الأخبار |
إطلاق نار في ولاية كاليفورنيا الأمريكية وأنباء عن 4 جرحى!  لجنة الانتخابات الروسية: نسبة دعم التعديلات الدستورية 78.03% بعد فرز 99.01% من الأصوات  ليبيا... طيران مجهول ينفذ غارات جوية قرب قاعدة الوطية العسكرية غربي البلاد  كيف تفكر كصحافي؟.. بقلم: عائشة سلطان  تركيا.. حصيلة إصابات كورونا تتجاوز الـ 200 ألف حالة  الصحة: تسجيل 14 إصابة جديدة بفيروس كورونا وشفاء 5 حالات  ما الذي تريده أميركا من المنطقة والعالم؟.. بقلم: محمـد ح. الحاج  العميد حاتم الغايب رئيس اتحاد كرة القدم : مستوى الدوري دون الوسط وسنتوسع في التحقيق بادعاءات وجود فساد فيه  القوات الأمريكية تنشئ مطارا عسكريا شمال شرقي سورية  أرقام مخيفة… كيف تبدو الحرب بين أمريكا والصين  إيطاليا.. 21 حالة وفاة بكورونا خلال الـ 24 ساعة الماضية  سيناريو الصدام التركي ــ المصري: رابحون وخاسرون  رفع أسعار مواد «الذكية» بناءً على طلب «السورية للتجارة» وتغير سعر الصرف الرسمي  أوروبا تفتح حدودها: غير مرغوب بالأميركيين!  روان عليان: لكل صوت بصمة.. ولكل أذن هوى وذوق في المغنى  قانون الأمن القومي نافذاً في هونغ كونغ: الكباش الصيني ــ الأميركي متواصل  بوتين وروحاني: سنواصل دعم سورية في حربها على الإرهاب حتى دحره نهائياً     

افتتاحية الأزمنة

2020-05-03 09:41:50  |  الأرشيف

العدالـــة الاجتماعيــة

تتطلب من الإنسان أن يصل بقواه إلى قدر من النضج، يقرره رائز العلم بمكنونات الحياة الحديثة، يتفوق على حضوره السابق أو القديم، هذا الذي ملأه الرسل والأنبياء والصالحون وبعدهم الفلاسفة والاجتماعيون، وجميعهم هزموا أمام الصغار من الوظيفيين، الذين صموا آذانهم، ليبقى السعي والبحث دائماً من الكبار، وتبقى الحياة في مجراها، الكل على ما هم عليه منذ أن بدأ التاريخ ينساب على مختلف مساربه وسبله، من دون أن يتحقق العدل، لماذا؟ لأن ما تنشده الإنسانية يحتاج إلى فائض الوعي، أو ما نطلق عليه النضج عبارة عن مصالح شخصية بأضيق معانيها، أهدافها تحقيق مطامع الذات وأنا الفرد من دون الدخول إلى فهم أن الإنسان بمفرده قليل، وهو بحاجة ماسة إلى الآخر، يجتمع معه، ويهتم به، ليتشكل منهما المجتمع، وهذا ما أخفقت البشرية فيه إلى حد كبير وحتى اللحظة المعيشة التي ندقق في مجرياتها، لندرك أننا مازلنا بعيدين كل البعد عن تحقيق العدالة بين أفراد المجتمعات كافة، وأينما وجدت من مركز الجهات الأربع، وصولاً إلى مركزها حيث اللا مركز.

كثيرا ما كتبت وعبر عقود أن الخطر الحقيقي الفريد والوحيد الذي يتهدد الإنسان هو الإنسان نفسه، والسبب في ذلك أنه عجز عن استخدام تفكيره، الذي بلغ مستويات أكثر من مهمة في التطور استخداماً اجتماعياً فعالاً، وذلك نتيجة لخوفه وتحيّزه وتعصبه لذاته وللكراهية القادمة من حب التملك وحمايته والسيطرة على الآخرين بدلاً من التعاون معهم.

