الأخبار |
بصور جريئة مستلقية على المكتب البيضاوي.. باريس هيلتون تعلن ترشحها لانتخابات الرئاسة الأمريكية  لأول مرة.. الولايات المتحدة تسجل 60 ألف إصابة بكورونا خلال يوم  دولة خليجية تعين قاضيات للمرة الأولى في تاريخها  مسؤول أمريكي يعتذر عن حضور عشاء مع الرئيس المكسيكي بعد تأكيد إصابته بكورونا  الرئيس العراقي: الانتهاكات العسكرية التركية تجاوز على أراضينا  الأردن.. توقعات ببدء العام الدراسي في أغسطس المقبل  لعبة أردوغان الخطرة.. بقلم: نورا المطيري  “كورونا” يهزم ترامب .. والرئاسة طارت ..!!.. بقلم: صالح الراشد  انتهاء امتحانات شهادة التعليم الأساسي.. أسئلة اللغة الإنكليزية واضحة وشاملة  الصحة المصرية: تسجيل 1025 إصابة جديدة بكورونا و75 حالة وفاة  علماء البيرو يطورون جهازا للتنفس الاصطناعي يعمل بالتحكم عن بعد  ارتفاع ضحايا كورونا إلى نحو 550 ألف وفاة وأكثر من 12 مليون مصاب حول العالم  الدفاع الروسية: هيئة تحرير الشام تخطط لاستفزازات في إدلب واتهام الحكومة باستخدام أسلحة كيميائية  المكسيك تسجل حصيلة يومية قياسية في إصابات كورونا  “كوفيد – 19” يقترب من مليونيته الثانية عشر.. الكمامة أفضل سبل الوقاية  عشرات آلاف العمال الأمريكيين يضربون ضد العنصرية في 20 الجاري  وفاة عامل وإصابة اثنين جراء انهيار منزل في حي كرم القاطرجي بحلب  الرئيس الأسد يستقبل رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الايرانية اللواء محمد باقري والوفد المرافق له  روسيا تتدخّل مجدّداً لمنع المواجهة المصرية ــ التركية  الأسرة بحاجة إلى 270 ألف ليرة لتأكل فقط.. و202 ألف إذا قررت أن تكون نباتية !     

سينما

2017-01-12 07:08:26  |  الأرشيف

«الأب» فيلم رؤيوي اللغة والمضمون … الضياع البشري السوري ورسالة لإنقاذ جيل سورية

 نهلة كامل

«الأب» الفيلم السينمائي الرابع للمخرج المبدع باسل الخطيب، والمؤسسة العامة للسينما، بعد ثلاثية: مريم، الأم، سوريون، في ظل الحرب الإرهابية على سورية خلال ست سنوات ولعله الأبرز تحت هذا المفهوم.

قضية باسل الخطيب
وبرع باسل الخطيب في رسم أبعاد مصيرية لمواضيعه الدرامية، حيث تقاطعت لديه القضية الفنية مع القضية الإنسانية للوصول إلى أكثر من أسلوب متين تتوزع جمالياته في بيئة واسعة ملهمة أعمق من الواقع المعيش، وأصدق من الرواية المعروفة.
تابع الخطيب قضيته هذه، عندما اتجه في سنوات الحرب الإرهابية على سورية إلى ميدان الفن السابع، لكنه كان يحمل معه ذاك التوق إلى اللغة السينمائية التي كان يستند إليها ويمارسها أحياناً في أعمال تلفزيونية متألقة، وتجعل عمله مضنياً وهو يحاول الوصول بأعماله التلفزيونية إلى مستوى الكمال السينمائي الذي يحققه الآن من دون وساطة مسلسلاته.

