الأخبار |
بريطانيا تستأنف تصدير الأسلحة إلى السعودية  بصور جريئة مستلقية على المكتب البيضاوي.. باريس هيلتون تعلن ترشحها لانتخابات الرئاسة الأمريكية  لأول مرة.. الولايات المتحدة تسجل 60 ألف إصابة بكورونا خلال يوم  دولة خليجية تعين قاضيات للمرة الأولى في تاريخها  سورية وإيران توقعان اتفاقية عسكرية شاملة لتعزيز التعاون العسكري والأمني في شتى مجالات عمل القوات المسلحة  مسؤول أمريكي يعتذر عن حضور عشاء مع الرئيس المكسيكي بعد تأكيد إصابته بكورونا  الرئيس العراقي: الانتهاكات العسكرية التركية تجاوز على أراضينا  لعبة أردوغان الخطرة.. بقلم: نورا المطيري  “كورونا” يهزم ترامب .. والرئاسة طارت ..!!.. بقلم: صالح الراشد  انتهاء امتحانات شهادة التعليم الأساسي.. أسئلة اللغة الإنكليزية واضحة وشاملة  الصحة المصرية: تسجيل 1025 إصابة جديدة بكورونا و75 حالة وفاة  علماء البيرو يطورون جهازا للتنفس الاصطناعي يعمل بالتحكم عن بعد  المكسيك تسجل حصيلة يومية قياسية في إصابات كورونا  مجلس الأمن يرفض مشروع القرار الروسي حول إيصال المساعدات الإنسانية إلى سورية  روسيا تتدخّل مجدّداً لمنع المواجهة المصرية ــ التركية  شعبية ترامب وأوراق بايدن.. بقلم: د. أيمن سمير  الصين تفرض رقابة على الإنترنت... وأميركا تدرس حظر تطبيقات صينيّة  الأسرة بحاجة إلى 270 ألف ليرة لتأكل فقط.. و202 ألف إذا قررت أن تكون نباتية !  فرنسا.. حكومة جان كاستيكس: ماكرون «زعيم اليمين» الجديد؟  نجمة تونس الأولى نادرة لملوم: الصدق والوضوح هما مفتاح قلبي وهذه هي خطوطي الحمراء     

نجم الأسبوع

2010-01-31 12:37:44  |  الأرشيف

الطبيب الأندلسي عبد الملك بن زُهر

الأزمنة 193 - 31 / 1 / 2010

تجديد في الطب، وانتشار في الغرب، قبل أن يبلغ أسماع العرب

 

من الأعلام النابهين الذين حفلت بهم صفحات تراثنا المخطوط، ومنهم من احتفلنا به كثيراً، ومنهم من غاب في زوايا النسيان، ومنهم من صحونا فأخذنا ننفض عنهم غبار السنين.. من هؤلاء جميعاً: الطبيب "عبد الملك بن زُهر" الأندلسي الإشبيلي.

 

ثالث طبيب في أشهر الأسر الطبية في التاريخ:

فمن هو عبد الملك بن زهر، الذي ينتمي إلى قبيلة إياد العدنانية في الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام؟ أول ما يتميز به هذا الطبيب أسرياً، أنه كان "الثالث" في أسرة طبية أنجبت سنة أطباء في ستة أجيال متعاقبة، فهي – دون أي جدال- أشهر الأسر الطبية في التاريخ، قلت: هو الثالث، وقد سبقه جده، سمِيّه، الطبيب "عبد الملك بن زُهر"، وأبوه "زهر بن عبد الملك"، وتبعهم الرابع "أبو بكر محمد بن عبد الملك بن زهر"، وبعده الابن "عبد الله بن محمد"، وآخر هذا العقد النضيد "محمد بن عبد الله بن زهر".

