الأخبار |
ترامب يخفف عقوبة روجر ستون المدان بالكذب على الكونغرس  ولاية كاليفورنيا الأمريكية تفرج عن 8 آلاف سجين في إطار مكافحة كورونا  أمريكا تسجل أكثر من 55 ألف إصابة بكورونا لليوم الثالث على التوالي  بيونغ يانغ: لا يمكننا أن نتخلص من النووي  هل ستضمن منظومة باتريوت أمن أمريكا في العراق؟  بكين ترفض المشاركة... وواشنطن تهدّد بالانسحاب: معاهدة «نيو ستارت» تلفظ أنفاسها  قصة عمرها 15 قرناً… آيا صوفيا هويّتان دينيّتان ومصير مُتنازع عليه  البنتاغون: علاقتنا وثيقة مع "قسد" ونحن على اطلاع بلقاءاتهم مع مسؤولين روس  كوكب بحجم الأرض يدور حول أقرب نجم يثير فضول العلماء  المحكمة الخاصة بلبنان تحدد موعد النطق بالحكم في جريمة اغتيال الحريري  يدخلن حوامل ويخرجن على محفات الموت.. ماذا يحدث في مشفى التوليد “التخصصي” بدمشق!؟  تقرير أمريكي: الإمارات عرقلت الأسبوع الماضي اتفاقا ينهي الأزمة الخليجية مع قطر  الصحة: تسجيل 22 إصابة جديدة بفيروس كورونا ووفاة حالتين  فيتو مزدوج روسي صيني ضد مشروع قرار يتيح تمديد آلية إدخال مساعدات إلى سورية دون التنسيق مع حكومتها  إلزام العائدين بتصريف 100$: نحو إقرار استثناءات؟  البرلماني السينمائي!!.. بقلم: وصال سلوم  تفكيك مفهوم العظَمة الأمريكية.. بقلم: د. نسيم الخوري  المحكمة الأوربية ترفض دعوى رجل أعمال سوري لرفع اسمه من قائمة العقوبات.. من يكون؟  صناعة الموت في اليمن.. بريطانيا والسعوديّة في خندق واحد  هل نحن على أعتاب “القرن الآسيوي” وأفول “الأمريكي”.. “كورونا” غير شكل العالم     

شعوب وعادات

2019-04-05 04:00:02  |  الأرشيف

مع ارتفاع تكاليفها مشاريع الزواج.. تأجيل تحت ضغط النفقات وسلوك اجتماعي يستثمر بالتقاليد

لم تنته قصة الحب التي عاشها عمار كما يريد، أو كما يفترض أن تنتهي مثل هذه القصص التي تبدأ بالجامعة في حضن الأحلام الوردية الراسمة للمستقبل المبني على الحب المتبادل، والرضى “بالخبزة والزيتونة” كما يقال، فهذا الحب يتلاشى في أول مواجهة مع الواقع الحياتي المر، وتسقط تلك الصورة الوردية، وتتبدد كما تبددت أحلام عمار، وهو المهندس المدني الحالم بالمستقبل عند سماعه لطلبات أهل الفتاة التي سعى لتكون شريكة عمره، خاصة أنه من أسرة فقيرة، وفي بداية مشواره الحياتي الذي يبدؤه بآمال كبيرة، وجيوب فارغة لا تقوى على تأمين تكاليف الزواج التي باتت عبئاً كبيراً على الشباب الذين يعيشون في هذه الظروف حالة من الضياع، والتشتت، وعدم القدرة على الخوض في غمار الحياة الزوجية نظراً للتحديات المالية الكبيرة التي تواجههم.
صحيح أن عمار لم تكسره خسارة حبه كما قال، لكنه في المقابل لم يعد يفكر بالزواج، واعتبر هذا المشروع مؤجلاً لأجل غير مسمى، لاسيما أنه يعمل اليوم لتأمين حاجة أسرته، والإنفاق على تعليم إخوته، وخاصة في هذه الأيام التي ترتفع فيها تكاليف الحياة المعيشية إلى أرقام خيالية!.
من المستحيلات
 
