الأخبار |
علماء البيرو يطورون جهازا للتنفس الاصطناعي يعمل بالتحكم عن بعد  بعد 6 أيام من التراجع.. قفزة كبيرة للإصابات اليومية بكورونا في العالم  شعبية ترامب وأوراق بايدن.. بقلم: د. أيمن سمير  أعداد الإصابات تحلّق عالمياً: الفيروس يطال بولسونارو  الصين تفرض رقابة على الإنترنت... وأميركا تدرس حظر تطبيقات صينيّة  الأسرة بحاجة إلى 270 ألف ليرة لتأكل فقط.. و202 ألف إذا قررت أن تكون نباتية !  فرنسا.. حكومة جان كاستيكس: ماكرون «زعيم اليمين» الجديد؟  الجزائر: تسجيل 475 إصابة جديدة و9 وفيات بكورونا خلال الـ24 ساعة الأخيرة  “3 أعوام من الفوضى تكفي”.. جماعات جمهورية تستعد لإسقاط ترامب!  FBI: نفتح قضية جديدة متعلقة بالصين مرة كل 10 ساعات  الصحة العالمية تعلق على درجة خطورة تفشي الطاعون الدملي  الجمهوريون في مأزق: ترامب و«كورونا» عدوّان انتخابيّان  هي كلمة للقيادة الرياضية السورية الجديدة.. بقلم: صفوان الهندي  حباً بالعدالة فقط!.. بقلم: زياد غصن  البرلمان المصري يحذر من يقترب من ثروات مصر في البحر المتوسط: ستقطع رجله  عودة «تنقيط الصواريخ»: غزة على طاولة قادة العدو  موسكو تتوعد لندن بالرد على عقوباتها  ماكرون يبقي على وزيري المالية والخارجية في حكومة كاستيكس  نجمة تونس الأولى نادرة لملوم: الصدق والوضوح هما مفتاح قلبي وهذه هي خطوطي الحمراء     

الباحثون

2009-07-23 13:58:22  |  الأرشيف

الكمبيوتر يتنبأ بالمناخ؟!

العدد 25 -تموز 2009

يمكن أن تعطينا التصاميم الكمبيوترية المعدّة للتنبؤ بالمناخ توقعات لا يتوافق أحدها مع الآخر, وذلك رغم كل التحسينات الملحوظة والتطورات الدراماتيكية في محاكاتها فيزيائياً وكيميائياً للغلاف الجوي وللمحيطات. هذه هي خلاصة التقرير الذي أعده جيمس ماك ويليامز عالم الرياضيات التطبيقية وعلوم الأرض في جامعة كاليفورنيا- لوس أنجلوس. وهو يبرهن فيه أن رياضيات التصاميم المعقدة كفيلة بأن يختلف كل منها عن الآخر, ويخلص إلى التوصية التالية:"يحتاج مصنعو التصاميم المناخية إلى تغيير مقاربتهم لصناعة التنبؤات".

على سبيل المثال تتنبأ جميع التصاميم المناخية بأن الأرض سوف تستمر في السخونة, وعندما يطالبون بتقديم معلومات أكثر تفصيلاً, فإنهم نادراً ما يتطابقون, وأفضل التنبؤات تختلف فيما بينها بمقدار 10- 20٪ أو أكثر. وتكون الاختلافات أكثر دراماتيكية فيما يخص بعض الظواهر المناخية, فعلى سبيل المثال لا تتفق التصاميم حول ما إذا كانت دورات الجفاف, في المعدل, ستطول أو ستقصر.

الاختبار الأساسي الآخر لمصداقية التصاميم المناخية, عدا عن توافقها مع بعضها البعض, هو مقدرتها على إعادة إنتاج نماذج مناخية سابقة. ويبدو أنها غير قادرة على فعل ذلك بشكل كامل أيضاً. إذ يمكنها أن تستخرج بعض المعلومات المناخية بشكل محايد إلى حد بعيد, ولكن يبقى لكل تصميم عيوبه الخاصة ونواقصه. على سبيل المثال قد يستنتج أحد التصاميم درجة الحرارة بشكل جيد جداً, ولكنه يقوم بعمل سيء في استنتاج كثافة بخار الماء.

