أهداها إلى روح هنانو:
“وما حاجتي للأفق ضَحْيان مُشرِقاً
ونفسي الضُحى والأُفقُ والشمسُ والبدرُ
وما حاجتي للكائنات بأَسرها
وفي نفسي الدنيا وفي نفسي الدهر
ونَفْسي لو أن الجمر مسَّ إباءَها
على بِشْرِها الرَيَّان لاحترق الجَمرُ”
كان الشاعر معتز كثيراً بشعره يقول:
“الخالدان- ولا أقول الشمس- شعري والزمان”
وبقي الغزل يزين شعره ويفرض عليه أعذب أشعاره فقد رثى ابنته التي توفيت أثناء ولادة طفلها بقصيدة منها هذه الأبيات:
سـل الجمر هل غالى وجنّ وعذبا
كفرت به حتى يشوق ويعذبا
ولا تحرميني جذوة بعد جذوة
فما اخضل هذا القلب حتى تلهـبا
ومانال معنى القــلب إلا لأنه
تمرغ في سـكب اللـظى وتـقلبا
هبـيني حزنــا لم يمر بمهجة
فما كنت أرضى منك حزناً مجربا
وأسلوب البدوي، كما جاء في مقدمة الشاعر زعيتر، خال من التعقيدات اللفظية والمجازات المصطنعة وجماع القول فيه: جودة سبك، إشراقة لفظ بداعة خيال متانة لغة سراوة عاطفية وعطور وطيوب وذكريات وأغاريد وزغاريد ونعميات وجوامح وثارات ونجاوى وهمسات وهموم وأطياف أحبة ودموع وآهات وعمق في تصوف وابتهالات.
ويتابع الشاعر زعيتر، لعل آراء الشاعر في الشعر تفصح عن أسلوبه، وصداقتنا الحميمة مكنتني من استبار مذهبه في قديم الشعر وحديثه: إنه لايؤمن بوجود مدارس شعرية، فالشعر إما أن يكون رفيعاً أو لا يكون، وهناك شعراء لامدارس، والشعر المسمى بالحديث لاهوية له، ولايثبت على الزمان ما تخلى عن الأوزان وتنكر للطابع والروح العربيين، وقد يكون الكلام فلسفة أو حكمة، وقد يكون رائع الخيال وقد يكون كل شيء إلا أن يكون شعراً عربياً فيه وسامة الشعر العربي ونشوته، نعم إنه يفتقد الجمال الشعري لأن الأوزان عذوبة ونغم وجمال وعطر، وهي هدية الله إلى الروح، وقد قامت بينه وبين الشعراء الذين أطلقوا عليهم لقب الشعراء المحدثين الكثير من المساجلات فقيل له مرة أن الشعر القديم أصبح في هذا الزمن يدور في فراغ أمام معطيات العصر، فأجاب وبكل ثقة: “إذا كان الشعر القديم يدور في فراغ، فما أتى من الشعر الحديث لم يملئ هذا الفراغ، وبالتالي انطلق من فراغ وبقي يدور في فراغ”.
بدوي الجبل تاريخ أمة وثقافتها وحضارتها. أبجدية وطن خالد برموزه الذين يسطرون التاريخ بأحرف من نور، مدرسة شعرية متميزة خلاقة، ووطني عشق تراب بلاده وترك إرثاً خالداً يؤسس لجيل سيكون ألقاً لسورية، أضاف شعره إلى تراثنا العربي العظيم تراثاً جديداً.
سلوى عباس
عدد القراءات : 10567

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245750
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020