 هل تؤمنون معي بأن الحق واحد، لأن مصدره واحد؟ هل ساعد هذا المنطق في تحرير العقل البشري وتحويله إلى إنساني؟ أم إنه زاد من ظلم البشرية لبعضها، فأغرتهم المطامع بعد أن رفعوا المعتقدات ومبادئها السامية إلى الأعلى، وانحدروا إلى الأسفل، أو ساروا تحتها، فلا هم تمسكوا بها، ولا هي أنقذتهم، ليظهر عجزهم الكلي في الإيمان بأسباب وجودهم مظهرين الهزائم الروحية في ميادين الواقع المتحرك بلا هوادة، والممتلئ بالشهوات.

هل وصلت البشرية إلى إدراك أن عليها أن تنقذ وجودها، وهي التي تمتلك من المبادئ السامية ما لا يعد ولا يحصى؟ وهل استطاعت أن تحرر عقولها من الخلط والاضطراب؟ فعندما ندقق في حركتها وأفعالها نجد أنها تعمل بلا معايير أخلاقية غير مستفيدة من القوانين الوضعية، ولا حتى من الحكم الإلهية، ونجد أن الكل يدّعي أو يسعى من أجل السيطرة والسيادة، والكل داخل في أتون المنافسة ومستعد للتطاحن، ما يظهر حجوم الفوضى العقلية المادية والروحية في آن، وأيضاً يتكشف للعاقل عن فوضوية الفكر في الارتكاز على مفهوم المَثَل الأعلى، الذي ينبغي للإنسان أن يسعى لتحقيقه وبلوغه، مستعيناً بما أوتي من قوى ومواهب، فهل المثل العليا سِرُ غامض يستعصي على البشرية فهمه، فتقف أمامها قاصرة عاجزة مما يسهل الحط من قدرة العدالة وإمكانية تحقيقها؟

العدالة الاجتماعية تمثل كرامة الإنسان التي يجب أن يحافظ عليها، والتي لا تتحقق إلا عن طريق الروابط الإيجابية التي يكونها مع الآخر، الذي ينمو في البيئة ذاتها والمنحى ذاته، وأكثر من منطقي وواقعي أن الإنسان لا يقدر أن يحيا في عزلة مهما بلغ من قوى، لذلك أجد الآن أن أهم مشكلة تواجه البشرية تكمن في العدالة التي تبحث عنها المجتمعات، هذه التي يجب أن تبنى ضمن ثلاثية المدارس الأسرة والمجتمع والتعليم الذي تختص به الدولة من خلال مدارسها، التي أعتبرها الأهم بحكم أنها القادرة على تنمية عناصر الخلق والإبداع الذي تحتاجه الحياة، والمدرسة قادرة على أن تكون شيئاً عادياً، أو أن تكون كل شيء، فوظيفتها الرئيسة كيف تنهض بالأجيال عبر تطوير التحضر وإنشاء الحضارة بعد فهم المعاني مع إدراك الجمال وخلقه والاستمتاع بوجوده، أما إن بقيت هذه المدارس تتبع أساليب الحفظ الآلي الذي يؤدي إلى ظهور الشخصيات الوظيفية، هذه التي لا يمكن لها أن تدرك معاني العدالة الاجتماعية، لأنها تبحث في ذاتها وأناها، وللأسف هذا هو الحاصل في جميع المجتمعات، ولدى كل الأمم، التي نراها تتقبل الأزمات بحكم هجرهم للإبداع، واعتناقهم التقليد، وتفاعلهم مع النقل، من دون القدرة على الانتقال نحو الأفضل على أسس سليمة.

