هل سوف تستطيع قمة "برلين" من إنهاء الأزمة الليبية؟

هل سوف تستطيع قمة "برلين" من إنهاء الأزمة الليبية؟

أخبار عربية ودولية

الاثنين، ٢٠ يناير ٢٠٢٠

تتجه الأنظار هذه الايام نحو مؤتمر "برلين" الذي عُقد يوم أمس الاحد القادم في العاصمة الالمانية برلين، حيث كان من المقرر أن يناقش الممثلون الإقليميون والدوليون الأزمة الليبية المستمرة منذ الإطاحة بزعيمها السابق "معمر القذافي" في عام 2011 وهنا تجدر الاشارة إلى أن الحرب المستمرة في هذا البلد الغني بالنفط في شمال إفريقيا، أدت إلى وصول الظروف السياسية في هذا البلاد إلى طريق مسدود، وأصبحت ليبيا ساحة معركة للقوى الإقليمية والعالمية المتنافسة. 
وحول هذا السياق، ذكرت العديد من المصادر الاخبارية بأن محادثات وقف إطلاق النار التي عقدت في العاصمة الروسية موسكو مطلع الأسبوع الماضي فشلت، لكن ألمانيا خططت بعد ذلك الفشل لعقد قمة في "برلين"، لإنهاء النزاع بين القوات العسكرية التي يقودها الجنرال "خليفة حفتر" وقوات حكومة الوفاق الوطنية بقيادة "فايز سراج" ولقد أعلنت وزارة الخارجية الألمانية أنه تم دعوة قادة ورؤساء الحكومات من 12 دولة وأربع منظمات دولية، بما في ذلك الأمم المتحدة، لحضور مؤتمر "برلين".
كيف سقطت ليبيا في شباك الأزمة ؟
بدأت العملية السياسية الأولية للسلام في ليبيا في عام 2015 باتفاق "الصغيرات" ولقد جاء اتفاق "الصغيرات" بمبادرة من الأمم المتحدة لإيجاد حل سياسي للأزمة في هذا البلد الشمال إفريقي عقب سقوط نظام الرئيس السابق "معمر القذافي" وتمشيا مع هذا الاتفاق، وُلدت حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا واعترفت بها الأمم المتحدة والعديد من الحكومات باعتبارها السلطة التنفيذية الوحيدة في البلاد، لكن مجلس النواب الليبي لم يعترف بتلك الحكومة الجديدة.
في الواقع، لم يوفر ذلك الاتفاق حلاً دائمًا للأزمة في هذا البلد، وذلك لأنه فشل في التوصل إلى توافق في الآراء بين الجهات الفاعلة المحلية والدولية بشأن تقاسم المناصب السيادية والعلياء في السلطة ولقد أدت مثل هذه القضايا التي لم تحل إلى تشكل قطبين وقوتين محليتين في شرق وغرب البلاد وخلال السنوات الماضية دخلت هاتين القوتين اللتان كانتا تتلقيان الدعم من بعض الجهات الدولية الفاعلة في نزاعات مباشرة وشرسة، وهذا الامر أدى بدوره إلى زعزعة الامن والاستقرار في العديد من المناطق والمحافظات الليبية التي أصبحت مكانًا مناسبًا لبعض الجماعات الإرهابية مثل "داعش". وفي ذلك الوقت، تم تهميش كافة الجهود التي بذلتها بعض القوى الإقليمية مثل الإمارات العربية المتحدة ومصر، وكذلك الجهات الدولية الفاعلة مثل فرنسا وروسيا والولايات المتحدة لإيجاد حل سياسي في هذا البلد، خاصتاً عقب قيام الجنرال "حفتر" بالتقدم بقواته العسكرية نحو العاصمة الليبية طرابس لإسقاط حكومة الوفاق الوطنية.
وحول هذا السياق، ذكرت العديد من التقارير أن الجنرال "حفتر" تمكن في عام 2014 بعد قيامه بشن العديد من العمليات العسكرية، من فرض سيطرته على الكثير من المناطق الواقعة في شرق ليبيا وخلال الفترة الماضية تمكن ذلك الجنرال من توسيع نطاق سيطرته والوصول إلى بعض المناطق الواقعة غرب ليبيا وتمكن أيضا من السيطرة على العديد من آبار النفط الليبية. الجدير بالذكر أن حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، اللذين لعبوا دوراً رئيسياً إلى جانب الولايات المتحدة في الإطاحة بحكومة "القذافي"، أبعدوا أنفسهم خلال الفترة الماضية عن الأزمة في هذا البلد وركزوا فقط على قضايا مثل منع تدفق المهاجرين إلى أوروبا والتهديدات الأمنية وبالإضافة إلى ذلك، سعت فرنسا وإيطاليا، كقوتين أوروبيتين متنافستين في ليبيا، إلى حل الأزمة الليبية من خلال اجتماعات منفصلة في عام 2018 وذلك من أجل أن تجدا لهما موضع قدم في ليبيا في المستقبل القريب.
