الأخبار |
بصور جريئة مستلقية على المكتب البيضاوي.. باريس هيلتون تعلن ترشحها لانتخابات الرئاسة الأمريكية  لأول مرة.. الولايات المتحدة تسجل 60 ألف إصابة بكورونا خلال يوم  دولة خليجية تعين قاضيات للمرة الأولى في تاريخها  مسؤول أمريكي يعتذر عن حضور عشاء مع الرئيس المكسيكي بعد تأكيد إصابته بكورونا  الرئيس العراقي: الانتهاكات العسكرية التركية تجاوز على أراضينا  الأردن.. توقعات ببدء العام الدراسي في أغسطس المقبل  لعبة أردوغان الخطرة.. بقلم: نورا المطيري  “كورونا” يهزم ترامب .. والرئاسة طارت ..!!.. بقلم: صالح الراشد  انتهاء امتحانات شهادة التعليم الأساسي.. أسئلة اللغة الإنكليزية واضحة وشاملة  الصحة المصرية: تسجيل 1025 إصابة جديدة بكورونا و75 حالة وفاة  علماء البيرو يطورون جهازا للتنفس الاصطناعي يعمل بالتحكم عن بعد  ارتفاع ضحايا كورونا إلى نحو 550 ألف وفاة وأكثر من 12 مليون مصاب حول العالم  الدفاع الروسية: هيئة تحرير الشام تخطط لاستفزازات في إدلب واتهام الحكومة باستخدام أسلحة كيميائية  المكسيك تسجل حصيلة يومية قياسية في إصابات كورونا  “كوفيد – 19” يقترب من مليونيته الثانية عشر.. الكمامة أفضل سبل الوقاية  عشرات آلاف العمال الأمريكيين يضربون ضد العنصرية في 20 الجاري  وفاة عامل وإصابة اثنين جراء انهيار منزل في حي كرم القاطرجي بحلب  الرئيس الأسد يستقبل رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الايرانية اللواء محمد باقري والوفد المرافق له  روسيا تتدخّل مجدّداً لمنع المواجهة المصرية ــ التركية  الأسرة بحاجة إلى 270 ألف ليرة لتأكل فقط.. و202 ألف إذا قررت أن تكون نباتية !     