العدالة الاجتماعية تحتاج إلى وعي ديني يمثل النضج بما يعنيه؛ أي في الواجبات الشخصية والواجبات العامة، وهذه فيما أرى مسؤولية كبرى تقع على كواهل رجال الدين والمفكرين غير التقليديين والساسة، لأنها إن لم تعتنق الحق بإيمان حقيقي فسيكون دورها مخرباً في البناء الاجتماعي، فالعقل البشري يحتاج إلى تطوير النضج الإنساني، ومن دونه تبقى لديه غريزة دائمة يطلق عليها شرعة الغاب، حتى وإن لبس لبوس التدين، فإذا امتاز الإنسان عن غيره بأنه عقل يسير في طريق المعرفة وبحثه المستمر للاستزادة منها، فيكون بذلك سائراً تحت مظلتي الدولة والدين، هذان المسؤولان عن تحويل الإنسان من الغابية المالكة للغة أريد من دون توقف، إلى النضج الإيماني بأن الحياة أخذ وعطاء، تشارك وبناء، هذه وحدها تأخذ الإنسان من تركيز الاهتمام حول الذات إلى صبه على المجتمع والعالم بأكمله.

وبما أن المبادئ الأساسية للأديان قامت على التحريم والفسح وإثارة مشاعر الخوف من العقاب بدل نشر الحب، وأن الثواب في الآخرة اللا منظورة، ما أخّر المجتمعات التي تعلقت بهذه المبادئ، وأبعدها عن استكشاف ما لديها ولدى محيطها من العالم الذي تحيا فيه، وهنا أجد أن فهم وإفهام الأديان على أنها تربط الإنسان بكل مكوناته بالإنسانية والاهتمام النوعي والإيجابي بحاجات وحقوق الآخرين ونشر الإيمان الدقيق من أهم شروط تحقيق العدالة الاجتماعية، وفي هذه الحالة تتحقق وحدة الدين مع العلوم الإبداعية، وأهمها علم الفلسفة. ابحثوا معي في شقاء الإنسان، ولماذا يذهب طوال حياته إلى شقاء، الفقير شقي، والغني شقي، والسبب الأنا والشهوة التي لا تتوقف، وبسببها فقط يشقى الإنسان، ولا يمكن للإنسان أن يهدأ ويسكن ويكون شريفاً إلا إذا استشعر الرحمة تجاه أخيه الإنسان، وتجاه المخلوقات جميعاً، كيف بالإنسان يبغض من لا يدين بدينه، أو يلتحق بمعتقده، أليست هذه الأنا وقمة العنصرية.

للأسف إن مظاهر الحياة أخذت ترينا توجه الإنسان للقوة، وكيف بالسياسة والأديان تؤيدها، وكأننا نعود إلى عصور الظلمات، على الرغم من أنهما مطلبان رئيسان لكل إنسان، لكي يتحولا إلى أدوات تسلط وانتقام واستعباد، وهو الحاصل المتابع الآن على وجه الأرض، وهنا لا أنفي بحق الإنسان بامتلاك المال، لأنه وسيلة أكثر من مهمة لاستمرار الحياة، ولا منعه من تطوير قواها، شريطة عدم الضغط على الآخرين بها، وإلا تكن العدالة قد وضعت في منفاها الذي يضعف البناء الإنساني، وتتفكك المجتمعات، وهذا ما تسعى إليه، فتنتهي من دون الوصول إليها، وإذا لم تنهض الطبقات العليا بأبعادها السياسية والاقتصادية والدينية بإنماء العقل والتفكر باتجاه قدسية الحياة الإنسانية والاجتماعية والاتجاه لتحقيق بعض من التوازنات بين الطبقات ورؤيتها بأعين باصرة، فالعدالة لن تكون ضمن سماها، وستبقى المجتمعات والأمم تائهة بين التسلط والاشتهاء، والقنص والاعتداء.

العدالة الاجتماعية تعني حق العمل وتكافؤ الفرص والإقامة والتملك والاستثمار والانتقال والاتجار وحرية العبادة وحرية الفكر العاقل والظفر بحياة مقنعة والاستمتاع بالحب، وبمستوى يليق بحياة الإنسان بكرامة وحضارة وتقدم، فهل هذا ممكن؟

 د. نبيل طعمة

 

عدد القراءات : 275139



هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245517
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020