لغة وثائقية شاملة
يظهر فيلم الأب أصالة اللغة السينمائية لدى باسل الخطيب، وقدرته على التجدد في كل عمل سينمائي على حدة، وها هو يعمل على إبداع أسلوب وثائقي شامل، ذلك أن «الأب» ليس وثائقياً بالمفهوم التقليدي وبمعنى تكريس رواية معروفة واحدة، بل بتقاطع روايات واقعية كثيرة في سيناريو وثائقي جديد واحد.
يحقق فيلم الأب ولع باسل الخطيب في إنجاز سيناريو مرسوم بدقة وإحكام، شاهدناه من قبل في تركيب الفيلم الجميل مريم، ثم الأم، ولاحقاً وجعه اللاهث في «سوريون»، وها هو في «الأب» يوحد أبعاد الحدث ووجوهه وآلامه في تسجيل وثيقة وطنية واحدة.
اعتمد الأب على سيناريو «كتبه باسل ووضاح الخطيب» يعيد تأليف الأحداث والجرائم التي مارسها الإرهاب المسلح في سورية، والمعاناة التي توجعها السوريون تحت أنظار العالم. حيث أصبح كل حدث أو شخصية في السيناريو تجسيداً لعشرات بل مئات الجرائم والضحايا والشهداء في أحداث سورية معروفة محددة التواريخ والأسماء.
واستطاع سيناريو «الأب» وهو يتطلع إلى شمولية تعبر عن الكل من دون التضحية بالمفرد أن يتجاوز الحدود التي تقف أمام حدث وثائقي واحد، فجاء مضمون الحرب اليومية التي يعيشها الإنسان السوري قضية مصيرية، وارتقى بالأحداث إلى صدقية التاريخ.
وتصدى السيناريو بشموليته، إلى تقديم أفكار رؤيوية تبدأ من مصير الإنسان حتى مصير الوطن والمستقبل، ذلك أن سلاسة الأحداث وملامح الشخصيات لم تخرج عن أبعادها التوثيقية إلى أخرى شخصية وفردية وميلودرامية، كان يمكن أن تخرج بترميزها وتعبيرها عن إطار المعاناة السورية الشاملة.