شعوب وعادات

2019-08-16 05:53:08  |  الأرشيف

قصّة إفلاس أصغر مليارديرة في العالم

«اليزابيث هولمز» Elizabeth Holmes شابّة أمريكيّة ذكيّة وطموحة، تسلّقت بسرعة سلّم الشّهرة والثّراء، وتربّعت وهي في الثانيّة والثلاثين من العمر على عرش «أصغر مليارديرة في العالم».ثم أفلست وتبخّرت أحلامها وتدحرجت من أغنى امرأة إلى امرأة مفلسة ومهدّدة بالسّجن.
«سيّدتي» تروي في هذا التّحقيق القصّة العجيبة لصعود هذه المرأة إلى القمّة ثم سقوطها إلى الهاويّة!
يمكن لأي شخص عادي من النّاس في الولايات المتّحدة الأميركيّة أن يكوّن بفضل ذكائه الوقّاد وعمله الدؤوب وحظّه السّعيد ثروة طائلة وأن يصبح مليارديراً.
وتاريخ الولايات المتحدة الأميركيّة زاخر بقصص رائعة وسير مدهشة لأشخاص انطلقوا من الصفر ليصبحوا من أغنى الأغنياء، فأميركا تغذّي الحلم لكلّ مواطنيها وحتّى للمهاجرين إليها.
ولكن وفي المقابل من الممكن لأي ثري ملياردير أن يفلس لسبب أو لآخر، وهناك قصص كثيرة دراميّة لمن أفلسوا وعادوا إلى الصفر بعد أن صعدوا إلى قمّة الثروة والثراء.
وقصة «إليزابيث هولمز» هي إحداها.
اختراع ثوري
دخلت «إليزابيث هولمز» جامعة «ستانفورد» ذائعة الصّيت بكاليفورنيا لدراسة الكيمياء، وغادرتها وهي في التاسعة عشرة من العمر بعد عامي دراسة فقط، ولم تكمل تعليمها الجامعي. انقطعت بإرادتها عن إتمام دراستها الجامعيّة، وأسّست وهي في تلك السن المبكّرة شركة طبية عملت بواسطتها على تعميم أسلوب جديد مبتكر في تحليل الدم، قالت إنّه أسرع وأقل تكلفة وأكثر جدوى من الأسلوب المتعارف عليه، فإن فحص الدم وتحليله لم يشهد تطوّراً يذكر منذ أكثر من نصف قرن وجاءت «إليزابيث هولمز» بفكرة جديدة من اختراعها، خلاصتها أنه بوخزة صغيرة واحدة في الإصبع وبقطرة دم واحدة يمكن إجراء 70 فحصاً مخبريّاً في ظرف زمني وجيز لا يتجاوز ربع ساعة وبكلفة زهيدة، ووفق ابتكارها لم تعد هناك حاجة لسحب كمية من الدم لكل تحليل، فقطرة واحدة تفي بالغرض لمئات التحاليل.
جاءت بفكرة ثوريّة في المجال الطبي وهي التي لم تدرس يوماً الطب أو علوم الصيدلة، وإنما كان الطموح الجارف يدفعها نحو طريق غير مسبوق يقود إلى الشهرة والنجاح والثروة.
رسالة الطفلة التي أصبحت مليارديرة
كانت الفتاة التي تكاد لم تتجاوز سن المراهقة تتّقد حماسة، وهي تذكر بأن 70 في المائة من العلاج الذي يباشره الطبيب يعتمد على نتائج التحاليل للدم، وبالتالي فإن فكرتها ـ إن تمّ تطبيقها كما تصوّرتها ـ تربح المال والوقت للمريض وتساعد أيضاً الطبيب، فالتقنيّة التي تقترحها ذات جدوى عاليّة وقليلة الكلفة.
وبفضل ما تتمتع به من شخصيّة قويّة و«كاريزما» ومن حضور طاغٍ في القنوات التلفزيونيّة، وبفضل مشاركاتها المكثفة في الندوات والمحاضرات، فإنها نجحت في الدعاية لمشروعها وتقديم ابتكار للمستثمرين الذّين سال لعابهم لمشروع مربح ربحاً كبيراً، ففي أميركا وحدها تجرى 7 مليارات اختبار للدم كل عام وهو قطاع يدرّ67 مليار دولار من الأرباح.
كثر الحديث عن اختراع «إليزابيث هولمز» وتم وصفه بـ«الثوري» وحصل إجماع على أنّها امرأة موهوبة وطموحة، وتولّت بنجاح التسويق لفكرتها، وقيل إنّها كتبت وهي في التاسعة من العمر رسالة إلى والدها جاء فيها قولها: «ما أريده في الحياة هو أن اكتشف شيئاً جديداً لم تكن الإنسانية تعتقد أنه ممكن تحقيقه!».
وهكذا بنت هذه الشابّة «أسطورة» حول فكرتها المبهرة على الورق أوّلاً، ثمّ جسّدتها في مؤسّسة كبيرة وشركة ضخمة، لها مخابر ورأس مالها 10 مليارات دولار ويشتغل بها 520 موظفاً وعاملاً، ونجحت في جلب مستثمرين كبار من المشاهير، وضمّ مجلس إدارة شركتها شخصيات هامّة، كلهم رجال وأعمارهم تفوق السبعين عاماً وتصل إلى 98 عاماً، وكلهم من علية القوم ومن بينهم روبرت مردوخ، ووزراء سابقون من المشاهير مثل جورج شولتز وهنري كيسنجر (95 عاماً) السياسي الأميركي المعروف ووزير الخارجية في عهد الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون وهو من المساهمين في شركة إليزابيث هولمز التي قال عنها: «إن سر نجاحها هو تفوقها الفكري».
 