وميزة ثانية يتمتع بها طبيبنا عبد الملك بن زهر، المُكنى "أبا مروان"، أنه كان الأكثر تفوقاً وفي تاريخ الطب في الأندلس، لأسباب منها: انقطاعه إلى الطب دون غيره من العلوم، وتجرده من قيود التقليد التي تمسك بها سواه من أطباء عصره، واعتماده في طبه على دقة الملاحظة السريرية في تشخيص الأمراض ومداواتها.

ويحلو لي أن أضيف: إن عبد الملك، إن كان قد انقطع إلى الطب لم يمارس غيره من العلوم والفنون، فإن ابنه، الطبيب "أبو بكر محمد بن زهر"، كان شاعراً، بل انقادت إليه في زمنه إمامة شعر الموشحات، وهذا الشعر من ابتداع الأندلسيين ومن موشحاته الشهيرة.

أيها الساقي إليك المشتكى قد دعوناك وإن لم تسمع

 

في خدمة "المرابطين"، ثم "الموحدين"

عاش أبو مروان عبد الملك بن زهر في ظل دولة المرابطين المغربية، هذه التي قدر لها أن تنقل جيوشها إلى الأندلس زمن ملوك الطوائف لنصرتها في مواجهة الممالك المسيحية، مرة ثم مرة (في القرن الخامس للهجرة، الحادي عشر الميلادي) وانتهت إلى أن ضمت الأندلس، في المرة الثالثة، إلى دولتها الفتية، فكان أن خدم عبد الملك وقبله أبوه زهر هذه الدولة، أطباء ووزراء، فلما دالت على يد دولة مغربية أخرى، هي دولة الموحدين، خدمها عبد الملك وسلالته من الأطباء.

لم تحدد لنا المصادر التاريخية عام مولد عبد الملك، وقد قدروه ما بين 464 هـ (1072 م) إلى 484، وكانت وفاته في مدينته إشبيلية عام557 هـ، فيكون قد عاش- حسب التقديرين- مابين 73 سنة إلى 93، كان فيها طبيباً للملوك والسلاطين مثلما ظل طبيباً وفياً للفقراء والمساكين.

وأما "كتاب التيسير في المداواة والتدبير" الذي ألفه قبيل رحيله بسنوات قليلة، فإنه يعد واحداً من أمهات الكتب الطبية في الحضارة العربية الإسلامية، ينضاف إلى كتب كثيرة مثل، كتاب "الحاوي في الطب" للطبيب الرازي، وكتاب "القانون في الطب" لابن سينا، وكتاب "التصريف لمن عجز عن التأليف" للطبيب الأندلسي أبي القاسم الزهراوي، وإلى كثير كثير غيرها..

 

الكتاب مترجماً، ثم – في عصر الطباعة- يظهر مطبوعاً:

قلنا: إن ابن زُهر توفي في العام 557 هـ (1162 م)، ولما تكن قد مضت على تأليفه كتابه إلا سنوات قليلة، وكانت النُخب من مثقفي أوروبا القرون الوسطى يتابعون منجزات الحضارة العربية في الأندلس، ولم يطل الوقت حتى ظهرت في العام 1206م، ترجمة الكتاب باللغة العبرية أولاً، وذلك أن اليهود كانوا – حسب ويل ديورانت في موسوعته.. قصة الحضارة"- يتمتعون من الوعي الثقافي والحريات الاجتماعية في ظل دولة الإسلام في الأندلس ما يجعلهم يبادرون إلى قطاف ثمار الإبداع العلمي، وسمي الكتاب في ترجمته العبرية "منوره هارافوآه" أي "مصباح الشفاء"، ثم إن الكتاب ترجم إلى اللغة اللاتينية مرة ومرات، إما عن العربية مباشرة وإما عن الترجمة العبرية أيضاً، وحُرّف اسم ابن زُهر عند الأوروبيين إلى "أفانزووار Avenzoar".