وعلى الرغم من أن التصاميم المناخية قد تحسنت بشكل كبير في السنوات الأخيرة وتطورت بشكل أكثر تعقيداً, إلا أن التناقضات بين تنبؤاتها بقيت واسعة كالمعتاد. تعكس بعض هذه التناقضات الاختلاف في الآراء بين الباحثين في العلم الذي يسهم في التصاميم, حسب طريقة عمل كل تصميم, ولكن حتى التصاميم التي يقصد منها رسم صورة المناخ بالكلمات, وهي تعمل بنفس الطريقة من حيث الجوهر, لا تعطي نفس الاستنتاجات انطلاقاً من نقطة بدء مفترضة ما. يُفهم هذا- حسب ماك ويليامز- كقصور متأصل في التصاميم من هذه الفئة, أكثر مما هو مؤشر على عدم نضج ونقص دقة التصاميم.

يبدو أن هذه المسألة مشابهة لـ "تأثير الفراشة" الشهير, ولكن بمستوى مختلف. ففي عام 1972 لاحظ ادوارد لورينزو, وهو عالم رياضيات وأرصاد جوية, أن الفراشة التي تخفق بجناحيها في البرازيل تستطيع أن تطلق إعصاراً في تكساس. والفكرة هنا هي أنه في الأنظمة الكثيرة الاضطراب والفوضى, كالطقس, تقود الاختلافات البالغة الصغر في الشروط البدئية إلى اختلافات ملحوظة ودراماتيكية في الاستنتاجات النهائية. هذه الظاهرة معروفة جيداً في التنبؤ بالطقس, وهي تفسر لماذا حتى أفضل نشرات الطقس تصبح عديمة الفائدة بعد أسبوع أو أسبوعين. ولكن "تأثير الفراشة" يلعب دوراً أصغر في التنبؤ بالمناخ, لأنه على مدى سنة أو عقد من السنين يكون هناك ميل إلى نوع من التوازن أو التكافؤ بين النتائج غير القابلة للتنبؤ.

يعتقد ماك ويليامز أن التصاميم المناخية معرضة لتأثير فوضوي مشابه بمستوى مختلف. فالتغيرات الخفيفة في الطريقة التي تقارب وتحسب بها التأثيرات الفيزيائية, وليس التغيرات في الشروط البدئية, يمكن أن تقود إلى سيناريوهات مستقبلية مختلفة جداً. تسمى هذه الظاهرة "عدم الاستقرار البنيوي" structural instability. وإذا كانت التصاميم الكمبيوترية بالفعل غير مستقرة بنيوياً بشكل متأصل, فإن تصميمين محاكيين بدقة شديدة للأحداث الفيزيائية في الغلاف الجوي وفي المحيطات سوف ينتجان بشكل دائم تقريباً تنبؤات مختلفة جوهرياً. ومن المستبعد في تلك الحالة أن تتوافق تصاميم التنبؤ المناخي إحداها مع الأخرى.

وإذا كان ماك ويليامز يقر بأنه لا يستطيع أن يبرهن أن التصاميم المناخية هي غير مستقرة بنيوياً, إلا أنه في مقالة نشرها في 22 أيار 2007 في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences يطرح الكثير من الشواهد والأدلة في ذلك الاتجاه, ويقول بشكل شبه جازم:"حتى لو لم يكن في متناولنا جميع التصاميم المتاحة التي يمكن أن نصنعها نحن أو أبناؤنا, يمكننا منذ الآن رؤية أن تلك التصاميم لن تتلاقى على جواب دقيق, وعندما نمر بمرحلة تغير مناخي فمن غير المحتمل أن تتفق نشرات التنبؤ المناخي فيما بينها بشكل أكبر مما هي الآن".

مع كل ذلك تقدم التصاميم المناخية معلومات قيمة وحاسمة. فقد أحدثت تطورات كبيرة في فهم العلماء لديناميكيات المناخ. وأبعد من ذلك لا تضعف التناقضات بين التصاميم معظم الاستنتاجات الحاسمة لمخططات المناخ, ويضرب ماك ويليامز مثالاً على ذلك فكرة أن المستويات الزائدة لغازات البيوت الزجاجية الناتجة عن النشاط البشري تسبب ارتفاع حرارة الأرض وسوف تستمر في فعل ذلك. ولا يفوته أن يعترف بأن كل تصميم مناخي قابل للتصديق أينما تم تصنيعه قد أشار إلى نفس الاستنتاج, ويذكر أن طواقم من علماء المناخ الأذكياء قد حاولوا إنتاج تصميم لا يظهر سخونة مستقبلية, ولكن أحداً منهم لم يكن قادراً على ذلك بطريقة مقنعة.