امرأة سابقة لعصرها
«إليزابيث هولمز»، وهي اليوم في الخامسة والثلاثين من العمر سبق أن صنّفتها مجلة «فوربس» الشهيرة كأشهر مليارديرة أميركية في العالم، فرأس مال شركتها بلغ 9 مليارات دولار عام 2015 وثروتها الشخصيّة وصلت إلى خمسة مليارات دولار.
وما يميز المرأة أنها لم تكوّن ثروة من ميراث عائلي، بل هي من كوّنت ثروتها الخيالية بنفسها، وأصبح الكلّ يلهج باسمها كامرأة سابقة لعصرها، وأنّ لها رؤية مستقبليّة بفضل «ابتكار طبي ثوري»، وهي التي لم تدرس الطب يوماً، واحتلّت صورها غلاف أكثر المجلّات انتشاراً، وأحاطت بها هالة إعلامية ودعاية كبيرة، فهي أصغر مليارديرة في العالم وثروتها ثروة خياليّة وقد اختارتها مجلة «تايم ماغازين» من بين الـ100 امرأة الأكثر تأثيراً في العالم، كما نشرت شبكة «السي أن أن » قائمة أغنى 10 شبان في العالم تحت سنّ الأربعين، وكانت إليزابيث المرأة الوحيدة ضمن هذه القائمة، وأصبحت تلتقي كبار رجال السياسة والاقتصاد وتفتح أمامها كلّ الأبواب.
وعلى غرار «بيل غيتس» الذّي سعى بأن يكون جهاز كومبيوتر فوق كلّ مكتب، فإن «إليزابيث هولمز» أقنعت الجميع بأنّ لها فكرة غير مسبوقة مفادها السّعي بأن تكون اختبارات الدم التشخيصيّة لاكتشاف أي مرض قبل ظهوره، وهي ما فتئت تؤكد بأنّها عملية يسيرة في متناول الجميع، وتم فعلا الترخيص لها بالعمل وتعاقدت مع سلسلة من الصيدليات وبدأت العجلة تدور.
المليارديرة التي كرست حياتها للعمل
تنتمي إليزابيث هولمز إلى عائلة عريقة، فجدّها كانت له نجاحات في مجال الطب، وأمّها كانت عضوة بالكونغرس الأميركي وظهرت عند تأسيسها لشركتها في مظهر من تعيش حياة لا بذخ فيها، وحسب شهادة الصحافية «كان أوتيلا» الإعلامية بـ«نيويركر» التي زارتها في شقتها وأجرت معها حديثاً صحافياً، فقد لاحظت أن لا وقت لها إطلاقاً لمشاهدة التلفزيون، ولم تكن تستمتع بأي إجازة منذ عديد السنوات، ووجدت الصحافية ثلاجة «إليزابيث هولمز» فارغة في بيتها؛ لأنها تأكل في المكتب لا مواعيد غرام لها وهي تعمل ليل نهار.
تربعت إليزابيث هولمز طيلة أعوام على عرش الشهرة والمال، ولكن مشروعها بقي غامضاً فهي تعتمد السرية التامة، وبقيت تكرر أن مشروعها نجح، ولكن ظهرت كتابات هنا وهناك تقول مثلاً أن سحب نقطة دم من الإصبع أقل جودة عند التحليل من سحبه من الوريد، ثم هناك صحافي مختص تساءل: كيف أن امرأة لا علاقة لها بالطب تؤسس شركة تحت غطاء مؤسسة علمية طبية، وتقول إنها اخترعت منظومة طبية جديدة في تحليل الدم؟
 