وفي عصر الطباعة ظهر الكتاب مطبوعاً باللاتينية، وأول طبعة له كانت في مدينة "البندقية" الإيطالية عام 1490، ثم طُبع في مدينة "ليون" الفرنسية عام 1531، وفي العام ذاته طُبع في مدينة "ليدن" الهولندية.. وتوالت الطبعات مرات كثيرة، وكان يُطبع غالباً مرافقاً بترجمة كتاب طبي آخر هو "الكليات في الطب" للفيلسوف ابن رشد الأندلسي، على اعتبار أن الكتابين متكاملان، ولفرط اهتمام القوم هناك بالكتاب، كانوا يَسْتَلون فصولاً منه، يلخصونها، لتنزل في مواضعها المخصوصة من كتب العلم الطبي.

وقيل في أوروبا إنه كان لهذا الكتاب الأثر البليغ في الطب الأوروبي حتى القرن السابع عشر الميلادي.

وهذا يسير مما تضمنته أطروحة المستعرب الفرنسي الطبيب غبريال كولان Gabriel Colin، الذي عرف – بعناية بالغة- بالطب العربي وتاريخه، وخاصة في أطروحته الأساسية لنيل مؤهل الدكتوراة بعنوان "ابن زهر، حياته وآثاره" تلك التي طُبعت فيما بعد بباريس العام 1911.

 

التجربة أكبر برهان

وما يُحسب لابن زُهر أنه ألف كتابه هذا بعد أن نضِج علمُه واتسعت تجاربه في كل اتجاه، وقد كان فيه يُحارب الخرافات والأباطيل، ويُكافح الدجّالين والمنجمين، ويُحكم العقل، ويعنى بالتجربة العناية كل العناية..

ولنستمع إليه يقول مصرحاً، أو هو من يرفع صوته صارخاً في وجوه مخالفيه المتوقعين، في غيرته على العلم الذي يؤمن به:

"أنا أحاكمهم، كنت حياً أو ميتاً، إلى التجربة، فإن الكلام يداخله الصدق والكذب، والحجج منها ما هو برهان ومنها ما هو اقتناع ومنها ما هو سفسطة ومنها ما هو تخيل، والبرهان هو ميزان حق في الحجج.. وليس يفرق بين الأقوال إلا البصير، وخاصة إن كان بصيراً بعلم الطب، فحينئذ يمكن أن يميز الحق من الباطل فيما يكون له بالطب معلق.. والتجربة وحدها هي التي تثبت الحقائق وتذهب البواطل.." (التيسير، ص326).

ابن زُهر أول من فصل بين الطب الباطني، والجراحة، والصيدلة:

ومما يحسب له أيضاً أنه فرق، أي فصل- فيما سمّاه العرب "صناعة الطب"- بين ممارسات في الطب رأى أنها تخرج عن عمل الطبيب الذي يُعالج مرضاه سريرياً.

فهو، من ناحية، كان "يأنف" من أن يجري الجراحات بنفسه لمرضاه، وكان يعهد بها إلى معاونيه المتمرسين على كل حال، فإن "فعلها" فللضروة الماسة، وهو في هذا يكون أول من فصل بين عمل الطبيب بالطب الباطني وبين عمل الطبيب الجراح، وإلى ذلك انتهى الأمر في العصر الحديث!

وهو، من ناحية ثانية، لم يكن يُعنى بتحضير الأدوية للمرضى، ففصل بذلك، مرة أخرى، بين عمل الطبيب وبين عمل الصيدلاني!

وفي ذلك قيل إن عبد الملك بن زُهر كان طبيباً "أرستقراطياً"! وصدقوا، فتلك كانت من سماته البارزة.

 

في "أسبوع العلم" الثالث عشر بدمشق:

أوقع طبيبنا عبد الملك بن زهر، الإشبيلي، تأثيره في الطب الأوروبي الصاعد منذ ما قبل عصر النهضة، وظل كتابه "التيسير.." يدرس في أوروبا، بجامعتي "لوفان" و"مونبيلييه" حتى القرن السابع عشر الميلادي.

