الأخبار |
إطلاق نار في ولاية كاليفورنيا الأمريكية وأنباء عن 4 جرحى!  لجنة الانتخابات الروسية: نسبة دعم التعديلات الدستورية 78.03% بعد فرز 99.01% من الأصوات  ليبيا... طيران مجهول ينفذ غارات جوية قرب قاعدة الوطية العسكرية غربي البلاد  كيف تفكر كصحافي؟.. بقلم: عائشة سلطان  تركيا.. حصيلة إصابات كورونا تتجاوز الـ 200 ألف حالة  الصحة: تسجيل 14 إصابة جديدة بفيروس كورونا وشفاء 5 حالات  ما الذي تريده أميركا من المنطقة والعالم؟.. بقلم: محمـد ح. الحاج  العميد حاتم الغايب رئيس اتحاد كرة القدم : مستوى الدوري دون الوسط وسنتوسع في التحقيق بادعاءات وجود فساد فيه  القوات الأمريكية تنشئ مطارا عسكريا شمال شرقي سورية  أرقام مخيفة… كيف تبدو الحرب بين أمريكا والصين  إيطاليا.. 21 حالة وفاة بكورونا خلال الـ 24 ساعة الماضية  سيناريو الصدام التركي ــ المصري: رابحون وخاسرون  رفع أسعار مواد «الذكية» بناءً على طلب «السورية للتجارة» وتغير سعر الصرف الرسمي  أوروبا تفتح حدودها: غير مرغوب بالأميركيين!  روان عليان: لكل صوت بصمة.. ولكل أذن هوى وذوق في المغنى  قانون الأمن القومي نافذاً في هونغ كونغ: الكباش الصيني ــ الأميركي متواصل  بوتين وروحاني: سنواصل دعم سورية في حربها على الإرهاب حتى دحره نهائياً     

سينما

2016-07-02 00:45:26  |  الأرشيف

سينما الشباب السورية.. أفلام تنضج وتتكاثر تحت الحرب

ثمة من يعوّل اليوم في سوريا على مشروع «سينما الشباب» الذي دخل عامه السادس، ليكون بمثابة مختبر للمخيلة الجماعية الشابة في سنوات الحرب، حيث تزامن ذلك مع صعود نواد سينمائية مستقلة في بعض المدن السورية؛ تقوم بعرض الأفلام السورية والأجنبية الممنوعة منها والمرخص، إضافةً لمناقشتها مع الجمهور عبر إدارة مخرجيها ونقادها الشباب، كان أبرزها النادي الذي انشق عن نادي «تيار بناء الدولة» الذي كان يديره أنس جودة، فيما يقدم نادي «LTC A» بإدارة الناقد فراس محمد محتفياً بأفلام كل من نبيل المالح ومحمد ملص ورياض شيا وعبد اللطيف عبد الحميد.
في اللاذقية كان لمهرجان «خطوات» حضوره الذي توقف في العام الماضي إضافةً لدورات سيناريو أقامها السيناريست حسن م. يوسف هناك، ليستمر «نادي طرطوس السينمائي» بعرض أفلامه في صالة «الكندي» في المدينة الساحلية، فيما انفرد «نادي حلب السينمائي» بإدارة الناقد فاضل الكواكبي بأنشطته التي توقفت عام 2014 بعد ازدياد حدة المعارك في المدينة، وعن هذا يقول «الكواكبي» متحدثاً إلى «السفير»: «منذ الثمانينيات توقفت أنشطة النوادي السينمائية المستقلة التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والنقابات الشعبية، وكان أبرزها نادي دمشق السينمائي في حي الطلياني الذي كان له دور كبير بنشر الثقافة السينمائية في البلاد، ومع بداية الألفية الثالثة عادت السينما المستقلة بتظاهرة «سينما الواقع» التي كان يديرها المخرج عروة نيربية بالتعاون مع مؤسسة السينما، لتتأسس مع الحرب نوادٍ جديدة كان أبرزها نادي «أحفاد عشتار» بإدارة لينا الأسعد وديمة العقاد، إضافةً لورش عمل أدارها المخرج محمد عبد العزيز مع طلاب الدبلوم السينمائي، إذ إن هناك عودة إلى مفهوم النوادي السينمائية المدعومة من المجتمع الأهلي، والتي ترافقت مع إتاحة الفرصة أمام سينما الهواة أو ما يدعى بالسينما المستقلة التي ازدهرت بعد الانتقال من التصوير على شريط الـ(35 ملم) إلى تقنية التصوير بكاميرا الديجتال، ما فتح الباب واسعاً أمام عشرات الشباب لدخول غمار إخراج أفلام سينمائية تفاوتت مستوياتها بين الجيد والرديء».