مشكلة تأمين متطلبات الزواج ليست وليدة الأزمة فقط، بل كانت موجودة وحاضرة دائماً في المجتمع، ولكنها اليوم أكثر صعوبة من جميع النواحي، وفي الوقت الذي يفرض فيه المنطق، وأحوال الناس، والواقع الاجتماعي تقديم التسهيلات، ومساعدة الشباب على تخطي تحديات الزواج، نجد أن الأمور تسير باتجاه التعقيد الذي يحبط ويفشل أهم القرارات المصيرية التي يتخذها الشاب في حياته (قرار الزواج) الذي يمضي الشاب عمره في تأمين متطلباته، وتحقيق شروطه، وخاصة في هذه الأيام الصعبة التي أرهقت كاهل المقبلين على الزواج، وبات تحقيق شروط الزواج من المستحيلات أمام الارتفاع الجنوني بالأسعار، وقلة مصادر الرزق من جهة، ومن جهة أخرى مغالاة الأهل في طلباتهم، وتحديداً المهور الكبيرة، وتمسكهم بتقاليد الزواج المتعارف عليها التي يطلبها أهل العروس من العريس كالمنزل، والذهب، وحفلة الزفاف التي يتوجب على العريس إحياؤها في صالة أفراح، والتي تندرج في خانة “البرستيج” الاجتماعي،  وهنا يتحدث خليل، 40 سنة، مستهجناً رفض أهل العروس له لكونه لا يملك منزلاً ويسكن بالإيجار، وكان تبرير الرفض من قبل والد العروس بأنه غير مستعد لاستقبال ابنته مع زوجها وطفلها إذا أنجبت في حال إخراجه من المنزل من قبل صاحب البيت، أو عجزه عن دفع الإيجار، فهو بالكاد يؤمن قوت يومه، ويسد حاجة عائلته، وكذلك ممدوح الذي فسخ خطبته بعد أن طلب أهل الفتاة منه شراء ذهب بمليون ليرة سورية بحجة أنهم يريدون الاطمئنان على مستقبل ابنتهم  والذهب لا خسارة به، ما أثار جنون ممدوح، وقال بأن الزواج اليوم أصبح كصفقة تجارية تهدف للربح على حساب العريس الذي لا حول له ولا قوة!.
 
تكاليف تصاعدية
 
تعج صفحات الفيسبوك بأخبار حفلات الزواج التي يشكّل البذخ فيها حالة دائمة، إذ تصرف الملايين في منافسة اجتماعية، حيث يتباهى الناس بإقامة أفراحهم في أفخم الفنادق، وبمصممي الفساتين، ومصففي الشعر والمكياج، وبالمطربين، وغيرها من القضايا التي تطعن في حقيقة الواقع الاقتصادي المأزوم في حياة بعض الفئات الاجتماعية التي تؤثر بشكل مباشر وغير مباشر على الفئات الشعبية الأخرى من حيث محاولة التقليد، أو العمل على الاستمتاع بفرحة العمر دون الانتباه للفوارق التي باتت واضحة في المجتمع!.
 
طبعاً قرار التخلي عن الكثير من المستلزمات هو أمر في غاية الصعوبة، ولكنه الخيار الوحيد، فلينا تنازلت عن حلم كل فتاة بارتداء الفستان الأبيض، وتبددت الفرحة أمام غلاء أسعار الفساتين التي تصل قيمتها إلى أكثر من 350 ألفاً، وحتى استئجار الفستان أصبح مكلفاً، وقد يصل إلى أكثر من 150 ألف ل.س حسب نوع القماش وتطريزه، وهذا ما جعل لينا، وهي الفتاة المعروفة برجاحة تفكيرها، تتوجه لإنفاق أجرة الفستان على مستلزمات أخرى أساسية كفرش المنزل مع شريك عمرها، وكما فعلت لينا وجدت هبة نفسها أمام الخيار ذاته، فقد اتفقت مع عريسها على إلغاء حفل الزفاف الذي كان من المقرر عقده في إحدى الصالات المتواضعة في دمشق التي وصل الحجز فيها إلى 150 ألف ل.س بعد أن اقتنعا بأنه من المعيب في ظل الأزمة إنفاق ذلك الرقم على المظاهر والشكليات، والأجدى الاحتفاظ بالمبلغ ليوم أسود قد يختبرهما به القدر.
 