قضية الضياع
يجمع فيلم «الأب» إخراجاً الأسلوب الوثائقي، بتصرف، إلى الواقعية البصرية التعبيرية، ويبدأ بعد الأحداث الموثقة التي عاشها الإنسان السوري أينما هاجمته الفصائل الإرهابية السوداء، إنها رواية ولائنا، سمعنا عنها وشاهدنا مجازرها كل يوم لدرجة أنها أصبحت مألوفة لعين المشاهد وأذنه، مدونة في ذاكرته خلال سنوات الحرب، لكن رسم ملامحها الدرامية العامة وأبعادها هو ما يصوره فيلم «الأب» وخاصة حين يقدم إنسانه بطلاً تراجيدياً يريد تحقيق إرادته أينما كان هذا ممكناً… وهي رواية أمامنا ما دامت قابلة للتكرار.
يعرض فيلم «الأب» أحداث هجوم جماعة إرهابية مسلحة على بلدة سورية وادعة ونائية في حضن الطبيعة الفسيحة لسورية، وحيث تشارك الطبيعة دائماً لدى الخطيب الإنسان مصيره، نجد أن هذا الجمال الأزلي يدنس تحت أقدام إرهابية بشعة.
وحيث يفر أهل البلدة في اتجاهات ومصائر متعددة، ويلجأ فريق منهم إلى مشفى البلدة الذي يحرسه الجيش العربي السوري، يكون إبراهيم «يجسده أيمن زيدان» الأب لعائلته الكبيرة، والده ووالدته، وزوجته وبناته الثلاث في عداد اللاجئين إلى المشفى، حيث يشعر بالمسؤولية تجاه عائلته الوطنية الأكبر ويأخذ مبادرة التعاون مع الجيش لحماية الفريق الذي يرافقه، وإذ يفجر الإرهابيون المشفى ويخرج المدنيون منه للنجاة في مكان آخر يقعون في أسر الإرهابيين الذين يسوقونهم إلى مقرهم للفتك بهم بطرق وأشكال متعددة.
فيلم «الأب» وهو مأساة الضياع الإنساني السوري، وتشرد العائلة الصغيرة والكبيرة يرسم في سياق تصاعد أحداثه الدموية السوريين ضحايا، وشهداء، وأبطالاً، كلاً في مكانه من فسيفساء سينمائي يوثق الصورة الشاملة للمصير، لكنه يتابع طريق عائلة إبراهيم: حيث فقد الأب والده ووالدته بالموت على طريق الهرب، وضاعت عنه ابنتاه، وزوجته التي هربها من الأسر، وابنته الصغيرة التي استولى عليها الإرهابيون، الذين كانوا يعدمون المدنيين وأفراد الجيش بطرق وحشية: الواحد تلو الآخر، بعد محاكمات شكلية باسم الدين وتهمة الكفر، أما إبراهيم فقد قرروا الإبقاء عليه لاستخدامه في توجيه الأطفال، منهم ابنته، لتنفيذ عمليات إرهابية مسلحة، بعد تدريبهم على القتل والعنف، فقد تركه المخرج لمفاجأة الختام السينمائي.
احتاج فيلم «الأب» وهو يرصد مصير النزيف البشري السوري إلى فريق كبير من الممثلين، حركهم المخرج ضمن عملية بطولة جماعية، حيث تألقت وجوههم بنظافة تعبيرية مخلصة لموقعها في رسم الحدث العام، والوثيقة الشاملة الجديدة، وأصبحت كل شخصية في الفيلم جامعة لما قبلها من شخصيات واقعية متكررة المعنى، وأصبحت هي الحقيقة الفنية الموضوعية التي تشارك المشاهد معلوماته، وتؤكد قضيته الإنسانية.
واستطاعت مجموعة الممثلين التي قدمت عرضاً وثائقياً شاملاً تأليف واقع معادل يوجز ما عرفناه من جرائم إرهابية أساسية هي: التهجير، والملاحقة وتفجير المؤسسات المدنية والقرى والمدن والقتل باسم الدين وتهمة الكفر والمتاجرة بالأعضاء البشرية، وممارسة العنف على النساء والمتاجرة بهن واغتصابهن وقتلهن أحياء، والاستيلاء على الأطفال لاستخدامهم في عمليات الإرهاب والتفجير.
صدقية أيمن زيدان

أما شخصية «الأب» وهي دعامة البناء الدرامي، وجامعة خيوط القضية الوطنية والإنسانية وحاملة الرسالة، فقد جاءت لتعكس تجربة التفاهم الإبداعي الطويل بين الكبيرين باسل الخطيب وأيمن زيدان، وترقى بها إلى المستوى الأصعب والأرفع الذي حققه الاثنان معاً حتى الآن… تبرز شخصية الأب، صدقية أيمن زيدان في الدخول إلى روح العمل مجسداً تقاطعاً مميزاً بين القضية الوطنية الإنسانية والقضية الفنية، وصل إلى درجة الانتشار الكامل في أوصال الموضوع وأبعاده المصيرية، «الأب» شخصية تحقق توازناً مذهلاً على حبل رفيع مشدود بين الوثائقية والواقعية التعبيرية، فلا تسقط على أرض المأساة الفردية بل تحلق في كونها تمثل: القضية، والبطولة التراجيدية، وحمل الرسالة الوطنية، هي الأب في سورية كلها، وإذا كان الضياع والتشرد يهدد عائلته، مثل كل العائلات التي عاشت مصيراً قاسياً، فإنه يقرر في ضميره الداخلي اليقظ ألا يهدد الضياع وطنه.
احتاجت اللغة السينمائية لدى «الأب» إلى أداء داخلي لأيمن زيدان طالما استند إليه المخرج الخطيب في أعمال مشتركة سابقة، واستطاع أيمن زيدان أن يقدم مفاهيم وجدانية وهو في حالة صمت الأسر لدى الإرهابيين، وظهرت خلجات نفسية تمثل الضمير، واليقين والإصرار على مواجهة الإرهاب من خلال تمثيل يبادل الموقف والبيئة حركاته ونظرته من دون صدام مع الخارج، تمثيل مبدع يتحرك بين الصراع الذي يعيشه والرسالة التي يحملها، فلا يشذ عن المفهوم الوثائقي لدوره الذي توقفت عليه أهداف الفيلم بألا تدخل شخصية الأب في أبعاد فردية وشخصانية من الانفعال أو المباشرة، أداء منطقي وذهني لم يطغ على وثائقية تقديم الإرهاب بمعناه الأشمل للواقع، والأبعد من الحادثة.