تحقيقات استقصائية 
وفجأة هبّت عليها عاصفة هوجاء بدأت بتحقيقات استقصائية معمقة أجرتها عن شركتها الجريدة الشهيرة «وول ستريت جورنال» كشفت فيها أن ادعاء إليزابيث هولمز بأنها أحدثت «ثورة» في مجال تحليل الدم هي أكذوبة صدقها الكثيرون، وأن الحقيقة هي أنها باعت الوهم للناس وللمستثمرين الذين أسهموا في شركتها بمبالغ ضخمة.
وبيّن الصحافي المختص «جون كاريور» في الجريدة المذكورة ثم في كتاب عنوانه «دم فاسد» سيتحول قريباً إلى فيلم، أن الشركة التي أسستها إليزابيث هولمز لم تنجح في تحويل النظرية والفكرة التي روجت لها المخترعة إلى واقع ملموس فالآلة التي تم تسويقها والترويج لها على أنها ذات جودة عالية وقدرة فائقة إنما هي كذبة.
لقد حاولت منع الصحافي من مواصلة نشر مقالاته، ومارست عبر أقوى المحامين عليه شتى أنواع الضغوطات، ولكنه لم يرضخ وكشف في تحقيقات استقصائية أن شركة «إليزابيث هولمز» قامت فقط باستغلال آلات من شركات طبية مماثلة في الاختصاص، وقام بعض المهندسين العاملين معها بإدخال تحويرات عليها، ولكنها كانت تطارد السراب، فقد أكدت التحقيقات الاستقصائية للصحافي المذكور أن الآلة التي اخترعتها وصنعتها، لم تأت وفق التصورات النظرية الأولى، ولم تكن قادرة على تحليل سوى 4 أنواع فقط من التحاليل، وليس مئات كما بشرت هي بذلك.
قد تكون إليزابيث هولمز صادقة في مسعاها في البداية مدفوعة بطموحها الجارف، ولكن الواقع خذلها، ففكرتها كانت فعلاً ثورية على الورق، ولكن ورغم انتدابها لمئات الموظفين والمهندسين للعمل على إنجاز الفكرة وتصنيعها، إلا أنها تعثرت ثم فشلت.
 
**خدعت المجتمع العلمي الأميركي مدة 12عاماً!
ولكن الخطير أنها استمرت في الكذب والتحايل سنوات طويلة على الشركاء معها، والمستثمرين في شركتها، إلى أن افتضح أمرها وشاع بين الناس ممارستها للغش، وتبخّرت ثروتها وانتشر خبر إفلاسها، وأصبح حديث الجميع في الولايات المتّحدة الأميركيّة وعواصم بلدان كثيرة، بعد أن أعلنت مجلة «فوربس» أنّ إليزابيث هولمز أفلست وأن ثروتها اليوم صفر دولار.
تدخل القضاء لإجراء تحقيقات حول مغالطتها للمستثمرين الذّين مولوا شركتها، بعد أن ثبت لديهم أنها كسّرت معهم قواعد الشفافية المالية وغالطتهم، زد على ذلك شكاوى المرضى الذين قالوا إنه وقعت مغالطتهم بتشخيص خاطئ.
وتبيّن أن الأسلوب الذّي بشّرت به «إليزابيث هولمز» في تحليل الدم يمثّل خطراً على صحة المرضى، وبعضهم رفع قضايا وشكاوى، وطالبوا بتعويضات عما يكون لحقهم من ضرر، وقبلت اليزابيث أن تدفع غرامات مالية كبيرة لهم؛ درئاً للفضيحة وخوفاً من سحب المستثمرين أموالهم من شركتها.
وواصلت المراوغة والتمويه إلى حين تمت دعوتها إلى مكتب التحقيق الفيدرالي لاستجوابها، وستتواصل محاكمتها خلال عام 2020 بعد أن تم توجيه جملة من التهم الخطيرة لها، من بينها التزوير والغش والتحايل، وبقرار من المحكمة صدر قرار بإغلاق كل مخابرها وإغلاق الشركة برمّتها.
وفي انتظار محاكمتها فقد جنّدت أشهر المحامين وأمهرهم للدفاع عنها، ثم سارعت بالزواج في الخفاء من رجل غني رغم اعتراض عائلته على هذه الزيجة، وهي اليوم تعيش في شقة فاخرة في «سان فرانسيسكو» ويقال إنها تخطّط لكي تكون حاملاً يوم وقوفها أمام القاضي؛ علّه يكون رحيماً بها؛ لأن التهم التي وجهها لها القضاء عقابها 20 عاماً سجناً.
 
عدد القراءات : 5527

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245703
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020