يرى الكواكبي «أن تظاهرة «سينما الشباب» وضعت معايير فنية لعمل المخرجين الجدد، لكن أصحاب هذه التجارب لا زالت تعاني أفلامهم من التكرار والتأثر بالتلفزيون والفيديو كليب». مضيفاً: «إلا أن هذا لا يعني عدم وجود تجارب جريئة وعميقة إنسانياً، وبعيدة عن الخطاب الأيديولوجي، بل نحا بعضها إلى هواجس الإنسان السوري في ظلّ الحرب، إنما تبقى شروط المُنح التي تقدمها المؤسسة العامة للسينما تحتاج إلى تحسين شروطها الفنية والإنتاجية، مع ضرورة تقبل أفكار الشباب مهما بدت للوهلة الأولى تشاؤمية أو غير تعبوية، فهذه النوعية من الأفلام ستزول مع الزمن».
الفن السينمائي كما يراه الناقد السوري: «فن رغب به الشباب كشكل من أشكال التعبير المباشر والمغري للتعبير عن هواجسهم والأكثر التصاقاً مع طبيعتهم وثقافتهم البصرية؛ وما يحدث اليوم في سوريا من سباق نحو السينما أشبه ما يكون بما حدث في السبعينيات والثمانينيات بتوجه الشباب نحو كتابة قصيدة النثر وإصدار أعداد كبيرة من المجموعات الشعرية ذات التوجه الحداثي، لكن ليس هذا المهم، بل المهم هو إيجاد مسارب عمل للمخرجين الهواة الذين يخضعون لدورات تدريبية، فلم يتم حتى الآن دعمهم لتشغيلهم في السينما أوالتلفزيون، ناهيك عن عدم وجود قنوات فضائية كافية وقادرة على استيعابهم وإنتاجاتهم».
طرح مفهوم السينما البديلة في دورة مهرجان دمشق لسينما الشباب عام 1971، وجاءت كرد على السينما التجارية العربية، ولا سيما المصرية، حيث بزغ هذا المفهوم لأول مرة مع التأثر بموجة السينما البديلة التي سادت سبعينيات القرن الفائت في أوروبا في كل من فرنسا وتشيكوسلوفاكيا السابقة، وحققت نجاحات لا كتيار بل كأفلام، لكن الفارق اليوم بين سينما البديلة بالأمس وسينما البديلة اليوم، هو أن الأولى قامت على أيدي سينمائيين محترفين لا على أيدي هواة، وأبرز أسمائها في مصر كان: سعيد مرزوق وعلي عبد الخالق ومدكور ثابت، أما في سوريا فكان كل من نبيل المالح وعمر أميرالاي، وفي لبنان برهان علوية وسمير نصري وكريستيان غازي وجان شمعون. القضية أكبر مما هو رائج، يشرح الكواكبي: «الدولة لدينا نابذة للكفاءات، فهي تخسر سنوياً ملايين الليرات لتأهيل كوادر فنية، ثم تهاجر هذه الكفاءات لمصلحة دول أخرى، باحثةً عن فرص العمل وأجور أكثر إنسانية مما تتقاضاه في وطنها».
مشروع دعم الشباب
فكرة «سينما الشباب» بدأت عام 2007. فقد أخذ وقتها هواة السينما ينشطون ويقدمون أفلامهم التي ينتجونها بجهودهم الذاتية أو برعاية من بعض الجهات الخاصة؛ نشاط دفع المؤسسة العامة للسينما باعتبارها الجهة الحكومية الوحيدة المعنية بالشأن السينمائي في البلاد؛ أن من واجبها هي في المقام الأول تقديم الدعم والرعاية لهذه السينما الشابة، يقول الأديب «محمود عبد والواحد» مضيفاً: «المقصود بهذه السينما هنا تحديداً هو كل مواهب الإخراج السينمائي الشابة؛ التي لم تتلق تعليما سينمائياً أكاديمياً، وليست مصنفة في نقابة الفنانين».
ليس في سوريا معهد متخصص بتخريج الكوادر السينمائية، ولم يعد لدينا إنتاج سينمائي خاص، يتابع عبد الواحد، أبرز المشرفين اليوم على تحكيم واختيار نصوص أفلام «مشروع دعم سينما الشباب»: «لقد بات من الضروري وجود جهة ما، قادرة على تقديم كل عون ممكن لهواة السينما كي يفصحوا عن أنفسهم وموهبتهم، أسوة في ذلك بالمنظمات الشعبية التي ترعى هواة الرسم والتصوير والموسيقى والمسرح».