الرسالة
يقدم فيلم «الأب» السوريين وهم يقفون بوجه العاصفة ما أمكن، يضمدون جراح بعضهم بعضاً ويستشهدون جنباً إلى جنب مدنياً وجندياً وطبيباً من أجل الوطن وأبنائه، لكن نظرات الضحايا والمشردين ستظل ماثلة في ذاكرة المشاهد، هم القضية التي جسدها فريق من الشخصيات يبحث عن وجوده في خضم الضياع، «تحية لكل الممثلين من دون القدرة على ذكر الأسماء كلها».
واستطاع الفيلم أن يكون متقدماً في ملف استغلال الأطفال وإرهابهم واستخدامهم في القتل والترهيب، حيث تظهر الآن تقارير حول هذه الظاهرة التي وصلت منذ أيام إلى تفجير طفلة في مركز للشرطة في دمشق… لكن طليعية الفيلم ورسالة الأب جاءتا من داخل هذه الظاهرة، كما برزت كحل درامي، وخاتمة رآها الأب بصيص أمل استند إليه كي ينقل رؤيته إلى الأطفال جيل المستقبل السوري عندما أراده الإرهابيون موجهاً ومرشداً لهم إلى طريق التطرف والوحشية، فكان أن استغل موقعه هذا لنقل رسالته الوطنية إليهم بقوله: «أحبوا بلدنا قد ما بتستاهل تنحب… تذكروا أنو هاي بلدنا..».
يوصل الأب رسالته «ربما قبل أن يستشهد دفاعاً عن جيل المستقبل» خاتماً الفيلم بمشهد رؤيوي، حيث يضع الإرهابيون المسدس في يد أحد الأطفال لقتل الأب بعد موقف انتصاره على إرادة الإرهاب، لكن هذا الطفل يأبى، بحركة عفوية وبريئة، إطلاق الرصاص إلى رأس الأب إبراهيم، كاشفاً عن إيمانه بالوطن وحبه له، تصرف نابع من قناعة طفل أكدت أن رسالة إنقاذ سورية المستقبل تكمن في خلاصها تربوياً وروحياً، وفي حماية جيل المستقبل من الإرهاب على أنفسهم بشكل التطرف والجهل والعنف.
«الأب» فيلم رؤيوي يؤمن أن الصراع الحالي والقادم هو صراع على سورية المستقبل استطاع باسل الخطيب من خلال لغة سينمائية رؤيوية أيضاً أن يجعل الوثائقية الشاملة ممكنة لنقل رسالة وطنية عاجلة ودائمة في آن واحد، حيث تتسارع المتغيرات والأحداث من دون القدرة على قراءة كل أشكالها الفردية.
رؤيوية اتحد فيها مشروع باسل الخطيب بمشروع المؤسسة العامة للسينما ومديرها السابق الأستاذ محمد الأحمد الذي لازمه دوماً هاجس ابتكار هوية وطنية للسينما السورية. على أمل الاستمرار مع الإدارة الجديدة، والأستاذ الأحمد الذي ما زال يحلم بمتابعة الطريق الأصعب بصفته الآن وزيراً للثقافة يكتب بقلمه كلمة «بروشور» الفيلم بروح ناقد عشق فن السينما ولا يزال.

عدد القراءات : 6713

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245704
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020