أزمة صالات الأفراح
 
لا يتوانى أصحاب صالات الأفراح، أو مستثمرو الصالات في الفنادق في تقديم المبررات لرفع أسعار الحجوزات الخاصة بحفلات الأعراس، بعد أن نال عدد كبير من صالات الأفراح الكائنة في المناطق المتوترة نصيبه من الدمار والخراب وما بقي في المناطق الآمنة، وأكدوا أن عملهم يعاني من حالة ركود بسبب إحجام الكثيرين عن إقامة حفل زفافهم بصالة، وتحمّل تكاليفها الباهظة، وعزا أبو نبيل، مستثمر إحدى الصالات في مدينة دمشق، ارتفاع تكاليف حجز الصالة إلى ارتفاع أسعار المواد، وهذا ينسحب على الضيافة التي ستقدم في الحفل من مشروبات، أو قوالب الكاتو، أو البوظة، والمحلاية، وغيرها من الحلويات التي تقدم في الأعراس، وكذلك تكلفة التصوير تضاعفت بعد غلاء الأفلام، وأجرة تحميض الفيلم، وغيرها من التفاصيل المكلفة، إضافة لأجور العاملات اللواتي يشرفن على الخدمة في الحفل، ولم يخف أبو نبيل رفع التكلفة لمحاولة تعويض الخسائر التي لحقت بالصالات بسبب انخفاض نسب الحجوزات، وأضاف بأن النسبة الأكبر من الحجوزات أصبحت لمجالس العزاء التي كثرت خلال الأحداث، والموالد النبوية التي استبدل الكثير الأعراس بها ممن لديه القدرة على الإنفاق، وكان للصالة مردود جيد خلال الأحداث.
 
طقوس الزواج
 
لا شك بأن الاستمرارية في الحياة تتطلب الزواج، والإنجاب وتكوين أسرة، وأثبت المواطن السوري خلال الأزمة، كما عبّرت الباحثة في علم الاجتماع هالة محمد، حبه للحياة، وتشبثه بها، وفي ذلك دفاع عن الوجود، وإحباط للمؤامرات التي تهدف إلى نفي وجود الوطن والمواطن، وتضيف بأن طقوس الزواج اختلفت، والمراسم الاحتفالية أصبحت محدودة ومقتصرة على عائلة العروسين فيما بينهما، وبيّنت محمد بأن حفلات الزفاف والمناسبات التي تبالغ بالتكاليف المادية والمظاهر، تنم عن فئة من المجتمع مستهلكة وليست منتجة، وهي فئة أنانية تفتقد الإحساس بمشاعر الآخرين، والمسألة ليست مزايدة ومبارزة بين الأسر بأساليب فيها تهميش للمشاعر، وتسطيح للعقل، والزواج هو رابطة مقدسة، وليست الطقوس من تعطي الحب والسعادة، وإنما طبيعة العلاقة، ومدى الانسجام والتفاهم بين الطرفين، وبما أننا اليوم في مجتمع يعيش في ظروف صعبة  يجب أن نراعي الحالة الاقتصادية.
 
تحديات مالية
 
الاستقرار حاجة نفسية ملحة، وتحقيقه يجب ألا يتوقف على محبس برّاق، أو زفاف مليء بالكماليات لإسكات أفواه الناس، فالتحديات المادية كثيرة، لذلك فإن القناعة والرضى بين الشاب والفتاة هما الأساس، وليس تفاصيل جزئية ليوم من العمر، وعلى كل فتاة أن تقدّر ظروف كل شاب، خصوصاً في الضائقة الاقتصادية التي لا ينجو أحد من تداعياتها، ولذلك لابد من تعاون وتضافر الجهود لمساعدة الشباب، وتسهيل الزواج، وتبسيط تكاليفه، والتقليل من طلبات الأهل، وخاصة المهور، إضافة إلى تشجيع الأعراس الجماعية،  وتفعيل حضور المجتمع المدني، ونذكر هنا مبادرة العرس الجماعي الذي أقامه الاتحاد العام لنقابات العمال لـ 200 شاب وشابة، ولا شك أن الأيام القادمة تتطلب استنفار جميع الجهات الرسمية والشعبية بمختلف تصنيفاتها وتسمياتها لإيجاد الحلول الاجتماعية قبل أن يفوت الأوان، فحياة الشباب ومستقبلهم أمانة ومسؤولية على الجميع!.
بشير فرزان - البعث
عدد القراءات : 7033

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245747
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020