انطلاقا من هذا كله، ولد «مشروع دعم سينما الشباب»، ولكن بسبب مشاكل في التمويل تأخر تنفيذ المشروع حتى عام 2012 عندما انطلقت الدورة الأولى منه بعشرة أفلام، تبعها في العام التالي خمسة وعشرون فيلماً، ثم استقر العدد حالياً على ثلاثين فيلماً سنوياً؛ تصل ميزانية كل فيلم منها إلى ما يقارب مليون ليرة سورية «2000 دولار اميركي»؛ حيث تقدم المؤسسة للمخرجين الشباب كل مستلزمات تنفيذ أفلامهم. يعلق (عبد الواحد) مستطرداً: «طبعا يكون بعد حيازة النص موافقة لجنة مختصة تدرس السيناريوهات المقدّمة فتختار الأصلح من بينها؛ من مدير تصوير وإنتاج وفنيي إضاءة ومساعدي إخراج وغير ذلك، إضافة إلى سيولة نقدية، ثم تقدم له خدمات ما بعد التصوير من مونتاج ومكساج وغيرهما، وصولا حتى إنجاز الفيلم بالكامل».
سينما بديلة
كانت لدينا مشكلة فمن سيتمم مسيرة السينما السورية في السنوات القادمة؟ يتساءل محمد الأحمد المدير العام لمؤسسة السينما: لماذا مشروع دعم سينما الشباب: «نعرف أن معظم المخرجين المهمين في السينما السورية؛ قد أصبحوا اليوم في «سن التقاعد»؛ وسيأتي يوم سيكونون خارج المشهد؛ إذاً كان لا بد من رفد الحركة السينمائية بوجوه شابة ومن هنا قلنا بدعم سينما الشباب؛ فهذه السينما قد لا نستطيع أن نتبين النتائج من سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات؛ إذ تحتاج المسألة إلى المزيد من الوقت».
السؤال دائماً يأتي لإدارة المؤسسة: ماذا بعد إنتاج كل عام ثلاثين فيلماً قصيراً؟ يجيب المدير العام للمؤسسة: «سيتم الانتقاء وستتم التصفية من بين هذه الوجوه الواعدة، فلا تزال التجربة قيد الدراسة، ولا تزال فكرتنا بتقديم سينما جديدة قائمة على إعطاء الفرص للشباب؛ ففي مجال السينما لا يمكن أن تُكتشف المواهب؛ إلا إذا أخضعت هذه الطاقات الجديدة للتجريب وللوقوف وراء الكاميرا».
«مهرجان سينما الشباب والأفلام القصيرة»، أصبح اليوم شبه تقليد بعد عقد دروته الثالثة في الشتاء الماضي؛ ففيه تعرض الأفلام التي أنتجها المشروع بعد خمس سنوات على انطلاقته، وتوزع جوائز على أصحاب التجارب اللافتة وفق نظام لجنة تحكيم مكونة من أبرز المخرجين والنقاد المخضرمين، تعطي منحها للمخرجين الجدد، بعد تقييمها ورصد درجة تفاعل الجمهور معها؛ إذ يبدو أن المشروع رغم انتقادات يوجهها البعض لسوية الأفلام التي يحققها هواة آخذ بالتبلور؛ حيث أقامت مؤسسة السينما في العام الماضي ما يشبه نواةً لمعهد سينمائي في دمشق، مهد له بالإعداد لدورات تدريبية بمشاركة أساتذة لإعطاء شهادة «دبلوم علوم السينما» كان أبرز المشاركين فيها كلا من سمير ذكرى وريمون بطرس وحسن سامي يوسف وفاضل الكواكبي ومحمد عبد العزيز وجود سعيد وعلي المالح وآخرين.
عن هذه الدورة يخبرنا الناقد محمد الأحمد أيضاً: «هي دورات لها احترامها، لأن من يدرّس فيها هم مخرجون وكتّاب وفنيون تحمل الفيلموغرافيا الخاصة بهم أعمالا لافتة، فنحن ضد المعاهد أو الدورات التي تُقام هنا وهناك اعتباطيا ويدرّس فيها مجموعة من الأسماء التي لم تحقق شيئاً في السينما، حيث أستغرب كيف يدرّس مادة السيناريو شخص ليس لديه أية تجربة عرفها أو حاكمها الجمهور؛ ولذلك حرصنا على أن يكون المدرّسون الذين تختارهم المؤسسة من مخرجين وكتّاب سيناريو وتقنيين لديهم باع طويل وتجاربهم معروفة ومحتفى بها من قبل الجمهور المحلي والعربي وحتى العالمي».