ثم إن العرب استيقظوا في القرن العشرين، على ما تركه الأجداد من تراث محفوظ، في العلوم الإنسانية وفي سائر العلوم، نظروا، وعرفوا هذا الطبيب الأندلسي غير المنسي على كل حال.

وقد تهممت وزارة التعليم العالي في القطر العربي السوري، ممثلة بالمجلس الأعلى للعلوم، لأن تحتفي بهذا الطبيب، بمناسبة الذكرى "التسعمئة" لمولده "حسب أحد التقديرين: 1072م"، فجعلت منه محوراً لبحوث تُلقى حوله في "أسبوع العلم الثالث عشر"، الذي أقيم بجامعة حلب في شهر تشرين الثاني 1972، وأعدت لهذا "الأسبوع" كتاباً حوى ما كتب عن الرجل قديماً وحديثاً، بالعربية وغيرها، بذلته للمشاركين في ذلك الاحتفال ولكل من يطلبه، ثم أخرجت للناس بعد انقضاء الأسبوع، البحوث في مجلدات، ضم أولها خمسة البحوث التي تناولت هذا الطبيب، وقد حضرها كل من: د. أحمد شوكت الشطي، ود. عبد الكريم اليافي، ود. ميشيل الخوري، والأستاذ عمر رضا كحالة، والمستعرب الإسباني سلفادور غوميث نوغاليث.

وقد استحضرت بعد ذلك صور عن مخطوطات الكتاب حيثما وجدت في المكتبات العالمية، وأكب عليها الدكتور ميشيل الخوري (عضو مجمع اللغة العربية بدمشق) دارساً محققاً، وتعهدات "المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم" (تونس) إخراج الكتاب للناس مطبوعاً: "كتاب التيسير في المداواة والتدبير"، تولت طباعته "دار الفكر" بدمشق، وخرج بحلة قشيبة في العام 1982، بعد طويل انتظار، في خمسمئة وستين صفحة، وضع له الفهارس بالمصطلحات الطبية، باللغتين العربية والفرنسية، الدكتور مختار هاشم "عضو مجمع اللغة العربية بدمشق".

وشاع الكتاب بين المعنيين بالتراث الطبي العربي العريق، ولعلني استطعت تقريب الكتاب ومؤلفه، في مقالتي هذه، إلى أذهان غير المعنيين!

ولن يفوتني، استكمالاً للقول، أن أضيف أن "أكاديمية المملكة المغربية" بالرباط، أصدرت هذا الكتاب بتحقيق محمد بن عبد الله الروداني في مجلد حسن عام 1991.

 

لا جديد دون قديم

وبعد

لا يقولن أحد إن ذلك "طب قديم" قد عفى عليه الزمن!

فإني أجيب عن مثل هذا القول، بمثل ما كان قاله عميد الأدب العربي طه حسين في محاضرة له بجامعة دمشق في خمسينيات القرن الماضي، من أن من طبيعة الأشياء أن يعرف المحدثون ما لم يعرفه السابقون، وأضيف: خاصة في مجال العلوم، وأولها علم الطب، هذا الذي يقفز القفزات الهائلة، عاماً بعد عام، بل يوماً بعد يوم!

وأقول أيضاً: إن الحضارة الإنسانية تبنى لبنة لبنة، ومدماكاً فوق مدماك، ولولا علوم الأوائل، التي اتكأ عليها اللاحقون، لما كان لهم أن يسرعوا في الاختراع والابتداع.. فمن كان يصدق، في أوائل القرن العشرين الذي مضى، أن عيناً لا تبصر يمكن أن تكتحل بالنور، بجراحة سميت "ترقيع القرنية"؟ وأن صاحب القلب العليل يمكن أن يستبدلوا بقلبه قلب إنسان آخر، فينهض به، وينبض في صدره، ويخفق شوقاً إلى الحبيب الذي كان يخفق له القلب المنزوع؟!

فاضل السباعي

 

 

عدد القراءات : 15133

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245684
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020