التعطش للفوز وبقاء الخلافات؛ من محادثات موسكو إلى مؤتمر برلين
بعد اللقاء المشترك الذي جمع بين رئيسي تركيا وروسيا، أعلنت الأطراف الرئيسية المشاركة في الحرب الليبية وقف إطلاق النار وفي الـ12 يناير الماضي تجمع القادة الليبيين في العاصمة الروسية موسكو. ومع ذلك، وفي نهاية تلك المفاوضات، غادر الجنرال "خليفة حفتر" العاصمة موسكو دون التوصل إلى اتفاق دائم لوقف إطلاق النار وهنا تجدر الاشارة إلى أن الدور الذي لعبته الجهات الفاعلة الأجنبية مثل مصر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، والتحرك التركي للإسراع بنشر قواتها في ليبيا، وآمال "حفتر" في الفوز في تلك الحرب خلال الأسابيع المقبلة، ساهمت جميعها في مغادرة الجنرال "حفتر" دون التوقيع على اتفاق وفق اطلاق النار مع حكومة الوفاق الوطنية الليبية.
في الواقع، إن فشل الجنرال "حفتر" على الجبهة الدبلوماسية واليأس من تحقيق أهدافه على طاولة المفاوضات مع تركيا، شجعه على التقدم عسكرياً نحو العاصمة طرابلس وعدم القبول بوقف اطلاق النار، وفي الوقت نفسه، ساعدته تلك التحركات العسكرية على أن تكون له اليد العلياء أثناء مشاركته في مؤتمر "برلين". وفي هذا السياق، كشفت بعض التقارير أن العلاقة بين دولة الإمارات العربية المتحدة والجنرال "حفتر" تعتمد على المصالح المشتركة ولهذا فإنه يمكن القول أن العملية العسكرية التي تقودها قوات الجيش الوطني الليبية بقيادة "حفتر" والتي تستهدف حركة الإخوان المسلمين في ليبيا، تعد من أهم القضايا الموجودة على جدول اعمال السياسة الخارجية للإمارات العربية المتحدة في المنطقة.
يذكر أنه في عام 2014، وضعت الإمارات العربية المتحدة وإلى جانب المملكة العربية السعودية، جماعة الإخوان المسلمين على قائمة "المنظمات الإرهابية" ومن خلال تعريف تلك الدولتين لهذه الحركة على أنها تشكل تهديد أمني وطني ودولي، فلقد بدأت تلك الدول بتشكيل جبهة عسكرية لمواجهة حركة الإخوان المسلمين. وكانت مصر بلا شك واحدة من الجبهات الأولى التي شاركت أبو ظبي والرياض في هذه الحرب، ولهذا فلقد فتح "عبد الفتاح السيسي"، الذي وصل إلى السلطة في مصر قبل عدة سنوات، الأبواب الليبية أمام الإمارات للدخول ومواجهة حركة الاخوان المسلمين. وفي عام 2014، شاركت دولة الإمارات العربية المتحدة في الحرب الأهلية الليبية من خلال تنفيذ مجموعة واسعة من الضربات الجوية على العاصمة طرابلس وفي فترة ما بعد عام 2014، ساعدت مصر والإمارات العربية المتحدة الجنرال "حفتر" وقدمت له الكثير الدعم الجوي لتغيير موازين القوى لصالحه وهنا تجدر الاشارة إلى أن الهدف النهائي للعديد من اللاعبين الدوليين هو السيطرة على آبار النفط الليبية، والدخل المادي الذي يأتي من موارد النفط والبنك المركزي الليبي.
وهنا يمكن القول بأنه يبدو أن الحرب في ليبيا ستستمر طالما استمر وجود الدعم الخارجي لبعض الاحزاب والقيادات الليبية ولن يكون هناك حديثاً ممكناً عن حل دائم في هذا البلد الشمال إفريقي، إلا من خلال توفير مساحة سياسية لكي تتوافق الآراء حول قضايا مثل تشكيل الحكومة وتوزيع الموارد الاقتصادية وتوزيع المناصب السيادية وصياغة دستور وقانون انتخابي جديد للبلاد ولذا ينبغي إقناع مختلف الجهات الفاعلة بأن الحرب لن تكون هي الحل للأزمة الليبية. وهذا الامر يدل على أن عملية السلام في ليبيا هي عملية معقدة وحتى إذا التزم "حفتر" و"السراج" بوقف إطلاق النار والمشاركة في مفاوضات جديدة، فإنه يبقى السؤال الذي يقول، هل جميع القوات العسكرية التي تنتمي إلى تلك الاقطاب وتلك القوتين المحليتين مستعدة للتضحية من أجل احلال السلام في هذا البلد الشمال افريقي؟