لكن ماذا عن الرقابة على الأفلام التي يصوغها اليوم الشباب والشابات المستفيدون من منح الدعم؟ ويجيب محمد الأحمد: «إن الأفلام التي قُدِّمت للمؤسسة ـ ليست بمجملها ـ تنتمي فعلاً إلى تطلعات جديدة في السينما السورية؛ لكننا أردنا ألا نخضع السينمائي الشاب أو الشابة الجديدة لآليات ضبط؛ لأن هذا الأمر يحد من الحس الفطري المطلوب في أي عمل سينمائي أو هاوٍ؛ فــــتركنا لهؤلاء الشباب فرصة التحرر من كل شـــيء يمكن أن يعيق أو يحرر هذه الانطلاقة».
يبدو هامش الرقابة مرتفعاً على أفلام منح الشباب التي بلغ عدد أفلامها اليوم 95 فيلماً؛ لكن كما يقول الناقد السينمائي نضال قوشحة: «كل شيء متاح أمام هواجس ورغبات الشباب بإبداع أشرطتهم؛ على شرط ألا تثير هذه الأفلام نزعات دينية أو عرقية؛ فهذا خط أحمر بات معروفاً بالنسبة للرقابة الوطنية؛ ما عدا ذلك، أميل إلى سينما الشباب كونها سينما تعتمد التجريب على مستوى صياغة هويتها اللونية وتقديم حلول إبداعية وخلاقة وجريئة من حيث الطرح؛ ومن حيث تحقيق أفلام تعكس حقيقة ما يحدث اليوم على الأرض السورية، فمعظم الأفلام التي قدمها الشباب كانت عن الحرب، القليل منها طرح مسائل زواج الأديان والعنوسة وحقوق المرأة؛ لكنها بالمجمل أخذت الحرب باعتبارها، وقدم مخرجوها رؤى جريئة فنياً وسياسياً».
تحت وطأة الصراخ الداخلي تندفع أحلام العديد من الشباب للتعبير عما بداخلهم من أفكار وأحلام ومعاناة، تقول المخرجة الشابة رولا بريجاوي وتضيف: «بالتأكيد هي سينما ذات هوية سورية؛ تضع وشمها الخاص من خلال الأفكار التي تلقي الضوء عليها؛ وذلك رغم تفاوت جودة صناعة الفيلم». بالنسبة لفيلم بريجاوي «فتاة الشاحنة» (10 دقائق) والذي عرض مؤخراً في مهرجان سينما الشباب الثالث تقول: «بطلتي فتاة في السادسة عشرة من العمر تجلس في المؤخرة المكشوفة لشاحنة صغيرة، مكتظة بنساء وأطفال. فتأتي لتعيش ضمن شريحة اجتماعية واقعية محددة ومحدودة، تحرّم عليها العلم والعمل لتحقيق ذاتها وما تصبو إليه وما تحلم به كغيرها من شرائح المجتمع الأخرى. فكل ما تشاهده وتستقبله عينا هذه الفتاة في الشارع والطرق هو عالمها المشتهى والبديل».
كريستين شحود تحكي عن تجربتها مع مشروع دعم الشباب: «تجربتي كانت مع فيلم بعنوان «صدى» (12 دقيقة) أستطيع على الصعيد الشخصي أن أصفها بأنها تحد للذات قبل كل شيء؛ فأنت هنا تخلق صورة وصوتا من فكرة كانت في رأسك؛ إنها مسؤولية كبيرة.. كوني هاوية للإخراج؛ لكن بالرغم من بعض الصعوبات التي واجهتها؛ إلا أنني أفرح لفكرة أننا كشباب صرنا نأخذ فرصة لنعبر عما بداخلنا كجيل جديد؛ طبعاً هناك صعوبات تعيقنا عن تحقيق أفلامنا كما ينبغي؛ منها قصر المـــدة الزمنية المُعطاة لنا للتصوير؛ إضـــافةً إلى أن بعض المعدات التقنية غير موجـــودة؛ ومنـــها ما هو قديم؛ وهذا ما يحد من التنويع في اللقطــــات من الجهة الحركية أو (الديـــكوباج)».
السفير
عدد القراءات : 7033

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245517
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020