على كل حال ينصح ماك ويليامز مصنعي التصاميم المناخية بتغيير مقاربتهم للتنبؤات الكمية الناتجة. فالناس- حسب رأيه- لا يتوقعون ولا يطمحون إلى كمال في التصميم. وبدلاً من ذلك يجب على المصممين أن يستكشفوا المجال الكامل للسلوكيات التي يحتمل أن تسلكها التصاميم المناخية عند التغيير المنتظم لطريقة بنائها وتركيبها, مما يتيح رؤية كامل مجال التنبؤات التي يمكن أن تعطيها تلك التصاميم.

من هذا المنطلق سوف لن يستننتج الباحثون ببساطة رقماً مفرداً للتنبؤ بمعدل درجة حرارة الأرض التي يمكن أن تنتج عن مضاعفة مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. وعوضاً عن ذلك سيكون هناك طاقم من آلاف التصاميم التي تعطي مجالاً واسعاً من الاحتمالات لدرجة الحرارة الممكنة.

يبدو أن بعض الباحثين قد بدؤوا مؤخراً بالعمل اعتماداً على الرؤية السابقة, ففي جامعة أكسفورد في بريطانيا يقوم فريق من الباحثين بإدارة مشروع سمي شبكة التنبؤ المناخي Climateprediction.net وهم يستخدمون القدرات الكمبيوترية لمتطوعين من كل أنحاء العالم لإحداث حوالي 150,000 تغيير على تصميم مناخي سبق أن طوره الباحثون أنفسهم. تجدر الإشارة هنا إلى أن بإمكان من يشاء الانضمام إلى هذه التجربة كمتطوع عبر موقع الانترنت الذي يحمل نفس الاسم. وبالنسبة لنتائجهم فقد أظهرت الجولة الأولى أن التصاميم المناخية يمكن أن تتنبأ بالسخونة المستقبلية الممكنة كمجال أوسع بكثير مما أظهرته التصاميم سابقاً, فوفقاً لنتائج تصميمهم يمكن أن ترتفع درجة حرارة كوكب الأرض بحدود 11 درجة مئوية إذا ما تضاعفت مستويات ثاني أكسيد الكربون. وهذا يختلف كثيراً عن النتيجة التي توصل إليها سابقاً فريق حكومي توقع أن يكون الارتفاع 2- 5 درجات مئوية. ومع ذلك تكون هكذا نتيجة متجاوزة للمألوف مستبعدة تماماً.

من الطبيعي أن تثير آراء ماك ويليامز الجدل, خصوصاً بين المصممين الذين انقسموا بين مؤيد ومعارض. يقول أحد المعارضين لآراء ماك ويليامز, وهو مصمم مناخي في جامعة برن في سويسرا, يدعى ريتو نوتي:" أتوقع مع مرور الوقت أن تعطي التصاميم نتائج متشابهة بشكل متزايد". ويحاجج عن رأيه بأن العلماء قد طوروا خلال السنوات العشر الأخيرة تصاميم حديثة أقل تعقيداً من التصاميم القديمة التي طورت خلال العقود السابقة, وهي تجعل مجال النتائج واسعاً أكثر منه متناقضاً.

لكن ماك ويليامز يرد على هؤلاء بالقول:"إن مجتمع المصممين بحاجة إلى التمسك بهذه الفرضية حالياً لكي يستطيعوا التأكد من قدرة التصاميم على الإجابة عن الأسئلة التي توجه إليها". وهو يستذكر نظرية كورت غوديل الذي برهن أن بعض العبارات الرياضية ليست صحيحة بشكل مثبت وليست خاطئة بشكل مثبت, ويعتبر تلك النظرية إشارة تحذيرية قوية إلى ضرورة أن يتأكد المرء من أنه يطرح السؤال الصحيح قبل أن يرهق نفسه في محاولة الإجابة عليه!.

 

المصدر: www.aciencenews.org

د. عمار سليمان علي

عدد القراءات : 16260

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245671
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020